أورد الإمام المجدد، رحمه الله، الحديث بمتن آخر قريب من الأول ضمن صفحات أولى كتبه: الإسلام غدا 1، برواية أبي الدرداء رضي الله عنه حيث قال: «كان عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يأخذ بيدي فيقول: تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانها».

فلننظر إلى هذا الحنان والعطف والحرص الشديد على التوريط في الخير، ثم الاحتضان مع تعليل دقيق لغاية الاجتماع. و“إن القلب أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانها”، ألا يدل ذلك على قلب حي وعلم وخبرة ودراية بخفايا القلوب وسرعة تقلبها؟ أليست هذه علامات وبراهين اتقاد البصيرة والميل إلى الذُّلِّ والافتقار والانكسار بين يدي الحنان المنان؟ وهل بقي شك أن الدعوة إلى: “تعال نومن ساعة” والمداومة عليه، قد أكسبت الأصحاب الدربة على الغوص في أعماق النفس والتفتيش عن عيوبها؟

إنه نموذج حي لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان حارس الخوف يلازمهم، وكانت حياتهم رباطا على الثغْر بين القلب وبين النفس، يحذرون مكائدها ووسوتها، كي لا تحبط أعمالهم 2، ناظرين في النموذج الأكمل بين ظهرانيهم والأقرب من “الله عز وجل وأكرمِهم عليه وأدْناهم منه وسيلة وأعظمهم عنده جاها، وقد دخل إلى مكة يوم الفتح وذقَـنُه تمس قربُوسَ سَرْجه انخفاضاً وانكسارا، وتواضعا لربه تعالى في مثل تلك الحال التي عادة النفس البشرية فيها أن يملِكهَا سرورُها، وفرحها بالنصر والظفر والتأييد، ويرفعها إلى عنان السماء” 3.

إنها وراثة كاملة للعلم النبوي القرآني، والإرث النبوي الذي لم يورث درهما ولا دينار، وإنما ورث علما وافرا، أخذه الأصحاب فورثوه للإخوان “فتعال بنا نؤمن ساعة”.  

نبهنا الإمام رحمه الله، في إشارة لطيفة منه، إلى أثر جفاف القلوب وتحجرها؛ إذا تجردت من الغيب والإيمان؛ على بعض الأفهام التي لم تتجاوز حرفية الحديث، وعلل ذلك بقوله: و“إذا كان في القلوب جفافٌ وتحجُّرٌ فذلك لنُضوب معين الإيمان وانسداد منابع الرحمة عنها” 4، وكأنه يقول لي: هب أن الحديث وأحرفه في عقلك وصدرك، لكن، ما درجة انفتاح منابع الفهم لديك؟ وبأي إرادة وهمة تقرأه؟ وكأن الدراية بصنعة الحديث، رغم أهميتها، ليس إلا مفتاحا من مفاتيح كثيرة للفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لذلك ربط الإمام بين نضوب معين الإيمان والتشكيك في موعود الله الذي تبشر به أحاديث المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلوات، وبين انسداد منابع الرحمة وتدهور المسلمين، بل وضياع الوراثة النبوية المبنية أساسا على الإيمان بالغيب، مشيرا إلى ما ستكتشفه الأمة، من أن الغيب والإيمان به مع الصحبة والذكر مفتاح لفهم القرآن وتجديد للدين والإيمان، وقد كان ذلك منجمعا غير مجزأ لدى الصحابة والقرون الأولى، لكن الانكسار السياسي بسط نفوذه تدريجيا على كل المجالات، فعمت بلوى الفصل والتجزيء على فكر وكيان الأمة كلها. “فمن الناس من تلقى هذا العلم عن أهله وصدق وانتفع” 5 والتصديق شرط أساسي للانتفاع، “ومنهم من عظمت عليه أنانيته فلا يأخذ ولا ينتفع” 6 والأنانية مزلق خطير وعقبة ملساء لا تكاد تمسك قطرة، خاصة إذا كانت أنانية صاحب مال، أو ذي سلطان، أو عالم لسان “يتشكك في كل من يتحدث عن حب الله ورسوله؟ ألا ساء ما يحكمون” 7، وقد عبر القرآن الكريم عن الأنانية “بلفظ الاستكبار، فما من قوم كذبوا الرسل وعَتوْا عن أمر الله إلا كان دافعهم الاستكبار. هذا الاستكبار الجاهلي يستند أكثر ما يستند على القوة والمال” 8، فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً 9

لذلك كان من دواعي العزة والفخر أن يكون الإخوان على الأثر ويشملهم قوله تعالى: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ  10 ، “وقد كان ذلك حظ الأصحاب فانتفعوا وتجاوزوا الأنانيات المفرقة والمشتتة، دون التفريط في عيش بشريتهم، فنالوا شرف توصيف إلهي أعظم”: 11  أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ 12، بل  أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ . 13

وبعد حديثه، رحمه الله، عن التسطيح والحرفية في فهم النصوص، أشار إلى فئة أخرى “قاعدة” لتفضيلها الأمية المسالمة لدى الناس على مجالس التعلم والعلم 14، لأنها في نظره لم تتوصل بعد إلى حقيقة مجالس الإيمان الجامعة، المنهضة والمحفزة والتي تبني الرجال والأمة، ولم يفته التعليق على الاثنين معا بقوله: “ما هكذا كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. إنما كانت لهم مجالس للإيمان فيها علم وتعلم وفيها ذكر يسمونها مجالس الإيمان. والعلم ذكر فإذا سمعنا وعد رسول الله بالسكينة والرحمة للجالسين على الذكر فإن ذلك لا ينفي من أصناف الذكر هذا الصنف الشريف الذي هو العلم النبوي علم القرآن والسنة الطاهرة” 15.

ولا يكون العلم نبويا وقرآنيا، إذا خلا من العلم الغيبي الذي يقوي الإيمان ويعلم الرشد الذي طلبه الأنبياء، وهم من هم، فهذا سيدنا موسى يقطع المسافات للقاء الخضر عليه السلام كي يتعلم منه رشدا، ويُرزق السداد في الأقوال والأفعال، وإلى هذا أشار الإمام، رحمه الله، قائلا: إن: “العلم النبوي علم غيب يربط اللطيفة الإنسانية بمصدرها القدسي عن طريق الفرض والنفل. والفرض والنفل كيفيات غيبية بها يتقرب العبد إلى ربه حتى يحبه ويكون سمعه وبصره. هذا هو العلم وهذه هي غايته الشريفة والقرآن كله وسنة النبي إنما مركزها هذه النقطة: تحرير الإنسان وتهييئه لمصيره العلوي وهدايته” 16، تحريره من نفسه ومن أنانيته وعاداته…

لماذا النفس؟

لأنها قد توقفني عن السير وتزيغني عن القصد قبل أن تزكُوَ وترتفع عن المطالب الدنيا. وكل ما سوى وجه الله عز وجل فهو دون، ومن فاته الله فاته كل شيء. 17

أخي الحبيب: “فتعال بنا نؤمن ساعة”.  


[1] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 252.
[2] ياسين عبد السلام، الإحسان: 2، ص: 398 بتصرف.
[3] ياسين عبد السلام، الإحسان: 2، ص: 398.
[4] ياسين عبد السلام، العدل. الإسلاميون والحكم، ص: 274.
[5] الإسلام غدا، ص:252.
[6] الإسلام غدا، ص:252.
[7] ياسين عبد السلام، العدل. الإسلاميون والحكم، ص: 274.
[8] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 48.
[9] سورة فصلت، الآية: 15.
[10] سورة البقرة، الآية 256.
[11] العدل، ص: 273.
[12] سورة المائدة، الآية:54.
[13] سورة الفتح، الآية:29.
[14] الإسلام غدا، ص:252.
[15] الإسلام غدا، ص: 252.
[16] الإسلام غدا، ص: 257.
[17] ياسين عبد السلام بتصرف.