سَعة في الفكر

تعد النساء لبنة أساسية في بناء جماعة العدل والإحسان وركيزة من ركائز صرحها ومكونا قائما من مكوناتها؛ إذ تحظى بمكانة رائدة في التصور وبوضع متقدم في التنظيم وبحرية فاعلة في الحركة. ويعزى هذا الوضع، الذي يحظى بإجماع مؤسسات الجماعة ومباركتها، إلى التصور الذي أثله الإمام المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله، وحملت لواءه إلى القلوب والعقول والميدان سواعد نساء ورجال الجماعة على السواء.
اختار هذا التصور لنفسه، بعد نظرة فاحصة، موقفا صريحا وموقعا وسطا بين نظرتين تطرفتا في القراءة والتوصيف وبناء الموقف. فلا هو استصنم التاريخ وانحصر في أحداثه وقضاياه وفتاواه وفقهه المنحبس، ولا هو استسهل الانسلاخ عن الذات وارتمى في أحضان الغالب ونحلته وشرعته المنمسخة عن الفطرة.
وهكذا ينبني هذا الفكر على أساس من الشرع مكين؛ إذ يتتلمذ “عقل الجماعة” مباشرة على منبر الرسول الأمين ترجمان القرآن الكريم، مع استحضار التاريخ والفقه والتراث وعدم التنكر له بل غربلته والاستفادة منه. وينفتح على واقع الإنسان ومحيطه غير هيّاب من التجارب المتنوعة التي يرى فيها كتابا يستحق أن يُقرأ ويُستفاد من أفكاره، دون أن يصاب بالنقص الناتج عن الصدمة الحضارية والأزمة المتولدة عن نحلة الغالب. ليعطينا هذا المزيج تصورا يربط المرأة بخالقها سلوكا وكمال عبادة، ويمدها بتقدير عال لذاتها المكلفة والمستقلة لتعمل في غير نقص، ويسلكها في مسار أمة مغلوبة تبحث عن خلاصها.
علاقات المرأة المتعددة والمتعدية، وبعد أن تنطلق من “انعتاق ذاتي” من إسار النقص والتضخم، يؤسسها مشروع المنهاج النبوي على مبدإ التوازن والتكامل والمصالحة مع الذات ومع الآخر المُكمِّل، تكامل في العلاقة بين الرجل والمرأة، وتوازن في الوظيفة ما بين البرج الاستراتيجي والساحة العامة. فيحررها من “الثنائيات الضدية” التي لا ترى وجودها إلا في الصراع مع شريكها.

عمل في الميدان

في ضوء تصور يعطي للمرأة مكانتها التي حباها الشرع الحنيف بها، تنطلق نساء العدل والإحسان في العمل تأسيسا وتربية وتعليما وتوعية وتعبئة، بناء للإرادة في النفوس والعلم في العقول والحركة في الميدان، نحتا في صخر الجهل الضارب أطنابه في أعماق المجتمع وبثا للأمل العزيز في دولة تغلق بتسلطها الأفق.
ويكفينا هنا، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة 8 مارس، أن نذكر بجانب من نشاط نساء العدل والإحسان، مع الإشارة إلى:
– أن معظم فعل وحركة نساء العدل والإحسان على المستوى الخارجي يقع في الأحياء والدروب والمنتديات والبيوتات، وعلى المستوى الداخلي ينطلق من الأسرة والجلسة ولا ينتهي باللقاءات القطرية التخصصية، حيث العمل الهادئ البعيد عن أعين الكاميرا والصورة والإعلام.
– أن لنساء الجماعة هيكلة وطنية خاصة تحمل اسم الهيئة العامة للعمل النسائي؛ تدار بشكل مستقل من قبل نساء الجماعة من الكفاءات والطاقات؛ تُقرّر وتقدّر وتدبّر وتخطّط وترى ما هو أصلح للمرأة من برامج ومشاريع وخطط تربوية وتعليمية وفكرية. هذا ناهيك عن مشاركتها الفاعلة في هياكل الدائرة السياسية انطلاقا من اللجن والفروع وقطاع خاص بالعمل النسائي وصولا إلى الأمانة العامة.
حملت المرأة في جماعة العدل والإحسان الأمانة وتقدمت إلى واجهة الصدارة تدبيرا وتأطيرا وتسييرا، مُتحدثة وسط أخواتها وإخوانها ومُوجهة بالاقتدار الذي عُهد فيها؛ فبمناسبة الذكرى الخامسة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين مثل الجماعة في الندوة الدولية حول موضوع “التحول السياسي بين محاولات الإجهاز وفرص التجاوز”، المنظمة بتاريخ 16 دجنبر بمدينة سلا، الأستاذة أمان جرعود منسقة القطاع النسائي وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، وقد حظيت مشاركتها بثناء الحاضرين من الضيوف قبل قيادات وأعضاء الجماعة. وفي نفس المناسبة أدارت الأستاذة نادية بلغازي الحوار التفاعلي الخاص بالكتاب الجديد للإمام ياسين “شعب الإيمان”، بعد أن اكتسبت دربة مشهودة في مناسبات سابقة منها تنشيطها للجلسة الافتتاحية لمؤتمر “التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين: مفهومه وإشكالاته وقضاياه” الذي نظمته مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات بإسطنبول في يناير 2016.
ونظمت نساء الجماعة أنشطة خاصة بالمرأة وعامة تشمل الجنسين؛ من ذلك، على سبيل المثال، الندوة التي نظمتها هيأة العامة للعمل النسائي، يوم السبت 21 أكتوبر 2017، حول موضوع “مركزية الأخلاق والقيم في بناء الفرد والمجتمع”، أدارتها الأستاذة رجاء المنبهي، وأطرتها عضوتا الهيأة العامة الدكتورة خديجة مسامح والمهندسة حفيظة فرشاشي. كما نظم القطاع النسائي بطنجة يوم السبت 16 أبريل 2017 ندوة نسائية تحت عنوان “الحوار النسائي رافعة للنهوض بوضعية المرأة”، ضمت طيفا من الفاعلين والناشطات المدنيات والحقوقيات والسياسيات، أطرتها كل من الأستاذة لطيفة البوحسيني، وهي ناشطة نسائية، والأستاذة خديجة الرياضي، وهي رئيسة سابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والأستاذة سهام العيساوي الناشطة في الحركة من أجل الأمة، والدكتورة حسناء قطني عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان. ومن آخر تلك المبادرات إطلاق القطاع، يوم السبت 10 فبراير 2018، فعاليات قافلة تواصلية تحت شعار: “جميعا من أجل إنصاف المرأة المغربية”، وهي القافلة التي انطلقت من مدينة فاس ومرت عبر مدينتي القنيطرة ومكناس ووصلت يوم 3 مارس إلى طنجة.
وإلى جانب هذه الأنشطة، التي استعرضنا نماذج منها فقط، تشارك نساء العدل والإحسان في مختلف الفعاليات والمبادرات؛ في عملها الداخلي التأطيري التربوي والتعليمي، وفي إنتاجها الفكري والمعرفي عبر الدراسات والمقالات والكتب، وفي الفعل الاحتجاجي في الشارع والميدان، وفي تمثيل الجماعة في الوفود إلى المؤتمرات والملتقيات والمنتديات.