الحمد لله نور السماوات والأرض لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، خلقنا سبحانه من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء زيادة في الخلق ومددا، والصلاة والسلام مترادفين لا ينقطعان سرمدا ولا يحصيان عددا.

تتربع قضية المرأة على كرسي عرش القضايا في عصرنا الحاضر ومنذ العصور السالفة، وفي العلوم الشرعية وفي غيرها من العلوم الأخرى، كيف لا وهي أم الطفل، وأخت الغلام، وصاحبة الزوج، وكسب رضاها طِلبة العابد حيث الجنة تحت أقدام الأمهات، وهي شريكة العامل، وهي المشيرة على المستشير، وهي المساهمة في اختيار الحاكم، وهلم جرا من الأدوار التي تضطلع عليها بها المرأة في المجتمع حيث الإنسانية تطير بجناحين إذا تكسر أحدهما زاغ الطائر عن المسار المنصوب له وكان مآله إلى ضياع وحاله إلى فساد.

إلا أن المرأة لم تحظ بالاهتمام وطيب المعشر اللائقين بها، بل كانت محط حيف وجور من جهات متعددة، لقد سلطت عليها مياسم القهر والإذلال من الرجل، ومن المجتمع، بأعرافه وتقاليده وثقافته، بل حتى من نفسها، بجهلها وركونها إلى الخرس والتجاهل لمظلوميتها والمطالبة بحقوقها وكرامتها.

هذا الأمر دفع الكثير من الباحثين جعل قضيتها محل بحث واستقصاء لاستكناه حقيقة هذا الظلم، والإحاطة بالأسباب وراء هذا التقهقر في أدوار المرأة في مجتمعها.

وإنها لمصيبة قاصمة أن ينسب هذا الجور إلى تراثنا الإسلامي، والأدهى والأنكى أن ينعت به الإسلام نفسه عند من لا يميزون بالنص وفهمه أو لا يريدون ذلك.

نسعى في ورقتنا هذه أن نبين بعض ألوان الحيف والإجحاف الذي لحقها في محور أول حتى إذا انتجز ثنّينا برديفه حيث نستقرئ آي القرآن الكريم بما يفيد القطع _ على نهج الإمام الشاطبي في توظيف الاستقراء دليلا لا يذر ظنا ولا يبقي شكّا _ على إنصاف الشريعة للمرأة واعتبارها صنوا لأخيها الرجل.

الأول: بعض مظاهر الإجحاف في حق المرأة

قسمت هذا المحور إلى ثلاث فقرات أخصص الأولى إلى ظلم المرأة من خلال المتخيل الشعبي، والثانية في بعض التجاوزات التي تغمط المرأة حقها في تراثنا العربي الفقهي والثالثة أجعلها حديثا حول الانتهاكات الحقوقية للنساء في عصور الحداثة.

الفقرة الأولى: في المخيال الشعبي: L’imaginaire populaire

تجد في المشهد الاجتماعي والثقافي المغربي سلوكات تنم عن احتقار للمرأة فاللسان العامي عند كثير من السوقة سليط في جنبها يردد مثلا عبارات من قبيل: ” المرأة حاشاك” أو ” هذيك غير امرأة”، أو ما يسجله التراث الشفهي على شكل أمثال شعبية أو زجل نذكر بعضها للتمثيل فقط:

“زين الراجل في عقلو، وعقل المرا في زينها.1

“الهجالة دواها عند الرجالة.نفسه: ص14.

“إذا عملت برأي لالاك، لا فضل لا راسمالك.” نفسه: ص97.

“يا ابن آدم نوصيك لا تأخذ الهجالة، تعريك وتقريك وتخليك في دربالة.” نفسه ص104.

– “الشيخ مول الثمانين يعود ينزار، العجوزة مولاة الستين تروح للنار.” 2

كما أن من الأمثلة التي شهدتها أعيننا أنك تجد الرجال يتهيبون من سياقة المرأة فما إن يروا أمام المقود أنثى حتى يهربون كأنهم يفرون من قسورة، ومنهم من يخاف الركوب معها، أو عند استرشادهم للطريق منها لا يثقون في نعتها.

الفقرة الثانية: نقط سوداء في التراث الإسلامي

إن المتصفح لمؤلفات شيوخنا وعلمائنا –رحمهم الله تعالى وأجزل لهم المثوبة وعفا عن كبواتهم- يلقاها مختلطة بالغث والسمين ملونة بالبياض والسواد تحمل في بطونها العسل كما تحمل العذرة، وهذا كلام متنطع لولا أن المصادر توثقه، لذلك  كان لزاما عليّ أن أسوق على الأقل مثالا فاخترت هذه الصورة الحية التي تنضح بالعقلية الذكورية، حيث قال أحد المفسرين في قوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [الروم:21]: “لما بين الله خلق الإنسان بين أنه لما خلق الإنسان، ولم يكن من الأشياء التي تبقى وتدوم سنين متطاولة أبقى نوعه بالأشخاص وجعله بحيث يتوالد، فإذا مات الأب يقوم الابن مقامه لئلا يوجب فقد الواحد ثلمة في العمارة لا تنسد، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله : (خلق لكم) دليل على أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع، كما قال تعالى: (خلق لكم ما في الأرض) [البقرة : 29] وهذا يقتضي أن لا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف، فنقول: خلق النساء من النعم علينا وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا وذلك من حيث النقل والحكم والمعنى، أما النقل فهذا وغيره، وأما الحكم فلأن المرأة لم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها، وأما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبي، لكن الصبي لم يكلف فكان يناسب أن لا تؤهل المرأة للتكليف، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم، ولولا ذلك لظهر الفساد.” 3

كما أنك تلحظ انزلاقات أخرى في العقل الفقهي أذكر بعضها على الإجمال محيلا على المظان الفقهية لمن أراد التوسع:

– الإصرار على الحفاظ على نظام الرق والإماء رغم دعوة الشريعة المتكررة إلى القضاء عليه.

– إجبار الآباء والأولياء سواء القاصرات أو العوانس على الزواج.

– تجويز ضرب النساء إذا قصرن في الخدمة.

– تعدية قوامة الرجل على المرأة في بيت الزوجية إلى الشأن العام، ليورّث حرمانها من المشاركة في التدبير والتنمية والعمارة.

– انتشار “أحاديث” موضوعة تكرس دونية المرأة: مثل قولهم: “شاوروهن وخالفوهن.”

الفقرة الثالثة: بعض الانتهاكات الحقوقية للنساء في فكر الحداثة الغربي.

رغم تبجح الفكر الغربي بأسبقيته للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولحقوق النساء خاصة، فإن سجله طافح بالانحرافات الفكرية والسلوكية التي تعلن عن أحقية الرجل بالقيادة والتدبير والإشراف وترك النساء في الظل حتى بعض فترة ما يسمونه بـعصر “الظلمات”: L’ère de Ténèbres، نذكر بعضها تمثيلا لا حصرا:

– “ظلّت النساء طبقاً للقانون الانجليزي العام حتى منتصف القرن الماضي تقريباً غير معدودات من الأشخاص أو المواطنين الذين اصطلح القانون على تسميتهم بهذا الاسم، لذلك لم يكن لهن حقوق شخصية، ولا حق في الأموال التي تكسبها، ولا حق في ملكية شيء حتى الملابس التي كنّ يلبسنها .

بل القانون الانجليزي حتى عام 1805 م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدّد ثمن الزوجة بستّة سنتات.” 4

– اعتبر الفكر الاشتراكي عمل المرأة داخل البيت واعتناءها بالأطفال مظهرا من مظاهر العبودية والخضوع للزوج، فقد صنف فريدريك إنجلز كتابا سنة 1884م يشرح فيه أطروحته وسمه بـــ” أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، كما ألفت قبله ماري وولستون كرافت كتابا “حقوق النساء”، سنة  1792م، حيث قدّرت الزواج بمثابة دعارة قانونية، (من حيث تظن نفسها منافحة عن حقوق مثيلاتها وأترابها).  

كما اعتبرت الفيلسوفة سيمون دوبوفوار Simone de Beauvoir الأمومة قرينة الخنوع.

(.Elle refusera d’avoir des enfants, associant maternité et soumission)

كما رفعت شعارا يلخص جهودها في الحركة النسوية ومعركتها حتى صار يطلق على فلسفتها باسمه فلسفة النوع “Le genre” ومفاده: “لا نولد نسوة ولكن نصيّر كذلك”:

“On ne naît pas femme mais on le devient” وتقصد أن التنشئة الاجتماعية وليست البيولوجية هي المسئولة عن تصيير الأنثى امرأة والذكر رجلا.

– لم تأخذ المرأة في أوروبا الحق في التصويت إلا سنة 1918 في انجلترا أما في فرنسا فيبغي أن تنتظر حتى تضع الحرب أوزارها سنة 1945 م.

– عرفت حركة تحرير المرأة “بخيره وشره” في الغرب والمطالبة بحقوقها ثلاث موجات يمكن تفييئها على الشكل الآتي:

1- الحق السياسي: خاصة حق التصويت، الحق في التعليم والحق في العمل…

2- الحق الاجتماعي: الحق في منع الحمل والحق في الإجهاض، والحق في المساواة في الأجور…

3- الحرية الجنسية المتحررة من كل القيود، “والتمركز حول الأنثى، وتعرية الأنسان من منظومته القيمية وخصوصيته القومية” على حد تعبير الدكتور عبد الوهاب المسيري ملخصا شعار ما بعد الحداثة النسوي في المقولة التالية: “إذا كانت الفيمينزم هي النظرية، فالسحاق هو التطبيق.” 5 “If feminism is the theory lesbianism is the practice”

بعد أن ذكرنا جانبا غير مشرق لا في الشرق ولا في الغرب من قضية المرأة والغض من كرامتها وتفضيل الرجل عليها محاباة وتحيزا وتفضيلا، نتحول إلى آي القرآن الكريم نشم عبق وأريج العدل من العدل سبحانه، ونتفيأ ظلال الإنصاف من المقسط تبارك اسمه وتعالى جدّه.

الثاني: مظاهر الإنصاف في الشريعة الإسلامية

إذا بينت أن الذكر والأنثى لا يتفاضلان ولا يتزايلان أمام الحق سبحانه فإن ما وراء ذلك لن يكون عصيا على الإثبات والاحتجاج على أخوتهما في الآدمية وتكاملهما بلا تحيز ولا تميّز، لذلك سأعرض فيما يلي القواسم المشتركة بين الجنسين بمنهج استقرائي يفيد البيان بالقطع على ما ذكرت:

1- وحدة النوع: خلق الله تعالى الإنسان بشقيه الذكري والأنثوي من نفس المادة أي من تراب وصلصال ونفخ فيه من روحه، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:26-28] ، فليس بين الناس تفاضل في الإنسانية، لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى ولا أنثى و أنثى ولا ذكر وذكر. قال الدكتور محمد الروكي: “وفي قوله تعالى من الآية:  أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [  الروم: 21 ] دلالة على أن الذكر والأنثى كانا رتقا ففتقهما الله…وهذا هو السر في انجذاب أحد الجنسين للآخر.”  6

2- وحدة أصل التكوين: يخلق الله تعالى ما تضعه الأنثى ذكرا كان أو أنثى من نفس المادة وهي نطفة تنشأ من امتزاج مشيج ذكري بمشيج أنثوي، قال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [ النجم: 45،46].

3- وحدة الثواب والعقاب: هيأ الله سبحانه جزيل المثوبة لأهل طاعته ذكورا كانوا أو إناثا دون تمييز أو تفاضل أو محاباة لجهة على أخرى، قال سبحانه: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ  بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ  فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ  وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران:195 ].

وقال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [ الأحزاب :35].

كما ورد ذكر مساواة المرأة الرجل في العقوبة عند الجناية في قوله تعالى: ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ .[النور:2]، وقوله تعالى: وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .[المائدة:40].

4- وحدة الوظيفة والمسؤولية: إن وحدة النوع الإنساني تستلزم وتقتضي بالتبع وحدة الوظيفة العامة للبشر ووحدة المهمة التي خلقوا من أجلها والمقصد الذي يطلب منهم تحقيقه من دون فرق بين ذكر وأنثى، فإذا تأملنا نجد:

أ- أن جوهر هدف الإيجاد هو الدينونة لله وحده وعبادته، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].

ب- وأن مهمة عمارة الأرض واستكناه خيراتها واستغلال ما سخر الله لبني آدم في قوله: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ  [لقمان : 20]، وقال سبحانه:  وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية : 13]،هذا التسخير وهذا التمتع إنما هو مشاع بين النوع الإنساني ذكورا وإناثا دون ميل ولا جنف.

5- وحدة إمكان القرب من جناب الله تعالى وطلب ولايته: لكل إنسان –ذكر وأنثى- الحق في طلب التزلف من الله جل وعلا ونيل مرتبة ولايته، فهي ليست حكرا على الرجال دون النساء و لا العكس، قال سبحانه:  أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64 ]. وهنا نذكر أمنا عائشة رضي الله عنها أو رابعة العدوية وغيرهما كثيرات.

6- وحدة الحقوق الواجبات: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: 228]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «أَلاَ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا.»  وناهيك بهذين النصين.

7-وحدة المصير: بعد رحلة الآدميين في سفينة الحياة يؤول الجميع إلى الموت ولا يستثنى منها أحد مهما كان نوعه، يقول سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

 8- وحدة الكرامة الآدمية: لقد خص المولى عز وجل بني البشر-ذكورهم وإناثهم دون تمييز ولا محاباة- بالكرامة والتفضيل على سائر الخلق فقال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا .[ الإسرا ء :70]

9- وحدة الانتظام في سنة الزوجية الكونية: يقول الدكتور الشاهد البوشيخي: “إن الوحدة البشرية لا تخرج عن سنة الزوجية الكونية، فالوحدة البشرية هل هي الذكر؟ كلا ثم كلا، هل هي الأنثى؟ كلا ثم كلا، هل هي الرجل؟ كلا ثم كلا، هل هي المرأة؟ كلا ثم كلا. الوحدة البشرية مكونة من الصنفين معا في شكل زوجين، منهما المنطلق، فالزوجية في العربية، والزوجان في العربية ليس ثنائية أصلها تعدد الواحد، لا، وإنما شيئان متكاملان يكونان شيئا واحدا، فلا معنى لأحدهما من دون الآخر… وهذه الزوجية أصيلة في الكون، الكون كله مركب على هذه الزوجية، يقول تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.[ الذاريات:49].” 7 وقريب من هذا المعنى كلام ابن قتيبة إذ يقول: “ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده، ليعرف كل واحد منهما بصاحبه. فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمر، لقول الله تبارك وتعالى: سبحان الذي خلق الأزواج كلها… 8

10- وحدة البناء والتناصر: فإلى الجنسين موكول بناء الأمة الحضاري والتناصر لإعلاء راية التوحيد، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ التوبة: 71 ].

11- وحدة القابلية للفتنة: أي أن الافتتان قائم من الجهتين فلا تثريب ولا مؤاخذة على طرف دون الآخر، إذ أن الملاحظ والعرف هو أن الأنثى هي المتهمة دائما -حتى لو تم اغتصابها-، فكما بيّن الحق سبحانه ميل الرجال نحو النساء في نحو قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ… الآية  [آل عمران : 14].بين أيضا سبحانه ميل النساء نحو الرجال وتعلقهم بهم  في نحو قوله تعالى: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ  إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ  إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ  [يوسف : 23]. وبهذا يتبين أن المرأة شريك في الاستمتاع الجنسي وليس موضوعا للذة فقط كما يحسب بعضهم.

12- وحدة النموذج: عندما يضرب الله مثلا ونموذجا سواء للتأسي به في الصلاح، أو للفرار منه والاشمئزاز من سيرته عند الطلاح، يجعله صالحا للرجال والنساء معا، وذلك نحو قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. وضرب الله مثلا للذين آمنوا فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين [ التحريم: 10]، أي أن المرأة التي تنشط في واقع الفساد وترتكس في حمأته تكون نموذجا للعصاة، والمرأة التي تنشد الخير وتنافح عنه في مجتمع الخير  تصلح نموذجا للطائعين ذكورا وإناثا.

13-وحدة الأحاسيس والمشاعر: بثّ الخالق عز وجل في النفس الإنسانية نفس ألوان الأحاسيس والانفعالات فالذكر مع الأنثى يعتريهما الخوف والفرح والحزن الضحك والبكاء والحب والبغض والغيرة والنشوة…قال سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [النجم:  43].

14- وحدة الخطاب: تتلقى المرأة -تماما مثل الرجل- معالم الوحي منذ اليوم الأول دون فصل أو تمييز، ولذلك نجد ابن حزم يخصص فصلا في كتابه الأصولي “الإحكام في أصول الأحكام” يدافع فيه بقوة عن أن ورود الأمر بلفظ خطاب الذكور يشمل الجنسين، قال رحمه الله: “قال علي: اختلف الناس: فقالت طائفة: إذا ورد الأمر بصورة خطاب الذكور، فهو على الذكور دون الإناث، إلا أن يقوم دليل على دخول الإناث فيه.

فنخلص بعد هذه الجولة من استقصاء نقاط التداخل والتشارك مستظهرة بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة إلى أن الشارع الحكيم سبحانه إنما قصد إلى جعل الجنسين في تكامل وتآزر لا مناحرة ولا مداربة ليسهما معا في مهمة الاستخلاف الرباني والعمارة الأرضية كل من موقعه وما يحسنه ويتفنن فيه.” 9

خاتمة

بعد أن استظهرت هذه الآيات بعضها ببعض -وإنّ كل واحدة منهن لكافية- لكن اجتماعها يقطع العذر ولا يذر مجالا لمشوش ولا مشاكس في بيان إنزال الله تعالى الذكر والأنثى في صعيد واحد ومنزلة متحدة لا يتفاضلان إلا بالتقوى ولا يتزايلان إلا بالعمل الصالح، إعمارا للأرض وحسن استخلاف فيها، حتى إذا ظهر في الثنايا والتضاعيف في الظاهر تعارض إنما ينبغي أن يقابل بالكلي القاطع ويؤول بما يحفظ للأنثى كرامتها وللرجل هيبته جنبا إلى جنب انتصارا للحق وحفظا للعدالة وخدمة للأسرة الصغيرة والكبيرة. 

وصلى الله وسلم وبارك على خير الأزواج سيدنا محمد وآله الأطهار وصحبه الأخيار ومن لف لفه ونهج طريقه من التابعين الأبرار والحمد لله رب العالمين.


[1] تمثلات المرأة في المتخيل الشعبي والتراث الشفهي المغربي، تنسيق المصطفى الشادلي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 154، مطبعة النجاح الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2008، ص15.
[2] نفسه: ص104.
[3] التفسير الكبير للفخر الرازي، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981، ج20، ص111.
[4] الحقوق الواجبات على الرجال والنساء في الإسلام، الدكتور ربيع المدخلي، دار المدينة النبوية للنشر والتوزيع، ص 10.
[5] مقالة بعنوان: “ما بين حركة تحرير المرأة وحركة التمركز حول الأنثى: رؤية معرفية” مقدمة إلى جامعة الصحوة الإسلامية في دورتها الخامسة “حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام”، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الرباط، سنة 1999م، ج3، ص90.
[6] الروكي محمد، جامعة الصحوة الإسلامية، الدورة 5، سنة 1998 حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام،ج1،ص347.
[7] البوشيخي، الشاهد، نظرات في المسألة النسائية في القرآن الكريم، مطبعة آنفو- برانت 2010فاس.
[8] تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، ص 64.
[9] ابن حزم الأندلسي أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد، الإحكام في أصول الأحكام، ط. الآفاق الجديدة بيروت،1983 طبعة  محققة على مخطوطتين ومقابلة على النسخة التي حققها الشيخ أحمد شاكر مجلد8،ص80.