تعتبر الأسرة اللبنة الأساس في البناء المجتمعي، يرتبط صلاحه أو فساده بصلاحها أو فسادها، لذلك اعتنى بها الشرع الحكيم اعتناء فائقا، تجلى في عدد الآيات القرآنية التي عالجت جوانب كثيرة ومتعددة خاصة بتنظيمها، وكذلك في سيرة سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم توضيحا وتفصيلا وترجمة عملية.

وإن من معاني لفظ الأسرة معنى القوّة والشدة، يشد أعضاؤها بعضهم بعضا، فيصير البناء مستحكما صلبا. غير أن تقلبات الدهر واختلاف الطبائع وكثرة المسؤوليات، وعوامل أخرى كثيرة لا تنفك عن جبلة الإنسان، قد تصيب هذا البناء بما يضعفه ويوهنه.

في هذه السلسلة سنقف على مجموعة من المحطات التي من شأنها أن تعين الزوجين على المحافظة على حصانة أسرتهما، وإعادة المياه إلى مجراها الطبيعي كلما جار عليها جائر من عوادي الزمان.

محطات تجدد الحياة الزوجية.. العبادة جماعة

في حلقتنا الأولى نقف عند محطة عظيمة، تسمو بالعلاقة الزوجية من مجرد علاقة أرضية، ذروة ما تصبو إليه عيش في الدنيا بأمان وتحقيق ما به تقر عين وجوارح الإنسان، إلى علاقة ربانية تشرئب فيها الهمم إلى ما بعد الدنيا الفانية، إلى دنيا أخرى باقية دائمة بدوام الله تعالى، هي “العبادة جماعة”، ونقصد هنا اجتماع الزوجين الذكر والأنثى على عبادة الله سبحانه وتعالى ذِكرا وصلاة وحجا.. وغيرها.

يقول الله تعالى في سورة التحريم الآية 6: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ. قال قتادة في تفسير الآية: “تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه”، ولعل أوضح صور المساعدة على طاعة الله المشاركة فيها.

للوقوف على أهمية هذا الأمر ومعرفة أشكال هذا الاجتماع، استقى موقع الجماعة نت رأي مجموعة من الأزواج.

قلبان اجتمعا على ذكر الله

الأستاذة بديعة بليغ، متزوجة منذ 23 عاما، أبرزت أن “أعظم دعائم المودة والرحمة والسكينة بين الزوجين الهمة الإيمانية الإحسانية، التي من شأنها تمتين أسس البناء الأسري، وصون ركائز هذا البناء من الداخل”. وذكّرت أن “المشاعر مقرها القلب، والقلب مضغة لا يصلحها ولا يصقلها إلا ذكر الله تعالى والتقرب إليه بالفرض والنفل”، وأنه “كلما كان همّ الزوجين هما واحدا، والوجهة واحدة، والحضن واحد، وكلما كان وازع السلوك إلى الله تعالى هو ديدنهما، ورضاه سبحانه غايتهما، وكلما جمعتهما عبادة من لا يُعبد غيره، إلا وحصلت المودة والرحمة والقرار والاستقرار”. وزادت مؤكدة “قلبان اجتمعا على ذكر الله تسكنهما حتما المودة والرحمة والسكينة”.

ومن جهته أوضح الأستاذ سعيد مولاي التاج الأمر قائلا: “الزواج نصف الدين كما ورد في الحديث الذي أخرجه البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي. وهو بهذا المعنى سعي مشترك وتعاون ثنائي من الزوجين لاستكمال دينهم في درجاته الثلاثة: إسلام وإيمان وإحسان، على مستوى المعاملات والعبادات والأخلاق”.

ولفت مولاي التاج، الذي يعمر زواجه 20 عاما، إلى أن “الله سبحانه وتعالى تفضل على الزوجين بكرمه وفضله برصيد أولي ممنوح من الحب والمودة لا يد للزوجين فيه حين قال ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، فالمودة والرحمة هبة ربانية أولية كالخلق ينبغي على الزوجين إنماؤها بالتعاون على عبادة الله”.

وشبهت مريم الحداد، التي شارف زواجها على 11 عاما، حياة الزوجين “كمثل مثلث متساوي الساقين؛ رأس هرمه هو الله عز وجل، كلما تقرب الزوجان من مسافتهما البعيدة إلى الله سبحانه وتعالى كلما قربا من بعضهما البعض، وكلما ابتعدا عنه ابتعدا عن بعضهما البعض”. واعتبرت أن “العبادة التي يؤديها الزوجان، كيفما كانت، هي حرز لهما من ضنك الدنيا وشرها.. تنهض همة المرأة وتأخذ بيد زوجها إذا أحست منه إثقالا إلى الأرض أو إخلادا، وكذلك يفعل الزوج مع زوجه، يشدان أزر بعضهما البعض، والله ثالثهما في بيت تسوده المحبة والوفاء، ومعينهما في همهما في طلب رضاه والجنة، فتصفو الأنفس والحياة من كادورات الدنيا الدنية”.

نضح في وجهها الماء ونضحت

وأبرز مولاي التاج أن التعاون “قد يتخذ أشكالا متعددة لعل منها التنافس على الخير بكل معانيه كالإحسان إلى الجيران والأهل والأولاد والآباء، والتعاون على العبادة وأولها الصلاة في وقتها”، مستشهدا بالحديث الشريف “عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : “رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ” [رواه أحمد].

وأضاف موضحا تأثير هذا الفعل على العلاقة “إذن هما زوجان دعا رسول الله لهما بالرحمة جزاء “تنضح عليه وينضح عليها”، أي جزاء تعاونهما وتنافسهما في طاعة الله، هي جرعة نبوية رحموتية إضافية تقوي المحبة، وتدوم ما دام التعاون، فتزيل الشحناء والبغضاء وبعض ما يعتري العلاقة الزوجية من فتور أو مشاكل”.

بديعة بليغ بدورها ساقت نفس الحديث وقالت فيه “تعينه ويعينها على اغتنام أفضل الأوقات للعبادة، ويجتمعان في وقت السحر على التبتل والدعاء والصلاة، مودة ورحمة منبعهما قلبين مؤمنين خاشعين”.

وأضافت مفصلة في الأشكال الأخرى “زيارة البيت الحرام معا: حجا أو عمرة، باب آخر من أبواب العبادة والصبر عليها، طواف وصلاة وزيارة للمضجع الشريف، وصبر على الأذى، فيصقل القلب وتفيض معاني المحبة والرحمة والمودة”. وكذا “التعاون على حفظ كتاب الله تعالى، تحفزه ويحفزها، يضعان برنامجا خاصا بالحفظ، يتعاونان عليه حتى تجمعهما الفرحة عند الله تعالى عندما يقال لكل منهما: “اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا”. وأضافت أن “العبادات لا تقتصر على مناسك التعبد لله تعالى من صلاة وصيام وزكاة وحج… بل تتعدى كل هذا لتشمل التعاون على صلة الرحم، والدعوة إلى الله تعالى، وطلب العلم”.

وبيّن مولاي التاج، في نفس المحور، أنه “إذا كان أهل الدنيا من الأزواج يتنافسون في تكديس الأموال والذهب والمجوهرات.. فالزوجان الطيبان يكون همهما التنافس للإنفاق في سبيل الله، وإكرام الضيف، والإحسان لذوي القربى والجيران، ومساعدة المحتاج، وكل أبواب البر والعبادة، والتسابق في حفظ القرآن، والصيام والصلاة والحج والعمرة يوثق الصلة بين الزوجين ويغلظ الميثاق أكثر”.

ووضح تجليات هذا الاجتماع والتعاون على العلاقة الزوجية قائلا: “بهذا المعنى يرقى الزواج عن كونه احتياجا بدنيا وماديا وإشباعا لغزيرة فطرية إلى تكامل روحي وصحبة في الله بين الزوجين تقوي الروابط وتمدها بعناصر القوة والاستمرار، فالزوج بهذا يصير صاحبا في الطريق ومعينا على السلوك إلى الله وتترقى العلاقة من حب طبيعي إلى حب في الله يحصد الزوجان ثمرته”.