للمرأة المسلمة قضية جذورها ضاربة في التاريخ منذ أن انقلب الحكم من خلافة شورية إلى ملك استبدادي، أصبحت فيه الكلمة للسيف وكممت فيه الأفواه وانكسرت معه سيرورة المجتمع المسلم ونالت فيه المرأة الحظ الأوفر من التراجعات عن النهج النبوي الذي أراد المرأة كائنا محررا مسؤولا على أفعاله دنيا وآخرة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وغابت التربية النبوية للمرأة على الفاعلية وتحمل المسؤولية وعدم الاستقالة أمام الحياة، فأصبحت المرأة المسلمة كائنا مهمشا يشعر بالدونية ويعيش على هامش الحياة بعيدا عن نموذج الصحابيات المشرق.

وانضاف إلى هذا الداء داء الاستعمار ورياح التغريب التي تعمل على سلخ المرأة المسلمة عن هويتها، مما يزيد إلى دونيتها أزمة هوية واغتراب عن الذات بمفاهيم أكثر تدميرا لنظرتها لنفسها؛ فهي من هذا المنظور جسد أقصى ما يهمها حرية التصرف فيه والاحتفاء بتفاصيله وصرف الجهد الجهيد في تقديمه في أبهى حلة، وما هي في الحقيقة إلا نظرة تقزيمية للمرأة لذاتها وعبودية أخرى وقعت فيها بمحض إرادتها من حيث تظن أنها نالت حريتها وما جره ذلك عليها من استغلال بشع وتسويق للمرأة كسلعة، أضف إلى ذلك تكريس رياح التغريب لنظرية الصدام بين المرأة وفطرتها التي فيها سعادتها وراحتها الحقيقية ومعاداة الدين والرجل وتحميلهما المسؤولية في ما وصلت إليه من مظلومية، والدخول في صراعات لن تزيد المرأة إلا ضياعا واغترابا عن ذاتها وأمنها الروحي وبعدا عن التوازن المطلوب الذي من دونه لا قرار لها ولا خلاص.

بدون أن ننسى طبعا واقع الفساد والاستبداد الحالي والذي معه لا يمكن تصور نهوض حقيقي سواء لوضعية المرأة أو الرجل على حد سواء؛ ففي غياب الحرية والحكامة الجيدة والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم والتعليم اللائق وشروط الصحة اللازمة وفرص التنمية المتاحة يصبح من العبث الحديث عن التمكين للمرأة، فأرضيته ليست متوفرة بتاتا بل هو واقع يزيد في تكريس هشاشة وضعية المرأة ويعرضها لأبشع أنواع الاستغلال والامتهان لكرامتها، وما الترسانة القانونية التي تدعي التمكين للمرأة إلا ذر للرماد في العيون وما تجدي المقاربة القانونية والمقومات الأساسية للحياة مفقودة.

طالع أيضا  دة. توفيق: معالم التجديد في قضية المرأة عند الإمام ياسين (فيديو)

المطلوب أمام هذا الواقع إعادة تربية وتأهيل للمرأة المسلمة لتستعيد ثقتها بربها وبنفسها، واجتهاد يجلي نظرة الإسلام الحقيقية للمرأة بعيدا عن الموروث المجتمعي لقرون ما بعد الانكسار التاريخي. أساسه أن للمرأة حظها المكين من الله وأن مقتضيات أنوثتها ليست حجابا يمنعها من ذلك بل هي باب آخر للتقرب به إلى الله ونيل الدرجات العلى عنده سبحانه وتعالى، وأن ما فرضه عليها ليس فيه تنقيص منها، وأن العلاقة الصحيحة بين المرأة والرجل هي أولا تكامل ورابطة أساسها المحبة والأخوة والرحمة والأصل الإنساني الواحد، وأن سنة الزواج تتماشى والفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها تحقيقا للسكن في أسرة هي محضن ضروري لبناء الإنسان ولبنة أساسية لاستقرار المجتمع والحفاظ على الجنس البشري، وثانيا هي علاقة ولاية وتعاون على البر والتقوى وحضور فاعل للمرأة في الشأن العام تدافعا وبناء وفعلا بانيا وغير مقتصر على دورها في الأسرة.