لا بد للدارس لقضية المرأة في الفكر الإسلامي من وضعها في سياقها القرآني والنبوي، والبحث عن مداخل تؤطر عملية التفكير والاجتهاد، وترصد المنطلقات التي توجه السلوك المجتمعي، وتنهج المشروع التغييري الكلي. ففهم آيات القرآن الكريمة التي تتناول قضايا المرأة من زواج وطلاق وحضانة وإرث ومشاركة اجتماعية وسياسية وغيرها، يتطلب الإحاطة بمداخل هامة، لعل أولها استحضار المقاصد الكبرى للتشريع، وثانيها الإلمام بالواقع وتفاصيله المعقدة، وثالثها الاستفادة من مزايا الغرب، وآخرها التحرر من فقه الانحباس وتحرير باب الاجتهاد.

مدخل 1/ أصول وفروع

في كتاب الله الحكيم المسطور نتلو عددا من الآيات التي تتناول قضايا المرأة، هذه الآيات منها ما هو خاص جدا لارتباطه بطبيعة خلقة المرأة ووظيفتها الأسمى كآيات الحيض والعدة والرضاع، ومنها ما تشترك فيه مع الرجال باعتبارها مكلفة وشقيقة للرجل في الأحكام. وهذه هي المساحة الواسعة التي ينبغي أن تحكم نظرة المجتمع المسلم للمرأة، وما ينبغي أن يوجه العقل المسلم للاجتهاد والفتوى في قضايا المرأة هي آيات الكليات العامة لا الآيات الخاصة، لأن الأولى مطلقة والثانية مقيدة، ولأن الأولى مقاصدية والثانية نوازلية، هذا مدخل مهم جدا للتوسعة والخروج من التحجير والتضييق والانحباس لمعانقة رحابة الإسلام وروحه القائمة على تحقيق المصلحة وإقامة العدل، الذي هو “كلمة الله” وميزانه الذي قامت عليه السماوات والأرض، وبالتالي فكل تشريع وقانون وعرف وتقليد لا يحقق مصلحة الإنسان ذكرا أو أنثى، ولا يتغيى جلب سعادته في الدارين حالا ومآلا، هو قطعا مخالف لحكم الله الخالد المحكم “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”، لا تظالموا بسبب العرف أو الجنس أو العرق أو اللون أو الدين، أو حتى بما تتوهمون أنه تحقيق لشرع الله وانتصار له باجتهادكم الخاطئ.

مدخل 2/ واقع بؤس لا يرتفع

وفي كتاب الله العزيز “المنظور المنشور” للناس في الأكوان والآفاق للاعتبار والاستبصار، نتدبر آيات كبرى شاهدة على البؤس الذي تعانيه النساء في “أقفاصنا الاستعمارية” بدءا من أحزمة البؤس في جاكرتا وصولا إلى أودية الضياع على المحيط، بؤس وظلم وعنف وأمية وتهميش وتعنيف واستغلال، وما لا يحصى من الشواهد، التي تؤكدها الإحصاءات والشهادات والأحداث، وتصرخ في ملياري مسلم عبر العالم “إننا مجتمعات لئيمة” بنص الحديث الشريف “ما أهانهن إلا لئيم وما أكرمهن إلا كريم”، فالحديث لا يتعلق بأفراد، بل هو توصيف نبوي لحالة مجتمعية عامة. فكل مجتمع تكرم فيه المرأة فلا تهان أو تغتال معنويا وماديا، هو مجتمع تحققت فيه الكرامة والتكريم والإكرام للجميع، وهل يمتلك الكرامة من يهان يوميا لتحصيل ملبسه ومعاشه وإدارته، من تهدر كرامته في كل مكان ومن أي كان، من لا يمتلك الثقة في نفسه وفي إمكاناته، من يتسول رغيف اليوم ودواء اليوم، من يقطن مدن البؤس في هوامش العواصم، من يسكن المراحيض والمقابر والمزابل؟ هذه الجحافل من البؤساء هل تعلمت الكرامة؟ هل تشربتها يوما؟ هل عرفتها وتربت عليها حتى تنقلها للأجيال؟ إنما هو البؤس يفرخ البؤس…

مدخل3/ مزايا النموذج الغالب

إن تأثير الفكر الغربي على المرأة المسلمة، على خطورته، هو تأثير قليل لم يتعد غالبا الملبس والشكل الخارجي إلا ما ندر في صفوف النخب المغربة، حيث ومنذ بداية القرن ومع كل محاولات التغريب لم يتمكن النموذج الغربي “الحداثي” الغالب رغم قوته الإعلامية والتعليمية والثقافية من القضاء كليا على القيم والعلاقات والبنى الاجتماعية السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية، حتى في الأنظمة الأكثر تطرفا كتركيا أتاتورك أو تونس بورقيبة أو الجزائر، وهذا يمكن رصده من خلال العودة السريعة هذه المجتمعات إلى أنماطها الثقافية بعد ثلاثة عقود فقط، فالنموذج الثقافي لم يستطع طمس الهوية والنفاذ إلى الروح والوجدان، فظل تأثيره محدودا كما وكيفا، ومع هذا يشغل مساحة كبرى لدى أغلب المفكرين الإسلاميين إذ أن ثنائية وصراعية غرب /شرق تقيد الأدوات المعرفية وتنمطها فلا يكاد الحديث عن المرأة يخرج عن دائرة الدفاع المحموم أو الصراع والهجوم، فكل آت من الغرب إما سبقهم الإسلام إليه أو أنه كفر وغزو مرفوض، في حين أن دائرة الاستفادة من “الحكمة الإنسانية” لتحقيق العدل والمساواة والإنصاف وتحسين وضعية المرأة ومعالجة قضاياها هو مطلب شرعي ملح أمام التحديات الكبرى التي يعرفها عالمنا الإسلامي. وقد نجح هذا “التحريض الحضاري” في خلخلة المجتمعات المسلمة والفكر المسيطر. فمثلا تعليم المرأة وعملها وخروجها ومشاركتها في الحياة السياسية كلها مكاسب سبق تحقيقُها تطورَ الفتوى والاجتهاد، بمعنى أن الواقع كان أسرع من الفتوى، ويكفي أنه في 2018 ما زال هناك من يشكك في جواز قيادة المرأة للسيارة !!!

مدخل4/ عبادة أم عادة.

بالمقابل ما تعانيه المرأة من الفكر المحافظ القروني و”الفقه المنحبس” وهو فقه غالب، بقوة السياسة والسلطة والإرث المجتمعي الجاهلي، الذي كرس الخنوع للقمع والاستبداد والتضييق والحجر، تحت مسمى الدين وبدعوى الشريعة، هو أخطر على وضعية المرأة المسلمة لأنه مس الطبقة الأوسع والأكبر، وشملها ورسخ لديها “قابلية العبودية” الاجتماعية والسياسية، والتبعية للسيد الذكر، وللأسف بالنص القرآني والدليل الشرعي، فصار الخنوع دينا والصبر على الظلم شرعا، ورسخت العادات والتقاليد الموروثة لقرون هذا المنحى، حين تواطأ بشكل واضح “الإكليروس الديني” مع “الإكليروس الاجتماعي” ليرسخا مظلومية المرأة، هذا بالممارسة وذاك بالتبرير والفتوى، ليتواصل الوأد المادي والمعنوي الموروث عن الجاهلية الجهلاء. لذا صار من الضروري أن يجتهد العقل المسلم “اجتهادا ثوريا”، لتصحيح المسار خارج الموروث الفقهي المأزوم المحكوم بإفرازات زمن الفتنة وتبرير الاغتصاب السياسي. فالفصل بين عدم جواز  “بيعة المستكره” وعدم جواز “طلاق المستكره” بات ضروريا، أي أننا ما لم نخرج من دائرة الظلم السياسي لا نستطيع تحرير المجتمع، فهما في تاريخنا متلازمان.

طالع أيضا  مشاركة المرأة المسلمة في الشأن العام بين الممارسة والمطلوب