اليقين في اللغة العلم الذي لا شك معه. وفي الاصطلاح اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقا للواقع غير ممكن الزوال.

وقيل: رؤية العيان بقوة الإيمان، لا بالحجة والبرهان. وقيل بمشاهدة الغيوب بصفاء القلوب، وملاحظة الأسرار بمحافظة الأفكار. وقيل هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء، يقال: “يقن الماء في الحوض” إذا استقر فيه. وقيل تحقيق التصديق بالغيب بإزالة كل شك وريب. وقيل اليقين نقيض الشك. وقيل اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب. وقيل اليقين العلم الحاصل بعد الشك.

واليقين شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وصفة من صفات أهل التقوى والإحسان، قال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿لقمان4 -5﴾.
واليقين “هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل” كما قال السعدي في تفسيره.
قال الشاعر :       

وقد أتاك يقين غير ذي عوج * * * من الإله وقول غير مكذوب

عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «مِنْ عَلَامَاتِ الْمُسْلِمِ قُوَّةٌ فِي دِينٍ، وَحَزْمٌ فِي لِينٍ، وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ، وَحِلْمٌ فِي عِلْمٍ، وَكَيْسٌ فِي رِفْقٍ، وَإِعْطَاءٌ فِي حَقٍّ، وَقَصْدٌ فِي غِنى، وَتَوَرُّعٌ فِي رَغْبَةٍ، وَتَعَفُّفٌ فِي جَهْدٍ، وَصَبْرٌ فِي شِدَّةٍ، وَتَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ، وَإِحْسَانٌ فِي قُدْرَةٍ، وَطَاعَةٌ مَعَهَا نَصِيحَةٌ، لَا تُرْدِيهِ رَغْبَتُهُ، وَلَا يَبْدُرُهُ لِسَانُهُ، وَلَا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ، وَلَا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ، وَلَا يَمِيلُ هَوَاهُ، وَلَا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ، وَلَا يَسْتَخِفُّهُ حِرْصُهُ، وَلَا تَقْصُرُ بِهِ نِيَّتُهُ».
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: “لا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا من قلبه وبدنه”. 1
وقال صاحب الظلال: “والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق يقينه، ويجد فيها طمأنينة ضميره. فالآيات لا تنشئ اليقين، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلى حقيقتها. ويهيئ القلوب للتلقي الواصل الصحيح”. 2
ولأهمية اليقين فقد نبه الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الركون إلى أهل الشك ومن ليس لديهم اليقين الكامل بالله رب العالمين، قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ 3
كما أمره بمداومة العبادة حتى يأتيه اليقين التام بلقاء ربه والفوز بمرضاته، قال تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. 4

واليقين عده البعض الإيمان كله. قال بعض السلف: “الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كل”.  وقال ابن القيم: “اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وهو مع المحبة ركنان للإيمان، وعليهما ينبني وبهما قوامه، وهما يُمدان سائر الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تصدر، وبضعفهما يكون ضعف الأعمال، وبقوتهما تقوى الأعمال، وجميع منازل السائرين إنما تُفتتح بالمحبة واليقين، وهما يثمران كل عمل صالح، وعلم نافع، وهدى مستقيم”  5

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “إن للإيمان حدوداً، وفرائض، وسنناً، وشرائع، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان” 6

وعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ، وَالْمُعَافَاةِ، فَسَلُوهُمَا اللهَ، عَزَّ وَجَلَّ”. 7
وعَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَنَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فِينَا عَامَ أَوَّلَ، فَقَالَ: “أَلاَ إِنَّهُ لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنَ الْمُعَافَاةِ بَعْدَ الْيَقِينِ، أَلاَ إِنَّ الصِّدْقَ وَالْبِرَّ فِي الْجَنَّةِ، أَلاَ إِنَّ الْكَذِبَ وَالْفُجُورَ فِي النَّارِ”. 8

ولهذا قال أبو بكر الوراق رحمه الله: “اليقين ملاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عُرف الله، وبالعقل عُقل عن الله”.
ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم قْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا، اللهم أمتعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِى دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا”. 9

ولقد ضرب أنبياء الله ورسله الكرام المثل الأعلى في اليقين وحسن الثقة بالله تعالى، فها هو الخليل إبراهيم عليه وسلم حينما حاجه قومه قال لهم في يقين وثبات: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 10

وها هو كليم الله موسى عليه السلام يقول لأصحابه حينما أدركهم فرعون فوجدوا البحر من أمامهم والعدو من ورائهم: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 11

وذكر الحق سبحانه على لسان نبيه هود عليه السلام مخاطبا قومه لما أصروا على شركهم: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ. وكما قال نوح لقومه: إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ. فزعوا إلى اللَّه – عَزَّ وَجَلَّ – عند وعيد قومهم بالإهلاك، وعليه اعتمدوا، وبه وثقوا؛ فعلى ذلك رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ أي: هو وليي يحفظني، وهو يتولى حفظ الصالحين، أي: بتوليه صلحوا.

أو يتولى ويحفظ الصالحين مقابل قول من ذكرنا من الرسل لقومهم.

وهو حافظهم وناصرهم. ووَلِيِّي تدبير أمورهم.

وقد قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما في الغار وقد أحدقتم به الأخطار: “ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا”. قال سبحانه: إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 12

ولليقين مراتب منها: العلم، وحسن التوكل، والرضا والتسليم، وعدم تعلق القلب بغير الله، وأن يكون أوثق بما في يد الله تعالى عما هو في يده. كان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يحب التصدق والإيثار على نفسه، وكان يتصدق بقوته ويبيت طاوياً، فأصبح يوماً وليس في بيته غير درهم واحد، فقالت له زوجته: خذ هذا الدرهم واشتر به دقيقاً نعجن بعضه ونطبخ بعضه للأولاد، فإنهم لا يصبرون على ألم الجوع، فأخذ الدرهم والمزود وخرج إلى السوق، وكان الجو شديد البرودة، فصادفه سائل فتحوله عنه، فلحقه وألح عليه وأقسم عليه، فدفع له الدرهم وبقي في هم وكرب، وفكر كيف يعود إلى الأولاد والزوجة بغير شئ، فمر بسوق البلاط وهم ينشرونه ففتح المزود وملأه من النشارة وربطه وأتى به إلى البيت فوضعه فيه على غفله من زوجته ثم خرج إلى المسجد فعمدت زوجته إلى المزود ففتحته فإذا فيه دقيق أبيض فعجنت منه وطبخت للأولاد فأكلوا وشبعوا ولعبوا فلما ارتفع النهار جاء أبو مسلم وهو على خوف من امرأته فلما جلس أتته بالمائدة والطعام فأكل، فلما فرغ قال: من أين لكم هذا؟ قالت: من المزود الذي جئت به أمس، فتعجب من ذلك وشكر الله على لطفه وكرمه.
واليقين ثلاث درجات:
الأولى: علم اليقين. قال تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ 13. فعلم اليقين هو العلم الجازم المطابق للواقع الذى لا شك فيه .
والثانية: عين اليقين. قال تعالى : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ 14. وهو ما كان عن مشاهدة وانكشاف .
والثالثة حق اليقين . قال تعالى: وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ . 15.
وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة .
قال الشعراوي: “إن اليقين هو تصديق الأمر تصديقاً مؤكداً، بحيث لا يطفو إلى الذهن لِيُناقش من جديد، بعد أن تكون قد علمته من مصادر تثق بصدق ما تَبلغك به.”

يقول الإمام عبد السلام ياسين: “من الأولياء من يتجلى الله عز وجل لقلبه في الصور الحسية والمثالية المدركة، ومنهم من يتجلى لهم في المعنى الذي لا يدركه الحس ولا الخيال، ومنهم من يشهده به سبحانه لا بنفسه. وهذه هي المرتبة العظمى. مراتب ثلاث: علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين.

قال الإمام أحمد السرهندي مجدد الطريقة، ومحيي الملة في ربوع الهند على رأس الألف الهجرية: “التجليات الكائنة في الصور الحسية والمثالية، وكذلك التجليات الكائنة في حجب الأنوار، داخلة في علم اليقين في أيِّ صورة كانت، وأيِّ نور كان. وسواء كان النور مكيفا أو ملونا أو متناهيا أو لا، محيطا كان بالكائنات أو لا.[…]

“وعين اليقين عبارة عن شهود الحق سبحانه بعد أن كان معلوما بالعلم اليقين. وهذا الشهود مستلزِم لفناء السالك. وعند غلبة الشهود يكون تعيُّنه متلاشيا بالكلية، ولا يبقى أثر منه في عين شهوده، ويكون فانيا ومُسْتَهْلَكا في الشهود[…]

“وحق اليقين عبارة عن شهوده سبحانه بعد ارتفاع التعيُّن، واضمحلال المتعيِّن. وشهوده هذا للحق بالحق سبحانه لا به. لا يحمل عطايا الملك إلا مطاياه! وذلك يُتصور في البقاء بالله الذي هو مقام “بي يسمع وبي يبصر” الذي يَهَبُ الحق سبحانه فيه للسالك وجودا من عنده بمحض عنايته بعد تحققه بالفناء المطلق الذي هو الفناء في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى. ويُخرجه من السكر والغيبة إلى الصحو والإفاقة. ويقال لهذا الوجود “الوجود الموهوب الحقاني”. 16

قلت مع الإمام الرباني: ما للتراب ورب الأرباب! إلا أن يجودَ على عبده، في سابقة علمه، بالوعد الـمُنجز أن يكلمه ويجمله ويتقبله مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ذلك الفضل من الله. وكفى بالله عليما.

لكن هذا المخلوقَ الترابيَّ منه ما لا يتحرك إن سمع بأن الفرسان اشتدت في الطلب في ميدانٍ رهانُه فضلُ الله، وكرامة الله، وولاية الله. علامة خسران التراب الخاسر أن لا تحدثه نفسه ساعة من عمره أن ينهض ليتكفف من ربه عز وجل بالذلة والضراعة والرغبة والإرادة والصحبة والذكر والصبر والطاعة والاستقامة على الكتاب والسنة ميلادا جديدا، ووجودا موهوبا، وقلبا منوّرا، وكرسيا من تلك الكراسي ومنبراً.

قال الإمام عبد القادر قدس الله سره: “قيل لبعض الصالحين. هل رأيت ربَّك؟

فقال لو لم أره لتقطعتُ مكاني! إن قال قائل كيف تراه؟ فأقول: إذا خرج الخلق من قلب العبد، ولم يبق فيه سوى الحق عز وجل، يريه ويقربه كما يشاء. يُريه باطنا كما أرى غيره ظاهرا. يريه كما أرى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم نفسَهُ ليلةَ المعراج. كما يُرِي هذا العبد نفسه. ويقربه ويحدثه مناما. فقد يحدث قلبه يقظة. يغمض عيني وجوده (قلت: ويعطيه الوجود الموهوب).

“ويعطيه معنى آخر فيراه به. يرى قربه. يرى صفاته. يرى كراماته وفضله وإحسانه واللطف به. يرى بره وكَنَفَه.

“من تحققت عبوديته ومعرفته لا يقول أرني ولا تُرني! ولا أعطني ولا تعطني! يصير فانيا مُسْتَغْرَقاً. ولهذا كان يقول بعض من وصل إلى هذا المقام: إيشْ عليَّ مني! ما أحسن ما قال! (معنى قوله): أنا عبده، وليس للعبد مع سيده اختيار ولا إرادة”. 17


[1] انظر: مدارج السالكين 2/397.
[2] تفسير الظلال 1/81.
[3]  سورة الروم: 60.
[4] سورة الحجر 99.
[5] مدارج السالكين 2/397.
[6] ذكره البخاري رحمه الله معلقاً، في كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: “بني الإسلام على خمس”، 1/ 9.
[7] أخرجه أحمد 1/8(38.
[8] أخرجه أحمد 1/9(49) و\”النَّسائي\” في \”عمل اليوم والليلة\” 885.
[9] أَخْرَجَهُ الترمذي (3502) والنَّسَائي في عمل اليوم والليلة (402) عن ابن عمر رضي الله عنه.
[10] سورة الأنعام:80-81.
[11] سورة الشعراء: 61-68. 
[12] سورة التوبة: 40.
[13] سورة التكاثر:5
[14] سورة التكاثر: 7
[15] الواقعة: 74
[16] مكتوبات الإمام الرباني ج 1 ص 300-301.
[17] الإحسان، ج٢، ص: ٨٨-٩٠.