بيسراه يحتضن يمناها وفي يمناه حقيبتها والكرسي، يسير على إيقاعها المتثاقل، يعدل خمارها من الخلف، ويتفحص الفرحة في عيونها من الأمام، وعندما تتعب يثبت لها الكرسي على قارعة الطريق وينتظر دون كلل ولا ملل.. تعطيه الإشارة فيستأنف مهمته… الوجهة بيت الله الحرام.
حين تبتهل بالدعاء يتعقب كلماتها وهي تعرج إلى السماء، وحين تقلب حبات سبحتها ذكرا يرقب السكينة وهي تنزل على محياها نورا. وحين يتسارع الناس لنيل أقرب مكان من الكعبة المشرفة يسير هو سير ضعيفته ويجلس حيث انتهت قوتها… يختزل عالمه فيها بشكل غريب.. فلا يتفرغ لذاته إلا عندما تردد عبارات الرضا والاكتفاء وكأنها تطلق سراحه إلى حين.
لا يسمح لنفسه بالابتعاد كثيرا عنها فقد تحتاجه في أية لحظة، وعندما يضطر للاصطفاف مع الرجال لإقامة الصلاة، فإنه يتحرى موقعا لا يخفيه عنها ولا يخفيها عنه. طلب مني استبدال مكاني بمكانه، ولما استفهمت، قال بلكنة جزائرية: الوالْدة، وأشار إليها، ما نصيبش نبعد عليها.
هو وحيدها وهي وحيدته، غادرهما الأب منذ 10 سنين، يعيشان على الكفاف. رغم مدخوله المتواضع فقد وعدها بتحقيق أمنيتها بزيارة الحرمين. ورغم أنها تعاني مرضا مزمنا فقد قررت أن تدخر له لتأخذه معها، بما يفضل من عملها اليدوي.. مرت سنوات ولم يتحقق المراد، فمصاريف المرض والعيش اليومي أقوى من أن يجابهها مدخولهما الهزيل فأحرى الادخار.
قدرهما أجراه الله على يد عمها مخلوف، في لحظة ما ولسبب ما طرق بابهما وسلمها مبلغا مقابل إرث قديم لأبيها المتوفى منذ 30 سنة. انتهى انتظار القدر … وفي أقل من شهر وجدا نفسيهما يحلقان عاليا، والوجهة الله.

طالع أيضا  يوميات معتمر.. موعد مؤجل (3)