مدخل:

قد يكون الحديث عن “توافق ما” خارج السياق السياسي الرسمي في هذا “البلد الحزين” ضربا من الحلم، وذلك لاعتبارات عديدة، نجملها في المسافات – بالجمع – التي تفصل مكونات الحقل السياسي – الممانعة منها خاصة – سواء على مستوى التصور، أو الممارسة، بل وحتى على مستوى الأفق السياسي المأمول، ناهيك عن الأجواء المشحونة التي خلفتها التجارب السابقة، محليا، وإقليميا.

 بيد أن إيماننا بأن مِعْوَل التفرقة، والذي درجت الأنظمة القائمة في الداخل والخارج، على استعماله، بدأ يجد مقاومة من هنا وهناك، عبر “الوعي الجمعي” بضرورة التعايش داخل الوطن الواحد، واستحالة الثبات على مواقف ومراكز لا تزيد هذه المسافات إلا بعدا.  

ثم ومن جهة أخرى: يمكن الحديث عن “محفز” بعض التجارب الإقليمية، والتي قد لا يسعنا القياس عليها لوجود فوارق عديدة، شكلا ومضمونا، لكنها كفكرة وواقع ومنوال، لا غرو يضعنا أمام أفق توافقي بالقوة قبل الفعل.

إن أفقا بهذا الشكل يسمح لنا بمحاولة استشراف، بل ورسم صورة مقربة لتلاقي منظور حول مائدة سياسية، قمينة بإخراج البلد من دوامة “الاحتراب قبل الشتات”، ومن العداوة قبل الخلاف، ومن الاستبداد قبل التخلف.

 لقد حاولت في هذه السطور تجميع خلاصات مجموعة من اللقاءات والندوات حول مسمى التوافق، إضافة إلى مقالات من هنا وهناك، يتحدث أصحابها عن “مخرجات” توافقات قائمة، نعم بأشكال ورؤى وسياقات مختلفة، لكنها كفيلة بإعطائنا صورة مقربة لما يمكن أن نصطلح عليه: “أسس التوافق السياسي ومحدداته”.

1 – دلالات التوافق السياسي

 لقد ارتأيت أن أتحدث عن دلالات التوافق السياسي، باعتباره حصرا مبدئيا لما نعنيه هنا بكلمة “توافق”، المسيجة بالسياسي، وهو اصطفاف أو تكتل سياسي، غير “مؤدلج” (سياسي وليس إيديولوجي) لمجموعة من المكونات (أحزاب، منظمات، هيآت، شخصيات عامة، ممثلين جهات…) الغرض منه: إيجاد صيغة سياسية للوصول إلى تفاهم مشترك، وحقيقي، حول مشكلات البلاد المزمنة والعالقة، عبر إعادة هيكلة النسق السياسي، وبناء جاد لمفهوم التعددية السياسية.

 إنه تلاق حول آليات تدبيرية ميدانية، الغرض منه خلق جو سياسي، تسود فيه قيم ومبادئ المجتمع الديمقراطي، من مثل حرية “التعبير” و”الاختيار” و”التنظيم” وغيرها؛ وجعلها رافعة لبناء قوة مجتمعية، تستطيع الإجابة عن سؤال: ما المطلوب للخروج بالبلد إلى بر الأمان؟

2 – دوافع التوافق السياسي

إن حصرنا لدوافع التوافق السياسي في خمسة لهو من باب اختيار لما نراه أكثر إلحاحا من مثل:

أ – الاختلاف سنة كونية

يقول ربنا جل جلاله في محكم كتابه الكريم: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (الحجرات الآية 13) إنها صفة كونية، طبيعية، في كل مجمع؛ وبالتالي وجب العمل على جعلها عامل “قوة” لا عامل ضعف، عامل “توازن” لا اختلال، “تكاملا” لا تضادا.

ب – ضرورة الانتقال الديمقراطي

 قد يطول الحديث إذا ما أردنا الخوض في مفهوم الانتقال أو التحول الديمقراطي، لكننا نستطيع إجمال القول بأنه: مجموع التدابير والإجراءات والمراحل التي من خلالها – ومن خلالها فقط – يتم خروج أي بلد بلد من ربقة الجور إلى فسحة العدل، ولهذا – والحالة هذه – وجب التفكير بشكل جماعي، ومستعجل، وعدم الاستمرار في هدر الزمن السياسي للبلد، وجعل هذا الانتقال، انتقالا سلسا مقاصديا يقوض جيوب المقاومة المتمثلة في آليات إعادة تجديد أنظمة الاستبداد وتمطيطها عبر الزمان والمكان.

ج – الحاجة إلى الوطن الحاضن

يجب الإقرار بأن التعايش الوطني هي السبيل الوحيد لفك لغز أي تمايز على المستوى المادي، أو الرمزي، لكي نستطيع الحديث عن الوطن الحاضن، للمرأة وللرجل، للعامل، وللسياسي ول… للإنسان.

ه – الكرة في مرمى المجتمع السياسي (الممانع)

نعم الكرة الآن في مرمى فضلاء هذا البلد، وخيريه من أصحاب الضمائر الحية، بعد أن أصم النظام الآذان، وتكالب الاستكبار العالمي (بمؤسساته: المالية…)؛ بعد أن سقط القناع الحقوقي العالمي، القناع الأممي (المجتمع الدولي)، القناع العربي العروبي. علاوة على – وهذه من تلك – فشل كل البرامج الإصلاحية، خضراء وزرقاء… وبكل الألوان.

د – تعاظم موجة الاحتجاجات الشعبية غير المؤطرة

 قد لا نبخس حق موجة الاحتجاجات المترامية هنا وهناك عبر ربوع الوطن المهمش، مطالبة بأبسط حقوق العيش، وكرامة الإنسان، من تطبيب وعمل وتمدرس، لكن الحديث عن التغيير الحقيقي لا يمكن أن نغفل فيه الجانب التنظيمي والتأطيري لكل هذه الخارجات، حتى لا تسقط في الإرباك بعد الإنهاك، أو العنف والعنف المضاد، وفي أحسن الأحوال السقوط في المقاربة الاجتماعية لأمراض سياسية (مطالب مشروعة بأدوات خاطئة).

3 – الضمانات والشروط

نحتاج في حديثنا عن أي شكل من أشكال التوافق مع هذا أو ذاك، إلى حد أدنى مما قد نصطلح عليه ضمانات حامية، ومؤطرة، تجعل له “معنى” بل، و”أفقا” واستمرارية. ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أ – علاج مخلفات / مسببات عدم التوافق.

وأراها في:

– القطع مع النظام الاستبدادي وأزلامه .

 – التعالي على صنمية التنظيم والرصيد التاريخي والذات.

 – التعالي على المعايير التفاضلية كمية كانت أو عرقية…

 – التسليم بعدم قدرة أي طرف، مهما كانت إمكانياته، بالعمل منفردا.

ب – ترسيخ مبادئ:- السلمية (تجنب العنف الرمزي والمادي).

 – الوضوح والشفافية.

 – الاعتراف بالأخر.

ج – وضع ميثاق شرف يحدد المبادئ التي على الجميع الالتزام بها (العلاقة بين الأطراف…).

د – بناء توافق على مرأى ومسمع من الشعب.

فنحن في حاجة إلى مصارحة الشعب فيما نقول ونعمل، بل أكثر من ذلك: في حاجة إلى تحويل التوافق، والتعايش إلى ثقافة شعبية، وسلوك سار فينا صغيرا وكبيرا.

ه – المواكبة النقدية

فالنقد ذاتيا كان (من داخل كل طرف) أو موضوعيا (للعملية التوافقية) هو من أهم الضمانات التي تقف في وجه الزلل أو التراجع؛ فنحن في حاجة دائمة إلى تقييم وتقويم المسار، والوقوف على مكامن النقص والتراجع عن سبل الخلاف.

4 – محاذير التوافق السياسي

إنها مجموعة من المطبات التي تستطيع تقويض، إيقاف، أو حتى قتل التوافق. ومنها:

أ – القفز على المراحل.

وقد يكون قفز” تجاوز “أو” اختزال “أو “تمطيط” فالمطلب هنا – وكما يقال- خطوات آمنة لا خطوات كبيرة.

ب – القفز على الواقع

وذلك عبر استصغار الكلفة المادية والسياسية لكل خطوة تغييريه. أو استعجال نتائجها.

ج – السقوط في قبضة الجماهير، أو تغليب الواجهة المطلبية.

د – انفصام الرؤية بين كل من القيادة والقاعدة، التنظير والممارسة، وبين المركز والهامش.

ه – التحول من التنسيق الجامع إلى التنسيقيات التفكيكية. ولنا في العمل النقابي أوضح مثال.

5 – محاور عملية للاشتغال

إنها مقترحات تحاكي بعض التجارب كما ذكرنا ذلك أعلاه، من مثل:

أ – مأسسة الحوار /أو الحوار المؤسساتي.

 نحتاج لكي يكون حوارنا منتجا إلى جعله على أرضية حقيقية، وصلبة وهنا نقترح: حوارات قطاعية/ مجالية /تخصصية.

ب – مأسسة العمل/ أو العمل المؤسساتي.

عبر إعادة بناء الهياكل الجماهيرية (جمعيات، نقابات…) والاشتغال من داخلها.

ج – مأسسة ثقافة /مفهوم التداول والمداورة في التسيير وصولا إلى المفاهيم الكبرى للتداول على السلطة

د – مأسسة التنافس المبني على الكفاءة، وعلى جميع المستويات

ه – تحييد المؤسسات العامة .قطريا (الإعلام، الجيش، القضاء) ومحليا (الأمن، السلطات المحلية…).