2- قضية القيم:

تشتغل القضية القيمية في المشروع المقدم للتأطير القانوني للمنظومة التربوية المغربية من خلال مفاهيم ضابطة، وأهداف مقصودة، وآليات تنفيذية، على مستوى المفاهيم الضابطة: نجد من المفاهيم القيمية الأساسية المروجة في المشروع ما تدل عليه مصطلحات من قبيل المساواة بين الجنسين، وعدم التمييز على أي أساس كان، وقيم الانفتاح والابتكار، والمواطنة، والقيم الكونية. وربما يكون مفهوم السلوك المدني من المفاهيم الجامعة المؤسسة لمعجم القيم في نظر المشروع إذ يتم تعريفه بالمحددات المتعلقة بالثوابت الدستورية للأمة، وبالقيم الحضارية المنفتحة، وبالهوية المتعددة الروافد وبالمسؤولية، والتسامح، والتضامن، والتعايش، والاجتهاد والمبادرة، واحترام حرية الإبداع والفكر. 1.

يتم الاستناد في المرجعيات المحددة لهذه القيم على الوثيقة الدستورية، وعلى وثيقتي الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية، وعلى قيم ومبادئ حقوق الإنسان الكونية في مراعاة للتحولات الكونية في المجال وللاتفاقيات الدولية المصادق عليها. وتحضر عبارة “الدين الإسلامي الحنيف” مجاورة لعبارات الوحدة الوطنية، والملكية الدستورية، والاختيار الديموقراطي باعتبارها محددات مفسرة لمعنى الثوابت الدستورية للأمة. 2

وفيما يتعلق بالأهداف المرسومة للمنظومة على المستوى القيمي كما يعرضها المشروع في تجمل في إعداد متعلم متشبث بقيم المواطنة، وقيم المبادرة، وقيم الانفتاح والاندماج، وقيم النبوغ والتميز، واحترام حرية الإبداع والفكر، ومن الوظائف التي وجب على المدرسة أداءها التنشئة الاجتماعية والتربية على قيم المواطنة والانفتاح والتواصل والسلوك المدني، وكذا الاندماج الثقافي والتفاعل الإيجابي مع المحيط. 3

أما في جانب الآليات فتم اقتراح وضع ” ميثاق المتعلم” يحدد الحقوق والواجبات ويكون موضع تعاقد بين المتعلمين ومختلف المتدخلين في سيرورة العملية التعليمية التربوية.

سنجد تعويما كبيرا لمفهوم القيم وتغييبا لمعنى القيم الإسلامية وأخلاق الدين الإسلامي وارتكانا وتمسحا قويين بالقيم في مرجعياتها العالمية. كما سنجد تغييبا واضحا لإجراءات تقييم القيم في مستواها السلوكي العملي لصالح مركزة البعد المعرفي الذي يحول معنى القيم إلى مجرد معرفة يتم تقويمها كميا إلى جانب المعارف الأخرى في مجال التحصيل الدراسي.

خامسا: خلاصات عامة:

1.     رغم الغموض الذي يمكن أن يجده الباحث المنصف في تحديد وضع الرؤية الاستراتيجية في نسق تاريخ الإصلاحات المتغيرة بالمغرب؛ أهي استنساخ للميثاق أو نسخ له، أو تطوير للبرنامج الاستعجالي أو تجاوز له؟ يأتي مشروع القانون الإطار ليفرض وضعا اعتباريا متقدما لهذه الرؤية يجعلها البوصلة الموجهة الحاكمة لسيرورة المنظومة مؤكدا بذلك السير في النهج نفسه المعتمد في بلورة مختلف وثائق الإصلاح الجديدة والقديمة والذي يتخذ مسارا أضحى جليا: (صدور تقارير دولية معرية للواقع الكارثي للتعليم، خطاب ملكي مؤنب للحكومة منتقد للوضع التعليمي، مجلس معين وفق معايير ضابطة، لقاءات وجولات تسمى حوارية بأعضاء يتم انتقاؤهم بمعايير ضابطة أيضا، وثائق تنقح يتم المصادقة عليها من المجلس المعين، جهاز حكومي منفذ للتعليمات).

2.     سيؤكد المشروع تبوأ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهو في الأصل مؤسسة استشارية لا غير، مكانة “فوق دستورية” تجعله “المنظر” “المفكر” “المراقب” “المنتقد” بل “المرجع الأسمى” في كل ما يمس شؤون المنظومة التربوية. نتذكر هنا أن الرؤية هي من صياغة المجلس المعين تحت عين النظر السديد للتعليمات السامية، نتذكر جملة الانتقادات التي وجهها المجلس للمشروع في مسودته الأولى لما طلب رئيس الحكومة الرأي الاستشاري للمجلس وهي الانتقادات التي سنجد أن الحكومة ستأخذها بعين الاعتبار، ويمكن أن نضرب لذلك مثلا في سكوت الحكومة في المشروع عن تفصيلها السابق في هيكلة أسلاك التعليم الأصيل الذي لم تشر إليه الرؤية الاستراتيجية في وثيقتها وامتثالها للتنبيه الذي قدم لها بصدد هذا التفصيل بدعوى كون هذا التخصيص سيمس بوحدة مكونات المنظومة (لماذا التعليم الأصيل؟) 4. تظهر هذه المكانة الفوق دستورية والتي إنما تعكس هواجس التحكم والضبط في مجموعة كثيرة جدا من الإجراءات التي سيتم إعمالها والتي يفرض فيها المجلس الأعلى من خلال هذا القانون إبداء الرأي قبل تنزيلها، وعبارة إبداء الرأي مفردة مخففة لدلالات الفرض والإجبار والإلزام، من ذلك ضرورة أخذ رأي المجلس في مخطط إعادة هيكلة التعليم العالي، وفي ميثاق المتعلم، وفي نظام التقييم والمصادقة، وفي مجموع الدلائل المرجعية التي تهم البرامج والمناهج، والسياسة اللغوية، ومجال التوجيه والإرشاد والإعلام، وميثاق التعاقد لأخلاقيات المهنة، ودلائل الكفايات والوظائف ، ومعايير الجودة، والتقييم الخارجي للمنظومة. 5

3.     سيبرز في المشروع هاجس التحكم الضبطي عبر فرض الطابع الإلزامي من خلال مدخل التقنين التشريعي الملزم لمختلف المتدخلين، وسيتم تغليف ذلك بدعوى “الإجماع الوطني” المتجلي في “التقاء إرادات مختلف مكونات الأمة حول قضية التعليم”، وكذا بدعوى “التعبئة المجتمعية” و” التقنين التشريعي التنظيمي” اللذين يمثلان الضمانة الأساسية من أجل ” تطبيق أمثل” و” استمرارية” تحقيق أهداف الإصلاح ومتطلباته. والحال الذي لا ينكره إلا جاحد أن وهم الإجماع الوطني حول الرؤية الاستراتيجية التي أنتجت في دهاليز النظام بعيدا عن الإشراك الحقيقي لمختلف القوى الحية للمجتمع كوهم الإجماع حول الميثاق وحول الدستور وحول تنزيلهما.

إن النفس التحكمي التقنيني الذي يضع بيض التعليم كله في سلة القانون ويستند إلى الطوابع التشريعية التنظيمية مرجعية لضمان تطبيق الإصلاح واستمراريته، إن كان يظهر فيه رغبة الدولة في تحقيق ضربة استباقية عبر تسييج التعليم وضبط المشهد التربوي في مختلف مجالاته (وهو المتحكم فيه حقيقة) ضد أي تدخل سياسي لا يرضي توجهات الدولة خاصة بعد صعود نجم تيارات إسلامية في العالم العربي وفي المغرب بعد أحداث الحراك المجتمعي، إن كان يظهر هذا فهو لا يعي أن  التقنين والتشريع لا يحقق تطبيقا ولا استمرارية وإلا فأين تطبيق الإصلاحات الماضية على علاتها رغم الترسانات القانونية المنظمة؟ وأين تنزيل الدستور الممنوح على تسلطه وتحكمه؟، بل لا يعي واضعو المشروع أن التعامل مع حقل التربية والتعليم بمستجداته وتطوراته التربوية والمعرفية باعتباره نسقا مغلقا ثابتا جامد يمكن قولبته في إطار قانوني عام أمر متعذر خاصة مع هذا الحرص الشديد على ضبط المنظومة  ليس فقط في مستويات السياسة التعليمية المرتبطة بالخيارات الاستراتيجية والأهداف الرئيسية، وإنما في مستويات التنفيذ الإجرائي والبنية الهيكلية وطرائق التمويل والحكامة مع لغة تهديد ووعيد يدعوان إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير تشريعية وتنظيمية وإدارية ومالية لتحقيق الأهداف المرسومة والسهر على تنفيذها 6، وهو نهج  سبق أن قلنا في شأنه  إنه “يرسخ الطابع التقنوي الذي يتم التعامل به مع إصلاح المنظومة، وكأن الإشكال يوجد في التأطير القانوني وفي الهياكل التنظيمية، وكأن التعامل مع الرؤية بمنطق “النص المقدس” و”المرجع الأسمى” هو الحل السحري لتطور المنظومة المنظومة التربوية المغربية في حاضنة الرؤية الاستراتيجية، مصطفى شكٌري، ضمن كتاب” تقرير المغرب في سنة 2016. 7.

خاتمة:

لعل ما تقدم به مشروع قانون الإطار من سن لإجراءات متعددة في مستويات مختلفة سوف يعمق أزمة الثقة في المدرسة، ويزيد من النفور العام من التعليم العمومي. ولعل سيطرة الهواجس السياسوية التحكمية، والمسارعة الحثيثة لتحقيق التلمذة النجيبة لمتطلبات الدول المانحة، والتطلع القوي للدولة إلى التخلص من القطاعات الاجتماعية غير المنتجة في نظرها المثقلة لكاهل ميزانيتها في ادعائها، والانخراط غير المشروط للحكام في موجة إعادة بناء العلاقات الدولية وفق مفاهيم العولمة الزاحفة التي ترى في قيم المجتمعات المسلمة المحافظة خطرا على مشاريعها الاستعمارية الجديدة، كلها عوامل تنبئ أن قطاع التعليم والتربية سيعرف مزيدا من الانتكاسات التي ستجعله بعيدا عن تحقيق الشعارات القديمة والجديدة المرفوعة خاصة إن ظلت القوى المجتمعية في البلاد بعيدة عن بناء جبهة  قوية للتصدي لمخططات الإجهاز على التعليم الذي يشيد معاني الحرية البانية للفاعلية الإنسانية إرادة، وللنجاعة التربوية تعلمات وكفايات، وللحكامة الرشيدة تدبيرا وتنفيذا.


[1] مشروع القانون الإطار، ص 2، 3، 4، 6 وما بعدها.
[2] نفسه ، ص 7  و8
[3] نفسه، ص 9.
[4] يراجع رأي في مشرع القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين، رقم 02/2016، نونبر 2016. ص 2 و3 و4 و6 و7.
[5] مشروع القانون الإطار، ص 11، 19، 20، 21، 23، 25، 26، 33، 34.
[6] نفسه، ص 10.
[7] إصدار المركز المغرب للأبحاث وتحليل السياسات.  يونيو 2016. ص 205.