تدخلت السلطات العمومية لتوتر الأجواء بمدينة جرادة خلال الأيام الأخيرة، بعدما أعلنت الدولة إشهار قبضتها الأمنية الحديدية في وجه الحراك الذي خرج قبل أربعة أشهر في احتجاجات سلمية للتعبير عن مطالب اجتماعية تتمثل في رفع التهميش وتوفير الكرامة في العيش.

هو سيناريو يتكرر، ويؤكد تسلط الدولة في التفاعل مع مطالب شعبية عادلة بالقمع والعنف والاعتقالات بدل التفاعل معها بالاستماع لمعاناة الساكنة، والإسراع باتخاذ إجراءات عاجلة لتدبير أزمتهم والحد من الإقصاء والتهميش الذي يغشى معيشهم اليومي.

من الريف إلى جرادة اختار المخزن النهج العنيف والاعتقالات الترهيبية ظنا منه أنه سيشيع الخوف بين المغاربة الرافضين لحياة المذلة والتواقين للحياة بعزة، لكن حساباتها خانتها… فكلما شاع الظلم زادت الاحتجاجات ضده.

فيما يلي نعيد كرونولوجيا أبرز الاحتجاجات التي شهدها المغرب مع الموجة الثانية للاحتجاجات بعد 20 فبراير والتي انطلقت  بحراك الريف بعد موت محسن فكري، والتي واجهتها العقلية المخزنية بالقوة والاعتقالات.

حراك الريف

انطلق حراك الريف بعد الموت المأساوي لبائع السمك محسن فكري ابن مدينة الحسيمة، احتجاجات سلمية ثارت في وجه الظلم وطالبت الدولة برفع الحيف عن المنطقة، فاستجابت الدولة بعد بضعة أشهر من النضال المتوالي بتحريك أجهزتها القمعية لنسف هذا الحراك الذي زعزع عروشها، وأطلقت جملة اعتقالات عشوائية وأخرى مدبرة، وجرّت في طريقها الصغير والكبير، لتزج بالمئات من أبناء الريف في سجون الظلم، ملفقة لهم تهما جاهزة، وأوكل لقضائها الحكم بعشرات السنوات النافذة على شباب مسالم خرج بوعي للدفاع عن حقوقه في العيش.

وتجاوزت الاعتقالات الـ300 ناشط في الحراك من بينهم عشرات القاصرين، وتمت إدانتهم بتهم ملفقة، وتراوحت الأحكام بين 6 أشهر و20 سنة، فيما لا يزال العشرات قابعون في السجون بسبب تمديد محاكماتهم.

حراك تندرارة

شهدت مدينة تندرارة الواقعة بإقليم بوعرفة بالشرق غليانا شعبيا بسبب وفاة طفل في حادث سير مأساوي بتاريخ 11 يناير 2017، بعد تأخر سيارة الإسعاف مما أدى إلى وفاته متأثرا بجروحه تحت عجلة الشاحنة التي دهسته.
وأمام هذا التهاون واللامسؤولية قام السكان باحتجاجات غاضبة، وكانت فرصة للتعبير عن استنكارهم للتهميش الذي تعيشه المنطقة التي لا تتوفر على أبسط ضروريات العيش وضمنها مستشفى، وطالبوا بتحسين الأوضاع ومحاسبة المسؤولين عن الوضع المتأزم الذي تعيشه المنطقة.
بعد هذه الاحتجاجات تحركت الدولة على وجه السرعة لقمعها وشن حملة اعتقالات كالعالدة، فاعتقلت ثمانية من النشطاء، وتابعتهم بتهم “إهانة موظفين عموميين أثناء القيام بمهامهم، واستعمال العنف ضدهم، والمساهمة في تنظيم مظاهرة في الطريق العمومي غير مرخص بها، والتجمهر المسلح، والعصيان، وحمل السلاح في ظروف من شأنها تهديد سلامة الأشخاص والأموال، والمشاركة في تلك الأفعال، والإمساك عمدا عن تقديم المساعدة لشخص في خطر للجميع”.

بعد إحالة ملفهم على القضاء لم يتأخر هذا الأخير بإصدار أحكام جائرة مساء يوم الخميس 18 يناير 2018، فوزع 42 شهرا نافذا على المعتقلين.

حراك اولاد الشيخ

في 31 مارس 2017 عمدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى توقيف خطيب مسجد بدوار ولاد الشيخ إقليم قلعة السراغنة السيد سعيد الصديقي بأمر شفوي، في خرق سافر للمساطر المعتمدة في مدونة المساجد من غير تعليل لقرارها المعيب شكلا ومضمونا، علما أن الإمام المذكور لم يرتكب أي خطإ مهني يستوجب هذا التوقيف والعزل، بل يشهد له الجميع بالصلاح والاستقامة والتفاني في خدمة أهل قبيلته، فاستنكرت ساكنة القبيلة هذا القرار الجائر وقاطعت صلاة الجمعة وخرجت في احتجاجات سلمية مطالبة بإعادة الإمام إلى منبره.

بعد ثلاثة أسابيع انزعجت الدولة من الاحتجاج فتحركت قبضتها الأمنية وقمعت الاحتجاجات وشنت حملة اعتقالات شملت حوالي 20 فردا من القبيلة، ووجهت لهم تهما جاهزة.

انطلقت المحاكمات بتهم ملفقة، لتختم جلسات المحاكمة الابتدائية يوم 13 يونيو 2017 بأحكام جائرة، حيث أدين عشرون (20) شخصا بـعشر (10) سنوات ونصف حبسا نافذا، و195000 درهما غرامة نافذة، تسعة (9) منهم معتقلون، وأحد عشر (11) في حالة سراح  من بينهم أربع 4 نساء. وفي الحكم المستأنف أصدرت المحكمة يوم الإثنين 16 أكتوبر 2017 قرارها في الملف مبقية على العقوبات السجنية النافذة وإن خفظت أغلبها، وتجاهلت مطلب تبرئتهم الذي دافعت عنه هيئة الدفاع ورفعته الهيئات المحلية بقلعة السراغنة.

حراك زايو وأزرو

خرج عشرات المواطنين من سكان أولاد أعمامو بزايو، يوم 12 شتنبر 2017، في مسيرة احتجاجية، من أجل المطالبة بحقوقهم في العيش بكرامة، ورفع التهميش عن المنطقة، فووجهت بتدخل أمني عنيف، أصيب فيه عدة محتجين من بينهم نساء. واعتقلت الناشط سعيد العيلي وأدانته بأربعة أشهر ظالمة.

وفي أزرو اعتقلت السلطات هشام بلعلام 18 شتنبر 2017 على خلفية نضاله الإعلامي والحقوقي والنقابي وأيضا لانتمائه السياسي، وقد عرف بنشاطه على واجهات مختلفة، وأسس صفحة على موقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك  سماها “أزرو بلا قيود” متخصصة في متابعة الشأن المحلي، حيث دأب على نشر صور وفيديوهات، في هذه الصفحة، تفضح الفساد الإداري والمالي بالإقليم، كما تغطي مختلف احتجاجات ساكنة المنطقة، وتتابع ملفات ذات أهمية، من بينها ”الدور الآيلة للسقوط، غلاء فواتير الماء والكهرباء، وواقع الصحة والتعليم “. وتوبع بلعلام بتهم جاهزة وحكم عليه بشهر نافذ.

حراك زاكورة

خرج سكان مدينة زاكورة في مظاهرات احتجاجية يوم  24 شتنبر 2017، ضد الغلاء المبالغ فيه لفواتير الكهرباء، والانقطاعات المتكررة للماء الشروب، مستنكرين  لامبالاة المسؤولين، وعدم اكتراثهم لمطالب الساكنة العاجلة وذات الأولوية، رغم حاجتهم الضرورية للماء الذي يرتبط به حياة الناس، وهو ما زاد الأوضاع تدهورا، خاصة أن هذه المنطقة تتميز بمناخها الجاف.

وأمام هذا الاحتجاج السلمي الذي عبر من خلاله سكان المنطقة عن غضبهم مما آلت إليه حياتهم الاجتماعية من ترد، تدخلت السلطات العمومية لقمع هذا الاحتجاج ومحاصرة المتظاهرين، وأقدمت على اعتقال نشطاء ينتمون إلى التنسيقية المحلية لرفع التهميش عن مدينة زاكورة.

حراك بويزكارن

في مدينة بويزكارن الجنوبية خرج السكان يوم  29 أكتوبر 2017  للاحتجاج على الأوضاع الصحية المتردية، منددين بلامبالاة المسؤولين إزاء معاناتهم، وطالبوا برفع التهميش عن المدينة وتوفير الخدمات الصحية الضرورية.

ومع تكرار الاحتجاج بالمدينة اعتقلت السلطات خمس نشطاء من حركة “الصحة للجميع” ببويزكارن مساء يوم الأحد 25 فبراير 2018 وتابعتهم بتهم ملفقة.

حراك جرادة

تشهد جرادة المدينة الشرقية منذ حوالي أربعة أشهر حراكا اجتماعيا منظما وسلميا، تتمثل مطالبه في توفير العيش الكريم ووضع حد لمقتل أبناء المدينة داخل آبار الفحم التي تعتبر مصدرا وحيدا للعيش. وأمام تنامي الاحتجاج وتنوع أشكاله النضالية أعطت الدولة لأجهزتها الأمنية الضوء الأخضر لقمع الاحتجاجات الاجتماعية السلمية بمدينة جرادة، ابتداء من يوم الأربعاء 14 مارس 2018، وذلك في بلاغ رسمي صادر عن وزارة الداخلية مساء الثلاثاء، كما شنت أجهزتها حملة اعتقالات استهدفت أبرز نشطاء الحراك، وهددت رواد الفايسبوك بالمتابعة القضائية في حال التفاعل مع الحراك.

ورغم الإنزال الأمني الكبير الذي طوق المدينة صباح الثلاثاء 13 مارس 2018، خرجت ساكنة المدينة في مظاهرات حاشدة نحو ساحة الشهداء للاعتصام من أجل المطالبة بإطلاق سراح نشطاء الحراك المعتقلين.

هذا ويستمر المسلسل النضالي للساكنة المطالبة بحقوقها الاجتماعية المشروعة التي حرمت منها لعقود، في ظل جمود رسمي من الدولة في التفاعل الإيجابي مع هذا الحراك.