في جلسة جديدة من جلسات “رياض النصيحة” يتحدث الأستاذ محمد عبادي، بكلماته الربانية القاصدة الموجهة التي تنير درب السالك إلى الله سبحانه وتعالى وتضع الأصبع على مكمن أدواء النفس، عن واحدة من أعظم القضايا التي خاض فيها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: العقل والنقل والإرادة.

أوضح الأستاذ عبادي بداية أن “ليس في النقل غموض” وأن الله عز وجل “سماه شريعة، والشارع الطريق الواضح البيّن الذي لا غموض فيه ولا انعراج”، وقال إن “ما يحاك ضد الشريعة من محاولة طمسها والطعن فيها رافقها منذ بداية الإسلام” بدليل قول الله تعالى يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وأضاف مؤكدا أن “الطعن في القرآن والسنة، وما فعله المشركون وأساطير الأولين، ومن جاء بعدهم من يهود ونصارى ومن سار على دربهم، هي هجمات لا تنقطع“.

واستطرد الأستاذ عبادي متسائلا “ولكن هل تنال هذه الهجمات من الدين شيئا؟”، لينبئ المستمعين بأن “الكتب السابقة حرفت وغيّرت لأن اليهود والنصارى الذين كلفوا بحفظها لم يحفظوها.. لكن القرآن والسنة لم يوكل إلينا حفظهما وإنما تولى الله سبحانه وتعالى حفظ كتابه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وإذا ضاعت السنة ضاع القرآن، فالقرآن لا يفهم إلا بالسنة، فضمنيا تدل الآية على أن السنة محفوظة، إذن فمحاولات طمس السنة بائرة لن تجدي نفعا”.

وأضاف الأستاذ عبادي مبينا علاقة النقل بالعقل “إذن فالنقل، رغم وجود بعض النصوص الموضوعة وغيرها، لكن النصوص الصريحة المتعلقة بسير وتنظيم الإنسان لا غبار عليها، ولا يمكن للعقل أن يتعارض مع النقل، فإن وجدنا نصوصا تعارض العقل فإما أن الخلل في العقل فهو ليس صريحا أو أن الخلل في النقل فلا يكون صحيحا، وإلا فإن العقل والنقل نوران من الله سبحانه وتعالى، ونتحدث هنا عن العقل المتحرر من الهوى”.

وفي ارتباط النقل والعقل بالإرادة فسّر الأستاذ عبادي أن “مشكل الأمة ليست مشكلة علم، فما يعلم بالضرورة من الدين يعرفه الجميع الصغير والكبير والمرأة والرجل”، وللدلالة على أصل الداء تساءل “ما نسبة تطبيقنا للعلم الذي نعلمه من الدين؟”، ليخلص إلى أن “المشكلة ليست في العلم بل في العمل والإخلاص في العمل فهي مشكلة إرادة”، وزاد مفصلا “نحضر مجالس وخطبا ونسمع الكثير مما يجب أن نعمل به، قد يتأثر الإنسان لحظيا فإذا خرج نسي ما سمع“، وأرجع سبب ذلك إلى نقصان “النية والإرادة والعزمة على التنفيذ والتطبيق”.

وليوضح الصورة أكثر استدل الأستاذ عبادي بكلام السيد قطب رحمه الله الذي “سمى الصحابة “الجيل الفريد”، فهو فريد لأنه كان يتلقى القرآن بنية التنفيذ وإرادة التطبيق، ولهذا فالشريعة لم تنزل في مكة المكرمة بل نزلت في المدينة المنورة، المرحلة المكية كانت مرحلة تثبيت الإيمان وتربية الإرادة في الإنسان: حب الله وحب الآخرة، فعندما جاءت الشريعة لم يكن هناك تردد، فضرب الصحابة أروع الأمثلة في المسارعة إلى التنفيذ”، وجاء بمثال موضح أول “في مسجد القبلتين كان يمكن أن ينتظر الصحابة إلى أن ينهوا الصلاة، لكنهم غيروا اتجاه القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام داخل الصلاة، هذه مسارعة إلى التطبيق”، وفي مثال ثان أخبر الأستاذ عبادي “لما نزلت الآيات الأخيرة في تحريم الخمر فاجتنبوه لعلكم تفلحون أصبحت المدينة كأنها أودية من كثرة ما أريق فيها من خمور، لم ينتظروا بل بادروا إلى التفعيل، “انتهينا يا رب انتهينا يا رب” كما قال سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه”.

وزاد الأستاذ عبادي مُجليا “رحم الله جعفر الصادق إذ يقول “ما عجز بدن عما قدرت عليه النية”، فكثيرا ما نتعلل ونبحث عن الأعذار، من أمراض وأشغال وغيرها، والحقيقة أن ليس البدن هو الذي يعجز ولكن الإرادة هي العاجزة. فإذا قدرت النية على شيء فإن البدن يسعف ويطبق وينفد، أما إذا أصاب المرض النية والإرادة والعزيمة فلو كانت عضلات الإنسان من حديد لا يستطيع أن يحرك ساكنا”.

ودل الأستاذ عبادي السالك إلى الله إلى أنه “من التسابق في مراتب السير إلى الله سبحانه وتعالى التفاوت بين الناس، ليس في الأعمال وإنما في الهمم والإرادات، رضي الله عن سيدي أحمد الرفاعي يقول “على قدر همتك تعطى”، وليس على قدر جهدك أو فعلك”.

ووجه الأستاذ عبادي الحاضرين إلى الطريق الذي دل عليه الإمام ياسين رحمه الله من قبله قائلا “فنحن معشر الأحباب نحمد الله سبحانه وتعالى أن جمعنا بمرشدنا عبد السلام ياسين الذي كانت له إرادة فولاذية، ويجب علينا تثبيت وتطوير هذه الإرادة حتى نستطيع أن نحقق ما تعجز جوارحنا عن تحقيقه، فالله يعطينا على قدر نياتنا إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا“، لاجئا إلى الله تعالى بالدعاء “نسأل الله تعالى أن يرزقنا فهم الدين وفهم القرآن والحديث بعقل منور تسكنه الحكمة، وأن يرزقنا إرادة التطبيق والتنفيذ لأمر الله تعالى عز وجل، وبها يرفعنا الله عز وجل ونحن فقراء ضعفاء حقراء أذلة، رحم الله ابن عطاء الله السكندري يقول: “كيف أعزم وأنت القاهر وكيف لا أعزم وأنت الآمر وهو القاهر فوق عباده، ومن ضعفنا نستمد قوتنا إن شاء الله عز وجل، ‘اتصل بصفاتك يفضي الله عليك بصفاته'”.