في سياق حملة “#أسرتي_ جنتي” أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذة ثريا البوكيلي، عضو الهيأة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل والإحسان وباحثة في قضايا الأسرة والطفل، حول أسس العلاقات الزوجية وبناء الأسرة وتربية الأبناء. وهو حوار يقدم عددا من المداخل الهامة والآليات الأساسية التي لها الوقع الإيجابي في الارتقاء بأسرنا وعلاقات الأزواج إلى المثال الذي أراده لنا ديننا وشرعنا الحنيف.

فيما يلي نص الحوار:

هناك مقولة مفادها أن “أفضل هدية تقدمها لأطفالك حبك لأمهم”، إلى أي حد يمكن الأخذ بهذه المقولة؟

لا استقرار للمرأة ولا للرجل ولا سكن إلا بائتلاف بعضهما ببعض. فمن آيات الله أن لا يسكن الرجل ولا تسكن المرأة إلا مع نفس تقاسمها الخصوصية الحياتية. قال الله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة.

لهذا حرص الإسلام على بث روح المودة بين الزوجين وغرس جذور الصفاء بينهما، ومحو كل ما يكدر صفاء العشرة الزوجية ونقاءها، فلا يعيب الزوج زوجته، ولا ينتقص من جمالها حتى لا يجرح مشاعرها، بل يصفها بالحسن والجمال حتى يستميل قلبها ويكسب ودها. ولا تصف الزوجة زوجها بالنقص أو دمامة الخلقة حتى لا تكدر صفوه. فالعيوب والنواقص التي هي من الطبيعة البشرية لا ينبغي أن تكدر صفوة الحياة الزوجية. وتكرار الكلمات الطيبة في الحياة يقوي روابط الحب والمودة. يقول الإمام المجدد رحمه الله: “بالمودة والرحمة الحميمين يتميز الزواج المطابِق بالقصد والفعل والتوفيق الإلهي للفطرة. وبهما لا بمجرد العَقْد القانوني يحصل الاستقرار في البيت، وبالاستقرار في البيت يشيع الاستقرار في المجتمع” 1.

لهذا فإن العلاقة التي تسود بين الوالدين، ورابطة الحب التي تجمع بينهما، على جانب كبير من الأهمية في توفير الأجواء الأسرية المفعمـة بالمحبـة والطمأنينـة والأمـن، لأن التوافق الأسري بين الوالدين، واتفاقهما على الأساليب التربوية في التعامل مـع الأبناء، يهيئ المناخ الأسري المطلوب لنجاح عملية التربية وتحقيق أهـدافها.

في هذا السياق جاءت المقولة التي مفادها أن أفضل هدية يقدمها الأب لأبنائه هي حبه لأمهم، فإذا كانت العلاقة بين الوالدين منسجمة وقائمة على أساس راسخ من الحب والتفـاهم والتعاون، فإن ذلك يشكل لدى الطفل مفهوم العلاقات المتوازنة، التي تتضح مظاهرها في احترام الذات وتقديرها، كما تظهر في الثقة بالنفس، فيعبر الطفل عن تقبل ذاته ورضاه عنهـا، كمـا يعبر عن قدرته على تحمل المسؤولية، وأنّه شخص يتفاعل مع الآخرين تجاه متطلبات الحياة. كما أن السلوكيات غير الـسليمة التـي يكتـسبها الأطفال في طفولتهم غالباً ما يكون مبعثها انعدام الحب والوفاق بين الوالدين، حيـث يصاحب ذلك التوتّر والقلق بين الأطفال، إلى جانب اكتسابهم السلوك المـضطرب أو العدواني.

للعائلات؛ عائلة الزوج والزوجة، دور مهم في إرساء قواعد حياة زوجية سليمة، ولكن للأسف تتحكم في هذه العلاقات عقليات بائدة تنحو بهذه العلاقة نحو منحى التدافع بدل التعاون. ما السبيل إلى تجاوز هذا الواقع؟

الزواج كلمة تحمل معاني المشاركة في المفاهيم والعلاقات الاجتماعية والأسرية لكلا الزوجين، وهما مع بداية إبحار المؤسسة الزوجية أحوج ما يكونان إلى مساندة عائلتيهما لإرساء سفينة حياتهما على بر الأمان.  لكن الواقع الذي نعيشه يؤكد غياب الود بين الكثير من العائلات المتصاهرة، ربما لأن الزوجة تحاول الانفصال عن أقارب الزوج وجعل العلاقة بينها وبينهم في أضيق الحدود، وقد يحاول الزوج أن يمنع زوجته من زيارة أسرتها، وأيا كانت الأسباب فالنتيجة واحدة وهي أن مشكلات الزوجين قد تبدأ بسبب سوء علاقة أحدهما بأسرة الآخر. ولتجاوز الأمر لابد من:

الرؤية المشتركة

ونقصد هنا الرؤية المشتركة بين الزوجين في علاقتهما بالآخرين من الأقارب، فيتفق الزوجان منذ البداية على شكل العلاقة مع الأقارب، وهم أهل الزوج وأهل الزوجة، وطبيعة الزيارات، وطبيعة العلاقات، وحجم التدخل في حياتهما، ومواعيد الزيارة، ومدة الزيارة، وغير ذلك من الأمور.

— قواعد عامة

–   الإنفاق من كنوز المحبة واحتياطي المداراة، وذلك باحترام أهل الزوج، وبتقدير أهل الزوجة، والحرص على رضاهم لتجنب المشاكل، كما يجب التغاضي عن بعض التفاصيل الصغيرة لتجنب الخلافات.

–   بالخدمة واللياقة واللباقة ومحاولة التودد لأهل بعضهما بالأسلوب الحسن، ورقة الكلمات، وجميل التصرفات، وتفقدهم بين الحين والآخر بهدية تليق بهم، ومعروف أن للهدايا شأناً بالغاً في تقريب القلوب وإشاعة المحبة والمودة بين طرفيها.

–   التحمل والصبر على أذى الأهل ودفع سيئتهم بالحسنة والعفو والصفح الجميل، تأليفا لقلوبهم وحفاظا على الترابط الأسري، والتحلي بالصبر مهما صعبت العلاقة مع أحد أفراد العائلة، أسلوب راق كفيل بحلّ جميع الخلافات على المدى البعيد.

–    وصْلُ ما أمر الله به أن يوصل من عُرى القرابة إصلاحٌ في الأرض وإصلاحٌ للعمل. وصلة الرحم علامة على كرم النفس، وسعة الأفق، وطيب المنبت، وحسن الوفاء، وهي سبب للذكر الجميل، وموجبة لشيوع المحبة، وعزة المتواصلين.

تعاني الأسرة المغربية عموما من الخلل في الموازنة بين الحقوق والواجبات لدى الرجل والمرأة، مما ينعكس سلبا على تربية الأطفال باعتبارهم الحلقة الأضعف في منظومة الأسرة، كيف يمكن تجاوز هذا الخلل؟

الزواج في الشريعة الإسلامية ميثاق غليظ بشهادة الله عز وجل، يفيد إباحة العشرة بينهما، وتعاونهما في مودة ورحمة، ويبين ما لكليهما من حقوق وما عليهما من واجبات.. فما السبيل إذن لنسمو بالزواج من الواقع المستهين بالقيم والدين إلى مسؤولية جادة يعتمد عليها؟

1.      الزواج عبادة

الزواج الإسلامي ليس عقدا بين أنثى وذكر استجابة للغريزة الراسخة في الإنسان فحسب، ولا رباطا عاطفيا والتزاما أخلاقيا فقط، بل هو ميثاق غليظ بشهادة رب العزة جل وعلا. ف”إن حفظت المرأة وقام الرجل بأعباء الميثاق الغليظ اكتست كل أعمالهما، وما يتبادلان من معروف، وما يتبادلان من عطاء، صبغة العبادة والتقرب إلى الله عز وجل”.

2.      الزواج مودة ورحمة

إن لكل من الزوجين على الآخـر حقوقا تعادل ما عليه من الواجبات، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ”، وأداء كلا منهما لواجبه يمكنه من الإسهام في الحياة الزوجية بطاقة هائلة من المودة والسكينة والرحمة تجعل العيش بينهما هانئا سعيدا.

3.   الزواج بين العدل والإحسان

المرأة في حضن الإسلام تكرم، تعامل بالإحسان: إحسان الرجل الروحي يفيض عليها رفقا ومحبة. وهي تتكرم فتصبر وتكافئ الإحسان بإحسان. الإحسان الذي لا يكون العدل المطلوب معه سيفا يذبح، ولا سوء خلق يفضح، بل سماحة وتغاض عن العثرات، وكريم خلق يمدح.

4.      الزواج تكامل الوظائف والمسؤوليات

المرأة نصف المجتمع، تكمل الرجل في بناء أفراد المجتمع، ويتأثر ويؤثر بعضهما في تكوين شخصية الفرد اجتماعيا، وهما وجهان لعملة واحدة، والمرأة ذلك المخلوق الذي حباه الله بصفات تختلف عن صفات الرجل، جعل منها شريكته في عملية البناء. وهما ركنان أساسيان لسلامة المعمار، وخليتان متحدتان لبناء جسد الأمة السليم. فلا تستقيم الأمة إلا بمشاركة الاثنين معا.

انعكس ترهل علاقة الأفراد بالقيم والأخلاق الإسلامية، وتعايشهم مع قيم دخيلة “متسامحة” سلبا على البناء الأسري، هل تتفقون مع هذا الرأي؟

إن تراجع دور الأسرة كان له أبلغ الأثر على الأبناء. الأسرة هي حجر الأساس في العملية التربوية. ولكن من الملاحظ في الآونة الأخيرة أن دورها تقلص، حيث انشغل الأبوان وتركا المجال مفتوحا على مصراعيه مما ساهم في إحداث ثغور في تربيتهم، لا سيما أن خلفيات الأبناء هشّة، أي أن الوالدين لم يبذلا الجهد المطلوب في إعدادهم وتربيتهم لتحمل مسؤولياتهم وتوعيتهم لمخاطر الحياة وآثارها.

لهذا وجب على الأبوين أن يدركا أن على عاتقهما مسؤولية تبليغ رسالتهما في الحياة، وأن يصنعا لهما ولأبنائهما حياة الأمجاد، ويكونا منارة يهتديان بمعالمها على طريق الاستقامة والصلاح، وأن وظيفتهما الأولى هي تربية أطفالهما، لأن الأسرة هي مصدر قوة مؤثرة داخل البيت والمجتمع بكامله، يقول الإمام المجدد رحمه الله: “الأسرة لبنة الأساس في الأمة، والأسرة الصالحة أم صالحة وأب صالح وعمل صالح”..

لذا تعتبر الأسرة المجال الحيوي الأمثل التي تتشكل فيها شخصية الفرد منذ طفولته، ويتلقى فيها أولى أصناف الرعاية والتوجيه، ويتعلم فيها أسس الأخلاق والقيم، ويشبع حاجاته المادية منها والمعنوية بطريقة تساير فيها المعايير الاجتماعية والقيم الدينية والخلقية. وهي أول مؤسسة تقع على عاتقها مسؤولية تنشئة الأجيال إذ تعتبر ذات أولوية عن باقي المؤسسات التربوية الأخرى التي ينشأ فيها الفرد على مختلف أنماطه العمرية ليبدأ الاحتكاك بالعالم. “طفل وطفلة أغنتهمَا الأسرة، وعلمتهما البذل، وتابعت مسيرتهما من المسجد إلى المدرسة، إلى الجامعة إن كان، إلى النجاح المهني حيث تُنال وسائل البذل. ذلك حق الولد الصالح على الوالدين الصالحين لصنع مستقبل الوَلد عنصراً صالحا في محيطه2.

 


[1] العدل/ص297.
[2] تنوير المؤمنات، ج2، ص261