يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في فقرة “الولد الصالح” في الجزء الثاتي من كتاب “تنوير المؤمنات”، في الصفحتين 193-194:

روى مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتَفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له“.

أول علم نستفيده من هذا الحديث الكريم هو أن الولَدَ من عمل الإنسان. الولَدُ خلْقُ الله وعمل الإنسان. الإنسان مسؤول عن ذنوبه يُعاقب عليها إلا أن يتوب فيغفرَ الله له، مجازىً على حسناته إن تقبلّها الله الكريم قَبولا حسنا.

إذا استقر لدينا، والحديث دليـل قاطع، أن الذريَّة -صالحةً أو فاسدةً- هي من عمل الإنسان، لا ينفي كونُها خلقا لله كونَها عمَلاً للإنسان، فقد توجّه أمامَنَا عِظَمُ مسؤولية الإنسان عن ذريته: تصلح إن أصلحها، وتَفْسُدُ إن أساء تنشِئتها. فيترتب على هذا المنطقِ المستنير بنور الوحي ونور التوجيه النبوي منهاج المسؤولية البشرية عن صلاح الأجيال وفسادها. لا يهدي للصلاح إلا الله، لكن الهداية الإلهية يقيض الله لها بشرا يهدون. والغَوَايَةُ تضليل من شيطان جن أو شيطان إنس.

نحن في صميم الموضوع الذي كنا نهيِّئُ له في الفصول السابقة. إن كان الكمال القلبي الإحساني غاية الغايات، ومثال ما ينبغي أن تعمل المرأة ويعمل الرجل لتلَقِّي عطائه من الله، فإن كمالَ المرأة الوظيفي وكمال الرجل، أبوَين مسؤولين مُرَبيين، هو غاية ما يراد منهما تحقيقه حفظا لفطرة الله، ونشراً لرسالة الله، وخدمة لِأمة رسول الله. ما يرفَع المرأة إلى القداسة إلا أمومتها، وما يرفع الرجل إلا أبوته، يُذْكَر حقهما بعد حق الله مباشرة في قوله تعالى: وقـضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحسانا. (سورة الإسراء، الآية: 23) وما من أمومَةٍ تستحق اسمها وتنال من الله عز وجل نوالها إن كان العمل فاسدا، إن أنجبت غُثاءً كغثاء السيل، إن أساءت تنشئة نسلها، وأهملته، وأسلَمَتْهُ إلى غيرها مِن وَسَط منحل، وإعلام مفسد، وشارع سائب، ورفقة مُضلة.

ما يكون لكمالها العلمي والخلقي وتقواها إلا زينةٌ عقيمة إن أفادتها إفادة فهي فائدة محدودة، ينقطع بعد الموت عملها إن لم تُخَلِّفْ ذرية صالحة، إن لم تساهم في بناء الأمة، إن لم توظِّف كمالها العلمي والخلقي والقلبي في صنع مستقبل أمتها، واكتفَتْ بكونها معْبَراً لبروز الذرية، ومحطة لمرورها.