بسم الله الرحمان الرحيم

القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان – المكتب القطري

من وحي 8 مارس

تقرير يرصد الوضع النسائي في المغرب

توطئة:

هموم عابرة للقارات، بهذه المقولة يمكن التعبير عن معاناة النساء عبر العالم، فإذا كان الثامن من مارس مناسبة لتسليط الضوء على انجازات النساء التراكمية، فإنه بالمقابل يكشف عن أكبر التحديات التي يواجهنها سواء أفي الشمال أم في الجنوب، من الإقصاء إلى العنف بشتى أنواعه، إلى الفجوة في الأجور إلى التحرش الجنسي… واللائحة تطول. وتبقى معاناة المرأة في بؤر التوتر والحروب معاناة استثنائية تلقي على عاتق النساء بويلات التشريد والتهجير والأسر والتقتيل… ولعل مآسي النساء الفلسطينيات وأخواتهن السوريات واليمنيات والليبيات خير شاهد في الباب.

ويطل الثامن من مارس على المغرب وقد عاش خلال السنة المنصرمة (2017) أحداثا سياسية وحقوقية واقتصادية واجتماعية… طبعت عموما بطابع التوتر وعدم الاستقرار، مما جعله يعيش على صفيح ساخن من الترقب والتوجس تارة، ومن الاحتجاج والحراك الاجتماعي تارة أخرى. أحداث ووقائع جاءت نتيجة سياسات لا شعبية للدولة وثمرة احتكار للسلطة والثروة، وعرت على حجم المآسي الحقيقية داخل المجتمع وصلت امتداداتها وآثارها إلى عمق الإنسان المغربي عموما ونسائه على وجه الخصوص.

في خضم هذه الأحداث، كان نصيب المرأة المغربية وافرا من التفقير والتهميش والحيف والاستغلال الممنهج، لا بل والقمع والاعتقال والموت أحيانا. سنة أخرى تمر إذن على المرأة المغربية مخلفة من ورائها وقائع تدمي القلوب، ويندى لها الجبين، وتأبى الضمائر الحية التغاضي عنها في زمن الأنانيات المستعلية والذهنيات الرعوية، وذلك في مختلف المجالات:   

1-     على المستوى السياسي والتشريعي: تضخم الخطاب وهزالة التنزيل

فسياسيا وعلى الرغم من تصاعد خطابات المناصفة والمطالبة بولوج المرأة إلى مراكز القرار وعلى الرغم من كل الشعارات التي رفعت والإجراءات التي سطرت، لم تستطع المرأة تجاوز نسبة 21% في الانتخابات التشريعية. وفي الوقت الذي عرفت فترة مفاوضات تشكيل الحكومة، تكهنات حول دور ريادي للمرأة فيها، جاء الاعلان عن اللائحة الوزارية ليعكس حجم الشرخ الحاصل بين الشعارات والواقع، فطبيعة الحقائب المسندة للنساء والتي تحمل طابعا اجتماعيا او انتدابا لدى وزير أو كاتبة دولة، مؤشر على أن المرأة رغم كفاءاتها لا تزال حتى في نظر أصحاب القرار قاصرة عن تحمل المسئولية الكاملة في تسيير وزارة مستقلة. كما أنه مؤشر يسائل الأحزاب حول حقيقة تعاطيها مع موضوع المرأة وعمق إيمانها بالشعارات المرفوعة من مساواة ومناصفة و… 

أما على المستوى التشريعي فقد عرفت هذه السنة خصوصا صدور قانون وقرار أحدث ضجة إعلامية ونقاشا قانونيا وفقهيا كبيرا، ويتمثل في السماح بولوج المرأة المغربية مجالا ظل حكرا على الرجال لعقود وهو مهنة التوثيق العدلي، وكأن المغرب بهذا القرار سيتجاوز كل المشاكل البنيوية التي تحاصر قضية المرأة، مع العلم أن الأمر يتعلق فقط بتوثيق العقود وتسجيلها لدى السلطات المختصة والإشراف على إتمامها بشروطها وأركانها. أما قانون العنف ضد المرأة المصادق عليه، فهو في مجمله لا يتعدى كونه تجميعا لبعض مواد القانون الجنائي التي نادرا ما يتم تنزيلها، فما أن تلج المرأة إلى ردهات القضاء من أجل الإنصاف حتى تتعرض لعنف من نوع آخر في ظل غياب أي مقاربة شمولية في الباب. دور العدل هو توثيق العقود فقط، وتسجيلها لدى السلطات المعنية , وهذا يصلح له الرجال والنساء، شريطة التأهل لذلك. وما هو إلا إشراف على تمام العقد بأركانه وشروطه.

طالع أيضا  أمان جرعود: الاستبداد من أهم أسباب تردي وضعية المرأة

2-     على المستوى الاقتصادي والاجتماعي: عدالة مجهضة من أجل رغيف أسود

أبانت مجموعة من التقارير الوطنية والدولية التي صدرت سنة 2017 أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب إنما هو كعش من قش، كلما توالت الأيام كشف المستور فيه وظهرت حقيقته المخزية، فأرقام البطالة في صفوف النساء مهولة ومستويات الفقر بينهن مخيفة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مسار هذه الأوضاع آيل إلى المجهول المظلم، خصوصا مع عدم إظهار أية رغبة حقيقية من طرف المسؤولين في النهوض بها. فالوضع الاجتماعي النسائي الراهن يكشف اختلالات يزاحم بعضها بعضا، ولعل استمرار الموت المهين في معبر باب سبتة، والموت دهسا تحت الأقدام من أجل قفة لا يعدو ثمنها مئتي درهم في حد بولعلام بالصويرة، واستمرار المعاناة الحقيقية في معامل القهر والهوان وضياع الكرامة في حقول الخزي والعار والنفي وراء الجبال المنسية… وغير هذه الأمثلة كثير، لمن المؤشرات الحقيقية التي تكشف عن حقيقة الوضع الاجتماعي المخزي الذي ما زالت المرأة المغربية تعيشه. هذه أوضاع حقيقية بادية للعيان لا تحتاج إلى أن يبحث عنها في سجلات المنظمات الحقوقية ولا المؤسسات المهتمة، أوضاع تشوه حقيقتها إعلاميا أخطبوطات متمرسة في تزوير الحقائق، كل همها الاحتفاظ بالمناصب والاشتغال بالشعارات البراقة في تجارة بضاعتها إنسان فقد إنسانتيه بمرور الزمن وتوالي الأحداث.

إن ما تعيشه المرأة المغربية من مآس حقيقية ومعاناة دائمة ليطرح ألف سؤال وسؤالا حول المسؤول الرئيسي الذي يقف وراء استمرار تدهور حالتها الاقتصادية والاجتماعية، مما يزيد الأوضاع سوءا عاما بعد عام. فمع استحالة العيش في ظل الذل والهوان تزيد نسب الانتحار ومحاولات الانتحار في صفوف النساء في محاولة يائسة منهن للانعتاق من واقع القهر والتسلط خصوصا منهن المعيلات لأسرهن اللاتي أثقل كاهلهن غلاء المعيشة المهول وضياع أملهن في عيش كريم. من جهة أخرى، ترتفع يوما بعد يوم نسبة النساء اللواتي تخرجهن الفاقة إلى الاتجار بأجسادهن مع ما يستتبع ذلك من مآس اجتماعية لا حصر لها.

طالع أيضا  هل تنجح نساء العدل والإحسان في تشكيل جبهة وطنية؟

 ولا تسل عن التعليم ولا عن علاته، فنسبة الهدر المدرسي في صفوف الإناث من خلال أرقام صادمة: 58% على المستوى الوطني، وتصل النسبة إلى 80% في العالم القروي، بسبب الفقر الذي تجبر معه الفتيات على ولوج سوق العمل القاتل في المنازل أو على الارتماء في أحضان البحار بقصد الهجرة إلى حيث “بلاد الأحلام”.

أما في قطاع الصحة، فنزيف الوفيات في صفوف النساء أثناء الحمل والولادة في تزايد مهول بسبب الإهمال الطبي وتدني الخدمات الصحية، ويسجل المغرب في ذلك أعلى نسبة في محيطه. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للأطفال حديثي الولادة، حيث يموت 17.8 طفلا لكل ألف مولود جديد، وهو رقم مرتفع إذا تمت مقارنته حتى بدول عربية تعيش الحروب مثل فلسطين 10.8%.

3-     الوضع الحقوقي: خطوات نحو المجهول

 لا يختلف اثنان على أن منظومة الحقوق في وطننا الحبيب منظومة مهزوزة الأركان محدودة الآفاق أحادية المدخلات عاجزة فيما يتعلق بالاستشرافات المستقبلية، غير واضحة المعالم من حيث الحلول المطروحة لما يعيشه المجتمع من مشاكل حقوقية وأزمة خانقة على كل المستويات. فحسب تقارير مختلفة، يحتل المغرب مراتب جد متدنية في مختلف أنواع العدالة واحترام الحقوق، وهي كلها مؤشرات مخيفة تنذر بالأسوء فيما يخص الوضع الحقوقي المغربي. ومن بين تجليات ذلك نذكر انتهاك حقوق الإنسان والتعسف على العديد من الصحفيين والنشطاء في الحراك والاحتجاجات الشعبية المشروعة والسلمية. ولم تسلم النساء من هذا التوجه السلطوي الذي يستهدف إسكات الأصوات الحرة الأبية التي ترفض الخنوع والخضوع لقوانين سطرت من أجل دفن الكرامة الإنسانية في مقبرة أغلقت أبوابها بمفاتيح من قوانين تستوعب البسطاء وتتجاوزهم، لتصبح روضة فاخرة لذوي النفوذ والسلطة والجاه. فحسب مشروع العدالة العالمي 2018، فالمغرب تراجع ب 7 درجات حيث احتل الرتبة 67 من أصل 113 في سنة 2017 بعدما كان في الرتبة 60 سنة 2016. وحسب نفس المصدر فإن المغرب احتل الرتبة 93 في سلم احترام الحقوق الأساسية والرتبة 70 بمؤشر الأمن والحفاظ على النظام العام، كما احتل الرتبة 43 بخصوص تنقيذ القوانين، والرتبة 54 في مؤشر العدالة المدنية و84 في معيار العدالة الجنائية. هذه كلها مؤشرات مخيفة تنذر بالأسوء فيما يخص الوضع الحقوقي المغربي. ولعل الشاهد على ذلك الإقصاء الممنهج من الوظيفة العمومية بدعاوى واهية، والترسيب في امتحانات التعليم بالتعاقد تحت راية مجموعة من الذرائع المضحكة والاستمرار في سلسلة الاعفاءات المقصودة وغير ذلك كثير… بل إن أكثر الأمور الغريبة والمثيرة للسخط الشعبي هو ارتفاع محاولات منع الاحتجاج السلمي بل اللجوء إلى التعنيف الجسدي والمتابعات القانونية لكل من رفع صوته ضد الحكرة. وما صفاء الزوين وما أصابها من إجهاض، ومعتقلات الريف ونساء أولاد الشيخ المتابعات قضائيا إلا نماذج على ما آلت إليه منظومة الحقوق المغربية من فساد وطغيان واستمرار التسلط.

طالع أيضا  ممّا أوحى به الحجر الصحي

4-     على مستوى الفعل النسائي: حضور وازن واستشراف للتغيير

على الرغم من هذه الأوضاع المتردية التي تعيشها المرأة المغربية، لا يمكن لكل مراقب إلا أن يسجل بافتخار الحضور المتميز للمرأة المغربية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وكذا المشاركة الوازنة والفعالة في المجتمع المدني الذي يسعى بكل الوسائل المتاحة إلى تحسين واقع المرأة والنهوض بوضعها. ومن مظاهر هذا الحضور المشرف انخراط النساء بكل قوة في جميع الاحتجاجات التي عرفتها مدن المغرب والتي كانت سببا في تعرضهن لمختلف أنواع التعنيف النفسي والجسدي الذي وصل حد الاعتقال، مع تمسكهن بالدفاع عن مطالبهن بل كانت المرأة السباقة في الكثير من المواقع وقيادة المسيرات للمطالبة برفع الظلم والحيف وكذا ضمان استمرارية الاحتجاج في مواقع أخرى، وتجاوز كل العقبات النفسية والثقافية التي تربط حضور المرأة بالفضاء الخاص، مع استيعابها لحجم المسؤولية الواقعة على عاتقها في أي عملية تغيير ممكن. 

والقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، باعتباره مكونا من مكونات هذا المجتمع المدني وصوتا من الأصوات الممانعة للاستبداد والفساد، كانت له مساهمة فاعلة ومتميزة هذه السنة في دعم مطالب المرأة المغربية والانخراط بقوة في هذه المسيرة الحثيثة لنساء المغرب نحو غد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل أبناء وبنات المجتمع المغربي، من خلال حضور قوي في كل المحطات النضالية سواء أفي المسيرات أم الوقفات أم الدفاع عن المعتقلين ودعم عائلاتهم، وعبَّر كذلك  بالكلمة والفعل عن مساندته لكل المطالب المشروعة لكل فئات المجتمع وعلى رأسها مطلب إنصاف المرأة المغربية، مصرا على مطلب الحوار والتعاون مع كافة الفاعلات النسائيات والمهتمات بقضايا النساء.

وختاما:

إن إيجاد الحلول لمآسي المرأة المغربية يبدأ من تفكيك العوائق البنيوية المتمثلة في الفساد والاستبداد، ومن تجاوز الرؤية الضيقة التي تصور العالم صراعا بين رجل وامرأة، وكأن المشكلة التنموية ستحل في ظل هذه المقاربة الصراعية لا في إطار مقاربة تستحضر جوانب سياسية اجتماعية اقتصادية وثقافية إنسانية.

إن أي تقدم في قضية المرأة لن يتحقق إلا بالانخراط الفعلي في مسار التغيير المجتمعي من خلال بذل المزيد من الجهود لتحسين أوضاع الإنسان المغربي عموما والمرأة خصوصا في إطار مقاربة تشاركية وشاملة.