عجباً لذاكر الموت كيف يلهو؟ ولخائف الفوت وهو يسهو، ولمتيقن حلول الليل ثم يزهو، وإذا ذكرت له الآخر مر يلغو.

لأبي العتاهية:

إني أرقت وذكر الموت أرَّقني ** فقلتُ للدمع: أسعدني فأسعدني

إن لم أبك لنفسي مشعراً حزنـاً ** قبل الممات ولم آسف لها فمن

يا من يموت ولم تحزنه موتتـه ** ومن يموت فما أولاه بالحـزن

لمن أثْمِّرُ أموالي وأجمِّـعـهـا ** لمن أروح لمن أغدو لمن لمن

لمن سيرفع بي نعشي ويتركني ** في حفرتي ترب الخدين والذقن

يا غافلاً عن الموت وقد لدغه، أخذ قرينه فقتله ودمغه، تأمل صنع الدهر بالرأس إذ صبغه، بأي حديث ترعوي أو بأي لغة؟ كم رأيت مغروراً قبلك؟ كم شاهدت منقولاً مثلك؟ من أباد أقرانك؟ ومن أهلك أهلك؟ لقد نادى الموت وقال: أخذتم أماني يا أهل الأماني والآمال، أين من كان في روح وسعة؟ نقلته إلى مكان ما وسعه، أين من كان يسري آمناً في سربه، أما قيل للتلف؟ خذه وسر به، أما عاقبة الألفة فرقة؟ أما آخر جرعة اللذة شرقة؟ أما ختما الفرح قلق وحرقة؟ أما زاد ذي المال إلى القبر خرقة؟ أعِرْ سمعك الأصوات، فهل تسمع إلا فلاناً مات؟ أجل بصرك في الفلوات فهل ترى إلا القبور الدارسات؟

قوض الموت طود عزهم الشا ** مخ قسراً والدهر ذو حدثـان

واستـرد الـذي أعـار ولـلأ ** يام ظهراً خـشـونة ولـيان

وإذا صاح صايح الموت في قو ** م غدوا كل واحد في مـكـان

يا ساكناً مسكن من قد أزعج، يا شارباً فضلة من شرق، تصحو في المجلس ساعة من خمار الهوى، ثم تسليك حميا الكأس، هيهات ليس في البرق اللامع مستمتع لمن يخوض الظلمة، كم أعطف عطفك بلجام العظة إلى عطفة اليقظة، فإذا انقضى المجلس عاد الطبع “ثانيَ عطْفِه” وتأبى الطباع على الناقل يا من قد لجج في لجة الهوى، قارب الساحل في قارب، دنا رحيل الرفقة وما اشتريت للمير قوت ليلة، كلما جد اللعب فتر النشاط في الجد، صحح نقدة عملك فقد انقرضت أيام الأسبوع، جوّد غزل عزمك، فلربما لم تسامح وقت الوزن، صابر غبش العيش فقد دنا فجر الأجر.

انتبه الاغتنام عمرك، فكم يعيش الحيوان؟ مد بحر القدرة، فجرى بمراكب الصور، فرست على ساحل إقليم الدنيا فعاملت في موسم الحياة مدة الجزر، ثم عاد المد فرد إلى برزخ الترب، فقذف محاسن الأبنية في حفر اللحود، وسيأتي طوفان البعث عن قرب، فاحذر أن تدفع دونك سفينة النجاة، فتستغيث وقت الفوت ولا عاصم كأنك بك في قبرك، على فراش الندم وأنه والله لأخشن من الجندل.

فازرع في ربيع حياتك قبل جدوبة أرض شخصك، وادخر من وقت قدرتك لزمان عجزك، واعتبر رحلك قبل رحيلك، مخالفة الفقر في القبر إلى لازم الأخذ “أن تقول نفسٌ يا حسرتا”.

يا هذا. مثل لنفسك صرعة الموت، وما قد عزمت أن تفعل حينئذ وقت الأسر، فافعله وقت الإطلاق.

لقيس بن ذريح:

أتبكي على لبنى وأنت تركتهـا ** فكنت كآت حتفه وهو طـائع

فيا قلب خبرني إذا شطت النوى ** بلبنى وبانت عنك ما أنت صانع

كأنك بحرب التلف قد قامت على ساق، وانهزمت جيوش الأمل وإذا بملك الموت قد بارز الروح، يجتذبها بخطاطيف الشدائد من تيار أوتار العروق، وقد أوثق كتاف الذبيح، وحار البصر لشدة الهول وملائكة الرحمة عن اليمين، قد فتحوا أبواب الجنة، وملائكة العذاب عن الشمال قد فتحوا أبواب النار وجميع المخلوقات تستوكف الخبر، والكون كله قد قام على صيحة، إما أن يقال: سعد فلان، أو شقي فلان، فحينئذ تتجلى أبصار “الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري” ويحك تهيأ لتلك الساعة، حصل زاداً قبل العوز.

للصمة القشيري:

تمتع من شميم عرار نجد ** فما بعد العشية من عرار

وا أسفاه من حياة على غرور، وموت على غفلة، ومنقلب إلى حسرة، ووقوف يوم الحساب بلا حجة.

يا هذا، مثل نفسك في زاوية من زوايا جهنم وأنت تبكي أبداً، وأبوابها مغلقة وسقوفها مطبقة وهي سوداء مظلمة، لا رفيق تأنس به، ولا صديق تشكو إليه، ولا نوم بريح ولا نفس، قال كعب إن أهل النار ليأكلون أيديهم إلى المناكب، من الندامة على تفريطهم، وما يشعرون بذلك. يا مطروداً عن الباب، يا مضروباً بسوط الحجاب، لو وفيت بعهودنا، ما رميناك بصدودنا، لو كاتبتنا بدمع الأسف، لعفونا عن كل ما سلف.

ولو أنهم عند كشف القنـاع ** وحل العقود ونقض العهودِ

وخلعهم لـعـذار الـحـياء ** ولبسهم لبـرود الـصـدودِ

أناخوا بأبـوابـنـا سـاعة ** وأجروا مدامعهم في الخدودِ

لعدنا سراعاً إلى وصلـهـم ** وقلنا قلوب المحبين عودي

من كتاب المدهش لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله