تـقديـم

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا 1.

آية قرآنية كريمة يدعونا فيها رب العزة والجمال والجلال إلى تمثل أخلاق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والتأسي بالمصحوب الأعظم في هديه، فمن يطالع سيرته العطرة الطيبة يقف على معاني الرفعة والسمو والكمال في مختلف مجالات الحياة، حياة عظيمة بعظم رسول بعث رحمة للعالمين، رحمة نبي مصحوب وأب حنون وزوج ودود وقائد ملهم.

في هذه الأسطر، نستضيء ببعض المشاهد والإضاءات من بيت النبوة -أغلبها معلوم لدى غالبية الأمة- حسبنا التذكير بها علّنا ننتفع بمعالمها، فقيمة هذه الأخلاق والقيم في تطبيقها، عملا بالتوجيه الرباني وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين 2.

جميل المعشر، حسن المخبر، دائم المبشر

معلوم أن شهادة الزوجة في زوجها لا تعلوها شهادة، فهي المطلعة على ما خفي من الظاهر؛ سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، وأكرم الناس، كان رجلاً من رجالكم إلاّ أنه كان ضحّاكًا بسّامًا، وما كان إلاّ بشرًا من البشر، كان يكون في مهنة أهله، يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة، ولا رأيته ضرب بيده امرأة ولا خادمًا” 3.

ومن رفيع خلقه صلى الله عليه وسلم ما وصفه به ربيبه ابن أبي هالة -ابن السيدة خديجة رضي الله عهنا، وكان وصافا- قال رضي الله عنه: “كان رسول الله دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا غياب، ولا مداح، متغافل عما لا يشتهي، ولا يوئس منه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، ومما لا يعنيه…” 4.

كيف لا يكون كذلك وقد وصفته السيدة عائشة رضي الله عنه بوصف جامع “كان خلقه القرآن” 5.

سبقة “هذه بتلك” في سفر دعوة وجهاد

عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: “خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ لِي تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ، وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ يَا عَائِشُ هَذِهِ بِتِلْكَ”[ 6.

لم تمنع أعباء الدعوة والجهاد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ملاطفة أزواجه، وممازحة أصحابه والأمثلة في هذا الباب عديدة يعجز عن حصرها هذا المقال.

أنموذج نبوي راق قوامه الحب والمودة والرحمة

الحب والمودة والرحمة، ثلاثية أساسية للحياة الزوجية، بل هي أسها وأساس نجاحها، والتيسير والتطاوع باب لاقتحام كل عقباتها، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه” 7.

حب نبوي عاشت في كنفه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بيت نبوي عامر بالصفاء القلبي مفعم بمعاني التقدير والوفاء والتفاعل الوجداني الفياض. عن عائشة رضي الله عنها قالت: “رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول: وا رأساه! فقال: بل أنا يا عائشة، وا رأساه!” 8.

وعنها رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي” 9.

بيت نبوي مستقر جمع محاسن الأخلاق، وربى مجتمعا قرآنيا قياديا فريدا. قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “ولا غنى للمؤمنات عن الاطلاع على حياة الصحابيات لتطمئن قلوبهن وعقولهن إلى أن النموذج الذي ينبغي أن يحتذى هو ذاك الذي رعته تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشارك فيه بنفسه، وحضرته أمهات المؤمنين. ليس النموذج الفقيه المتشدد الذي بقي حائرا بين نصوص محررة واضحة، وبين واقع الألف قرية التي سادتها الزينة والعطلة والفتن والعُضلة. حار الفقه، فتشدد، وسد الذرائع، وأغلق الأبواب، وحجّر على العقول، وغَم القلوب، وأمات في الأجيال الناشئة في حضن السجينات ما أحيته أمهات الجيل الأول في الفاتحين المجاهدين. مجاهدات ربين مجاهدين. ولا تربي السجينات إلا صورة من عطالتهن” 10.

النساء وصية مودع

عن السيدة أم سلمة رضي الله عنها أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: “الصلاة وما ملكت أيمانكم، فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه” 11.

ما أعظمه من شرف! وما أجله من تكريم! أن يقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عماد الدين الصلاة والوصية بالنساء خيرا، وهنا تتجلى لطيفة من اللطائف، فكما أن الصلاة عماد الدين إذا صلحت صلحت سائر الأعمال، فالمرأة كذلك عماد الأسرة والأمة إذا “أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق”، فالمرأة مربية الأجيال وصانعة المستقبل.

كما كانت وصية النساء من أهم وصايا خطبة حجة الوداع حين قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك” 12.

وفاضت روحه الطاهرة الشريفة صلى الله عليه وسلم، وهو على صدر زوجه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حضن الدعوة والعطاء والوفاء، تقول رضي الله عنها: “إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمان وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك. فقلت: احذُهُ لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فَاشْتَدَّ عليه. وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فليَّنْتُهُ، وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدحل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفِيق الأعلى حتى قبض ومالت يده” 13.

خاتمة

وأجمل ما نختم به هذه الإضاءات قول الله عز وجل: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ 14، يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن”: “أصل اللباس في الثياب، ثم سُمي امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا، لانضمام الجسدين وامتزاجهما وتلازمهما؛ تشبيها بالثوب” 15.


[1] سورة الأحزاب، الآية 21.
[2] سورة الذاريات، الآية 55.
[3] طبقات الإمام ابن سعد ج 1 ص 91.
[4] البداية والنهاية للإمام ابن كثير ج 8 ص 447.
[5] صحيح الإمام مسلم، (ح 746).
[6] مسند الإمام أحمد، (ح 26277).
[7] متفق عليه.
[8] سنن ابن ماجه (ح1465).
[9] سنن الترمذي (ح3895).
[10] كتاب تنوير المؤمنات، ج2 ص 76.
[11] سنن الإمام ابن ماجة ، (ح 1625).
[12] مسند الإمام أحمد، (ح15592).
[13] صحيح الإمام البخاري، (8/133).
[14] سورة البقرة، الآية 187.
[15] الجامع لأحكام القرآن، ج1.