لن ينكر شاب مغربي اليوم أن مواقع التواصل الاجتماعي صارت تستحوذ على النصيب الأوفر من ساعات يومه الأربع والعشرين، فمع هذا التطور التكنولوجي السريع الذي جمع كل العجب في هاتف نقال ذكي، سهل الولوج إلى التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة، يجول فيها الزائر الافتراضي ويقضي فيها وقتا يفوق الوقت الذي يحتاجه للنوم أو للدراسة أو العمل.. وغيرها من ضروريات الحياة.

يؤكد الدكتور بوبكر الونخاري، المهتم بقضايا الشباب، أن شبكات التواصل “صارت جزءا من حياة الأشخاص حيثما تمكنوا من الارتباط بالأنترنت، وهذا بفعل الثورة التكنولوجية المرتبطة بالأنترنت، التي شهدها العالم في العشرية الأخيرة”؛ لافتا إلى أنها تستبطن “وجها إيجابيا وآخر سلبيا، والمستعمل هو المسؤول عن تحقيق المنفعة ودفع المفسدة”.

وأضاف الونخاري أن هذه المواقع ساهمت “في توسيع دائرة نقاش القضايا المغربية وتحقيق “التشبيك” بين العديد من النشطاء ما كان بالإمكان التقاؤهم على فكرة معينة، فضلا عن مساهمتها في جعل قضايا الشأن العام متاحة أكثر للعموم، إخبارا وحضورا في النقاش والتعليق”؛ مستطردا: “لكنها في المقابل جعلت الجميع عرضة للإشاعة واستهلاك الأخبار الزائفة، بل صار لها ضحايا مدمنون على استهلاك محتواها”.

بين التسلية والمنشورات الجادة

كشفت دراسة قامت بها مؤسسة خاصة خلال السنة الماضية أن أكثر من 13 مليون مغربي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، 60% منهم ذكور و40% إناث، وحوالي %70 منهم شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و44  سنة.

وفي زيارة لبعض المجموعات العامة داخل الفايسبوك والتي يفوق عدد المنخرطين فيها المائة ألف، تابعنا مشاركات 100 عضو من رواد هذا الموقع داخل ثلاث مجموعات غير متخصصة، كانت النتيجة أن 40% منهم – وهي النسبة الأكبر- منشوراتهم للتسلية  و4% فقط –وهي النسبة الأقل- منشوراتهم ذات محتوى جدي هادف، فيما توزعت باقي النسب بين منشورات مختلفة، وقد لاحظنا أن أكبر حجم للتفاعل يتم مع المنشورات ذات المحتوى المسلي.

من هذه المجموعات العامة إلى الحسابات الخاصة، استطلعنا آراء بعض الشباب في علاقتهم بهذه المواقع من حيث التفاعل والنشر. خالد شاب في الثلاثينيات من العمر، يقول في تصريحه لموقع الجماعة.نت “أستخدم مواقع التواصل الاجتماعي بغاية البحث عن مستجدات في مجال اشتغالي وكذا آخر الأخبار على المستوى الوطني، كما أهتم بمتابعة المنشورات التي لها علاقة بالسياسة”، ولم يخف خالد أنه منخرط في صفحات متخصصة في الأفلام والتعارف والزواج، وأخرى بغاية التسلية أحيانا، ويضيف المتحدث بأنه ينشر تدوينات تفاعلية بشكل غير منتظم وذلك بحسب الأحداث الجارية أو بغاية التسلية، كما أشار إلى أن الفايسبوكيين لا يتفاعلون مع المنشورات الجدية .

أما خولة، وهي طالبة جامعية، فأكدت لنا أنها تستخدم موقعي الفيسبوك والانستغرام في أوقات فراغها، وتحرص في كل زيارة على متابعة صفحات ذات مضمون مختلف كالرياضة، الفن، الكوميديا، الإعلام، السياسة، الدين، الثقافة وصفحات النجوم والمشاهير، لافتة الانتباه أن ما يثيرها في المنشورات “الطريقة والأسلوب الذي تصاغ به، والسلاسة في توصيل الأفكار لكل الفئات وكذا المنشورات التي تحمل معلومات جديدة”، مضيفة “أزور على وجه الخصوص المجموعات النسائية المهتمة بالمرأة، والتجميل والموضة وقضايا المرأة والدين، بالإضافة إلى المجموعات ذات الطابع الشبابي الإبداعي خصوصا التصوير وفنون الإعلام بأشكاله وألوانه وكذلك المجموعات التي تساهم في نقاش مستجدات قضايا الأمة”.

وعن منشوراتها على حسابها تقول المتحدثة الشابة أنها لا تنشر يوميا وتحرص أن تكون منشوراتها مختلفة كالأمثال والحكم والمعلومات ذات الطابع العلمي والديني وأخرى تضامنية، ثم منشورات كوميدية. فيما قالت صديقتها منال أنها تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي كمتابعة  أكثر منها فاعلة: “أتابع آخر الأحداث في الوطن العربي والمغرب خاصة، يثيرني في المنشورات مضمونها إن كان من المواضيع التي تهمني، وأزور الصفحات التي تختلف مواضيعها، وجل المجموعات التي أزوها خاصة بالدراسة”.

أما آسية فتختلف علاقتها مع مواقع التواصل الاجتماعي عمن سبقها، فهي تستخدمها في الأغلب كمتفاعلة، وتعترف بأن المواقع التي تسبح فيها يوميا (انستغرام، واتساب، فايسبوك) تسلبها وقتا مهما جدا قد يتجاوز 3 ساعات، وتختلف زياراتها لها بين الدراسة والتسلية ومتابعة المستجدات.

نحو استخدام راشد

من المؤكد أن للتطور التكنولوجي حسناته وسيئاته، وهذا يعود للمستخدم، فالسلوك البشري هو الذي يحسم في طبيعة العلاقة مع العوالم الافتراضية، وفي هذا السياق يوجه الدكتور الونخاري إرشادات لعموم الشباب لاستثمار علاقتهم بهذه الوسائل، حتى لا تتحول العلاقة إلى إدمان ينخر عقله ويصعب علاجه، فيوجه الشاب إلى “ترشيد الوقت، بحيث لا يصير وقته هدرا في متابعة هذه المواقع، وأن يكون قاصدا في استعماله. ومعنى هذا أن يعرف ما يريد منها، ومن ذلك أن يبقى على اطلاع، لكن دون أن يتحول إلى مدمن، وأن يكون مفيدا لغيره بتقاسم محتوى يعبر عن نضجه لا أن يهيم مع الهائمين في ترويج ما يليق وما لا يليق. ففي ديننا الإنسان مسؤول عن كل عمله أمام الله”. كما أكد على ضرورة “تضييق هوامش المحادثات في شبكات التواصل، لأنها تساهم في إهدار زمن ثمين في حياة الإنسان. وعلى الطالب أو التلميذ أن يدرك أن المعرفة في أماكنها الحقيقية. في الكتب وقاعات الدرس وما شابهها، وأن التعلم أولى بوقتك فلا تضيعه فيما ضرره أكثر من نفعه، وأن يبتعد الإنسان، التزاما بالخلق الرفيع، عن الفحش في القول أو التعنيف عند المناقشة مع الغير في أي قضية. وإذا ما وجد الشاب نفسه في نقاش عقيم وغير نافع فالأولى به تركه لما هو أنفع وأفيد له ولغيره بوضع الحدود بين عالم الواقع والتمثلات التي يمكن أن تنتج على إدمان استهلاك المحتوى الذي تقدمه شبكات التواصل، والتي قد تجعله منفصلا تماما عن الواقع، وبعيدا حتى عن أقرب الناس إليه”.