القرآن والنبوة

قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ 1.

القرآن وحي، القرآن نذير بين يدي المصير الأخروي. القرآن رُوح من الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، به -والسنة لازمة له- يستبين لنا المنهاج، إذ هو المنهاج الذي لاَ يُضِلُّ نَهْجُهُ، وهو العلم، إذ به وعليه تتوحد الأنظار كما توحدت من قبلُ نظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم و نظرة أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، نظرة وإن تعددت وتنوعت المداخل إليها إلا أن جوامعها وأصولها محددة في القرآن الكريم والسنة الشريفة فلا ترى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا. ثم جاءت السِّيَر العملية لجيل القرآن الكريم رحمهم الله تعالى تشرح وتفسر وتقتفي أثر الأصول والجوامع، وامتزج كلُّ ذلك وترابط حتى أصبح منهاجا واضحاً فيصلاً فرقاناً بين هدى وضلال، منهاجا قوامه العدل وجماله الإحسان وذروة سنامه الجهاد. فلا فصلَ في فقه الصحابة رضي الله عنهم بين الدنيوي والديني.. فقهٌ جميعٌ غير شتيتٍ.

المنهاج النبوي عنوان التوحد والتلازم بين القرآن والنبوة. تلازمٌ لاَ سَوَادَ لِوَضَحِهِ، وَلاَ عِوَجَ لاِنْتِصَابِهِ، وَلاَ عَصَلَ فِي عُودِهِ، وَلاَ وَعَثَ لِفَجِّهِ.

هذا التلازم فيه معنى دقيقٌ بديع؛ فإن الرسالات إنما كانت عن النبوَّات ولم تأت رسالة من الرسالات بمعجزة توضع بين أيدي الناس يبحث فيها أهل كل عصر بوسائل عصرهم غير الدين الإسلامي بما أُنزل فيه من القرآن الكريم، فكأن النبوة في هذا الكتاب متجددة أبدًا يلتقي بروحها كل من يفهم دقائقه وأسراره. فهمٌ لا يكون أبلغ وأتم إلا عن طريق إمامٍ مُجَدِّدٍ وارثٍ يدل على الله دلالة العارفين بما هي الطريق إليه؛ عارفٍ بالله مُرَبٍّ هو بضعة روحية من الذات الشريفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان قرآنا يمشي على الأرض، عسى الله أن يفتح به مغاليق القلوب والعقول، فتتجدد النيات على عزمة إحسانية حانية وقومة ربانية بانية.

وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ هي البعد الحقيقي لديننا الحنيف والمقصد الأسمى-رِضى الله عز وجل. إن نحن لم نربط سعينا الدائب في شؤون الأرض والناس بالمبدإ والمعاد، فلا جرم أن نظامنا الإسلامي لن يعدو أن يكون (منظومة فكرية تَبُـزُّ في المقارنة كل مذهب بشري ما هو في الحقيقة إلا مسخ للدين) 2 (دولة القرآن في غدنا الموعود تحتاج لأسوة… لا بد لدولة القرآن من سند تعتمد عليه. لا بد من نموذج تحذو حذوه. من منوال تنسج عليه. وليس إلا السنة النبوية المعصومة. فهي قوتنا) 3 واتباعنا للمنهاج النبوي ينطوي على أن نعيد التلازم القائم بين القرآن بما هو دستور للحياة والنبوة الشريفة بما هي التمثلُ الأسمى لمعاني القرآن والمنهاجُ الأكملُ لأهل القرآن، و(أن نجتمع عقلا وعاطفة، ماضيا وحاضرا ومصيرا، دينا ودنيا وآخرة، أفرادًا على بينة من هويتهم وعبوديتهم لله ومسؤوليتهم أمامه، وجماعةً على بينة من مصيرها التاريخي فيها استعداد وقدرة على الجهاد) 4.

القرآن وأهله

من خلال هذا التلازم بين القرآن والنبوة (نهض أهل القرآن من الرعيل الأول، خرقوا كل سياج يصد عن سبيل الله. حطموا المنكر وغيروا الواقع حتى يستقيم على ما يأمر الله به. كانت وحدة مشخصة في العبد الصادق الرسول، ممثلة في كلمة الله الموحى بها، ماثلة في جماعة هي جيل القرآن) 5 جيلٌ ناقضَ طباعَ الجاهلية الأولى وخالَفَ عاداتِها وخرج -مما أَلِفَ وخَلُقَ على الكِبَرِ- خلْقاً جديداً.

أهل القرآن يعيشون من الدنيا في تاريخ قلوبهم لا في تاريخ الدنيا, يحيون بمعانيه كالشجرة الخضراء النامية؛ فيها ورقُها الأخضرُ وزهرُها، وعلى ظاهرها حياةُ باطنها.

أهل القرآن العاملون بما فيه، المـشَّاؤون به في الأرض، القائمون لله والشاهدون بالقسط ولو على أنفسهم عِبَادٌ نَاجَاهُم الحق جلت قدرته في فِكْرِهم، وَكَلَّمَهُمْ في ذات عقولهم، فَاسْتَصْبَحُوا 6 بِنُورِ يَقَظَةٍ في الأسْمَاعِ والأبصارِ والأفئِدةِ، يُذَكِّرُون بأَيَّام اللهِ، ويُخَوِّفُون مَقَامَهُ، إنهم بمنزِلةِ الأدِلَّة في الفلوات، مَنْ أخذ القَصْدَ حَمِدُوا إليه طريقَه، وبَشَّرُوهُ بالنجاة، ومَنْ أخذ يمينا وشمالا ذَمُّوا إليه الطريقَ، وحَذَّرُوهُ مِنَ الهلَكَة.. وما كانوا طرائق قِدَداً. (لم تكن الحياة أشتاتا في سلوك أهل القرآن. الحياة والموت، الدنيا والآخرة، العابد والمعبود، كانت جميعا يلفها في عقيدة التوحيد والرسالة والملائكة والبعث والقدر شرعة واحدة. يسير بها في صراط الله منهاج واحد. لم تكن العاطفة في واد والعقل تائها في التحليل الفلسفي. كان الإنسان جميعا. نحن أشتات اليوم. (…) بالقرآن ابتنيت نفوس مومنة، ومجتمع مومن، وحركة في العالم إيمانية. بالقرآن عرف أهل القرآن الله عز وجل، وبه استناروا في سلوكهم النفسي ومعراجهم الروحي في معارج الإيمان. وبالقرآن كانوا القوة التي حطمت باطل الشرك، وبه أقاموا العدل) 7 لكن ما لبث أن طُرد القرآنُ وأهلُ القرآن اليومَ، (فانكسف وجه الإسلام حتى في عين أمة الإسلام) وأصاب علماءنا حمى الجدل والخصام، فتنةٌ رعتها أخرى أشد منها؛ فتنةُ الأمراء بداء افتراق القرآن والسلطان. فِصامٌ وأي فصام. وأضحى جمعنا شَتِيتًا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا وأصابنا داء الأمم وضَعُفنا أمام الدنيا واسْتَكنَّا لِلأْوَائِها وضُرِبَتْ علينا الذِّلَّةُ مِن بَعد أنْ شَغَلتْنا دقائِقُ الحياة اليومية وانغمسنا في فِتَنِها وإن لم نظفر بها كلَّها، واكتفينا من القرآن بالفاتحة نرددها في الصلواتِ ونقرؤها عند زيارة القبور، وأمَّا إنْ عمِلنا فحَسْبُنا من العمل بالإسلام أن نقرأ كتابَه ثم لا علينا بعد ذلك إنْ أَهمَلنا آدابه. (ودواء دائنا في القرآن ودولة القرآن. ودولة القرآن إنما تستحق الاسم إن اتخذنا القرآن إماما، كل القرآن، في كل المجالات، فإن الضلالة لا توافق الهدى) 8 (إنَّ عَرْض حاضرنا على السنة المطهرة كفيل أن يكشف لنا بالمقارنة فداحة الخراب. كما أن استعراضنا لتاريخنا كفيل أن يدلنا على مراحل النقض والتدمير. كانت النظرة واحدة، وكان شمل القلب والعقل مجتمعا، وألفة القلوب رابطة بين عباد أحبوا الله وأحبهم الله حين اتبعوا الإمام المبين. كانت لهم في رسول الله إسوة لا تغيب فتنسى، ولا تضعُف فَيَفْتُرَ في الهمم طلب وجه الله. واليوم ما سبيل جمع ما أصبح شتيتا؟ ما منهاجه؟ جاهلية اليوم من نوع جديد على التاريخ. لا مكان فيها للدين إلا في رُكْنٍ تنسحب عليه أحكام القانون… وصحوة ناشئة أمامها ركام الخراب الضخم. فماذا تجمع؟ وكيف تعود بالأمة لوحدة المنهاج النبوي وتماسك الأمة وأخُوة الإيمان والعزة على الأعداء؟) 9 وفي غد الخلافة، في دولة القرآن لا محالة أن يهيمن القرآن ويسود بتصديقنا بما جاءنا فيه من الحق ويقيننا بموعود ربنا أن يهيمن الحق على الخلق. وإن عماد دولة القرآن الإحسانُ لا الاِسْتِئْسَارُ لشؤون الأمة وإلا كانت دولة القرآن على خطر، فأراضي شأن الأمة سبخة تغوص فيها الأقدام، وزلقة تهوي بالمستعجل، ومليئة بشوك يدمي، وحفائر تسبب العثرات، بل بمصائد واستدراجات، وثبات الخطوات الوئيدة في رياض الإحسان أسبق من الوثبات؛ إذ الحديث عن الاهتمام بشأن الأمة في غياب الإحسان خِداج. فنجاح أهل القرآن في تجديد الخلافة (لا يتوقف على ذكائهم وإن كان الذكاء من أهم الفضائل، ولا على ضبطهم التنظيمي وإن كان التنظيم قوة واجبة، ولا على أجهزة تحاذي ما كان في دولة الخلافة الأولى وتحاكيها. إنما ينجحون بمقدار ما معهم من خُلق القرآن وفرقانه وبرهانه وإحسانه) 10.

القرآن والصحبة

إن الله جلت عظمته جعل القرآن جِلاَءً للقلوب، تَسمعُ به بعد الوَقْرَةِ، وتُبْصِرُ به بعد العَشْوَةِ، وتَنْقَادُ به بعد المُعَانَدَةِ، وَتستعينُ به على اللَّأْوَاءِ 11، وإن أوسع خطوة يمكن أن يختصر بها المسلم المومن طريقه لحيازة ما حازه أهلُ القرآنِ منَ الصَّحبِ الأخيارِ الأُوّل منْ فضلٍ لصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن يجتمع على مائدة القرآن بصحبة صالحة يقيدها الله له، صحبةٍ هي المغنم والمنارُ يقتدي بها في سفره إلى الله حين يقذف إليها بمقاليده، وهي الامتداد الروحي الإحساني لمقام النبوة. عن أبي الحسن البصري رضي الله عنهما قال: (قال لقمان لابنه: يا بني لا تَعْدُ بَعْدَ تقوى الله مِنْ أن تتخذ صاحبا صالحا) 12.

وإن القرآن كتاب أُنزل لتكون كلُّ نفسٍ ساميةٍ من أهل القرآن نسخةً حيةً من معانيه وليكونَ هو النفسَ المعنويةَ الكبرى. ولا تزال هذه النفس المعنوية الكبرى الخالدة تتمثل في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوانه بالمعنى الإحساني المتسلسل للصحبة -هل فيكم من صاحب…؟ 13 – إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها.. (والاهتداء بالقرآن والاسترحام به والاستدلال بآياته الحكيمة وآيات الله في الكون لا يحق لنا منه نصيب إلا بمقدار ما معنا من إحسان. أي من تعلق بالله جل جلاله واستماع (بما هو مفتاح للقلب ومدخل للإيمان) لكلامه مستحضرين من يخاطبنا وما يريد منا وما يريد بنا وإلى أي مصير يصيرنا. وبهذا يكون محورَ حياتنا هذا الموقفُ الإحساني، وتكون قبلتَنا الله جلت عظمته) 14 فالسعيد مِن أهل القرآن مَن استظل في ظل صحبة راشدة مرشدة، ثم في جماعة قائمة بالحق للحق، شاهدة بالقسط، مبشرة بخلافة على منهاج النبوة ثانيةٍ، ونذيرة بين يدي طوفان يغرق الظالمين في خبر الأيام الخالية، فذاك لا يعيش مع القرآن حق العيش إلا في حياة من الصحبة والجماعة بما يجمع إلى معانِي الآيات معانِيَ الصحبة والجماعة؛ وهو لا يعمل أعمالَه كما يأتي ويتفق، بل يحذو على أصل إحساني ثابت في نفسه وروحه، ويختار فيما يعمل أحسنَ ما يعمل، ومن ثمَّ لا يكون جهادُهُ مُرَاغَمَةً أو خضوعا في سبيل الوجود كالحيوان، بل في سبيل بناء عمران أخوي هو السبيل الأوحد للغاية الكبرى من وجوده هي عبادة الله ونيل رضاه على منهاج نبوي لاحب.


[1] الشورى، الآية 7.
[2] عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة، ص 89-90.
[3] نفسه، ص 37.
[4] نفسه، ص 14.
[5] نفسه، ص 14.
[6] استصبح: أضاء مصباحه.
[7] عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة، ص 14.
[8] نفسه، ص 16.
[9] نفسه، ص 37.
[10] نفسه، ص 28.
[11] اللأواء: الشدة.
[12] الإخوان لابن أبي الدنيا – باب الرغبة في الإخوان والحث عليهم، حديث: ‏25‏‏.
[13] عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم” صحيح البخاري – كتاب المناقب، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – حديث: ‏3470‏.
[14] عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة، ص 25.