مقدمة

يتحدث المفكرون والفلاسفة عن التأمل، ويعتبرونه أفضل طريقة لاكتشاف الذات الإنسانية ومحاولة الوصول بها أرقى مراتب الطهارة والكمال، وبأنه أيضا السبيل الوحيد للإجابة عن الأسئلة التي يضعها الإنسان أمام ذاته حول معنى وجوده ومصيره. ولا يقوى التعلم على هذا لأنه نشاط يهتم بالطبيعة ويصنع الحضارة، بينما التأمل يهتم بالذات ويصنع الثقافة. فالفرق بين العقل والتأمل عند (أرسطو) هو الفرق بين الإنساني والإلهي، وعند (سبينوزا) التأمل هو أرقى شكل وهدف للأخلاق.

وعلى ضوء اختلاف نشاط التعلم ونشاط التأمل ذهبوا إلى أن الفيلسوف (تولستوي) كان يتأمل لأنه أمضى حياته يتأمل في الإنسان ومصيره، بينما (جاليليو) كان يفكر لأنه استولى على حياته التفكير في مشكلة الجسم الساقط. وأن التأمل أدى (ببتهوفن) إلى إبداع السيمفونية التاسعة، وأدى العلم (بنيوتن) إلى اكتشاف قوانين الجاذبية والحركة. والخلاصة أن التعارض بين التأمل والتعلم كالتعارض بين الإنسان والعالم، وبين الروح والعقل، وبين الثقافة والحضارة 1 .

فلكوننا عادة نقرأ ما يكتبه المثقفون أكثر مما نقرأ القرآن والسنة غلب في أوساطنا أن نتحدث عن الـتأمل ونكتب عنه بدل التفكر، وهذه الأخيرة كلمة قرآنية نبوية، مع الأسف لم تحظ بالاهتمام ما حظيت به كلمة التأمل. وأنا بدوري كنت مولعا بكلمة الـتأمل حين حاولت الاطلاع على بعض الكتب الفلسفية والفكرية، ولكن ما أن قرأت عن التفكر في كتاب الإحسان للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله حتى أدركت أنّ ما تحمله الكلمة من معان هي أعظم بكثير من التي تحملها كلمة الـتأمل.

فكلمة التفكر إلى جانب أنها كلمة قرآنية نبوية، فهي تعتبر من مقامات الإحسان التي تُبَلِّغ السالك الفردَ، وهو كائن روحيٌّ مارٌّ من هذه الدنيا الزائلة إلى دار الجزاء والبقاء، أوجَ المعرفة وقمةَ الصلاح في خاصة نفسه) 2 .

فما حقيقة التفكر إذا؟ وما الفرق بينه وبين التفكير؟ وما علاقته بالذكر؟

حقيقة التفكر

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، اللذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار 3 . الآية مع باقي الآيات الخاتمة لسورة آل عمران قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت عليه: “أفلا أكونُ عبدًا شكورًا، لقد نزَلَتْ علَيَّ اللَّيلةَ آيةٌ، ويلٌ لِمَن قرَأها ولم يتفكَّرْ فيها”إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.. 4 .

في الفصل الرابع من كتاب الإحسان الجزء الأول وتحت عنوان “التفكر” كتب الإمام المجدد رحمه الله بعد تمهيد ميّز فيه بين عمل الجوارح وعمل القلب وعمل العقل، يقول: التفكّر على وزن تفعّل، يفيد رجوعا على النفس وانعكاسا) 5 . جملة مركزة تكفي لتختصر لنا حقيقة التفكر في كونه فعلا وعملا له ارتباط بالعقل نعم لكن تحت إمارة القلب وتوجيهاته، وذلك بهدف إصلاح النفس وإحداث أثر التغيير فيها.

طالع أيضا  أيها الإنسان!

فأن نخصص لحظات من يومنا نخرج بها من ضغوطات الحياة وأشغالها إلى أن نتفكّر في خلق السموات والأرض وما فيهما من آيات للذكرى والعبرة، هذا يساعدنا على كبح جماح النفس وضبطها حتى لا تنساق مع الشهوات والرغبات. هذا حقيقة التفكر في وجهها الأول أن تفكر في خلق السموات والأرض، أما وجهها الثاني فهو التفكر في المصير بعد الموت، والتفكر في الآخرة. يقول المرشد رحمه الله: تفكر في القبور الدوارس، تفكر كيف يحشُر الحق عز وجل جميع الخلق ويقيمهم بين يديه. إذا دُمت على هذا التفكر زالت قساوة قلبك، وصفا من كدره) 6 . وأما وجهها الثالث فهو التفكر في الخالق من حيث أفعاله وأثر صفاته في العالم وفي الإنسان وليس التفكر في ذاته. وأما وجهها الرابع فـــعمق التفكر وهو الحزن على حال النفس والرجوع عليها باللائمة والقرع والقمع والتوبيخ الدائم) 7 .

التفكر والتفكير

نقرأ في الإحسان وتحت نفس العنوان أن التفكر يختلف عن التفكير المشترك بين أفراد البشر. فالتفكير عقلي محض، وموضوع فعله الكون ومعطياته، وهو يبحث ليصل إلى نتائج مادية لا علاقة لها بقدرة الخالق وقوته وإبداعه وتدبيره، وما يرجع بذلك من أثر على النفس، بينما التفكر عقلي قلبي، موضوعه معنى وجود الإنسان في هذه الحياة، ومصيره بعد الموت، ومخلوقيته، ومسؤوليته في الآخرة.

ونقرأ أيضا أن التفكّر من نتائج فعله تتويج المؤمن بإكليل الكرامة الآدمية، والمحافظة على سلامة الفطرة الإيمانية، أما التفكير حتى وإن كانت له نتائج التأثير في الكون من تقدم الإنسان في مضمار الحضارة لكن ومع ذلك فنتائجه لا تخرجه عن الحيوانية المعنوية إلى الكرامة الآدمية 8 . وعلى ضوء هذا الاختلاف بين التفكر والتفكير نجد المرشد رحمه الله يؤاخذ على علماء التفكر بمعناه القرآني في عصور مضت فشلهم في التصدي للكوائن التي سخرها الله لنا حتى أصبحنا عاجزين مشلولين في الدنيا) 9 ، كما يؤاخذ أيضا على علماء الفكر المعاصرين قصورهم عن إدراك الفرق بين التفكر والتفكير فيدعون إلى إسلام فكري ثقافي يكتبونه في كتاباتهم دون إدراك لخطورة ما يترتب على خطابهم الممسوح من ذكر الله من سيّء الآثار. في حين “يتساءلون عن “الأجهزة الروحية” التي من شأنها أن تعطي المسلمين الإيمان. وكأن الأمر تركيب ميكانيكي تَحُل معضلاتِه “القواعد الفنية المحترمة”! والأجهزة الإدارية المتخصصة! 10 .

طالع أيضا  أيها الإنسان!

فحتى يصبح تفكيرنا تفكرا، وحتى يرتبط التفكير بالتفكر ارتباط التابع بالمتبوع، لا بد من تجديد إيماننا تجديدا ينشط في ظله العقل المشترك المنظم المحترم الصانع تحت إمارة القلب ساعيا بين يديه إلى غاية الإحسان وأهداف العدل) 11 .

الذكر والتفكر

إن اقتران الذكر بالتفكر كما جاء في الآيات من خواتم سورة آل عمران له الأهمية الكبيرة في كون الذكر أساس التفكّر، ذلك أن التفكر حتى يؤتي ثماره الإيمانية والإحسانية المرجوة لا بد من أن يسبقه الذكر الكثير الذي يستغرق كل الأحوال، ويسري في الجوارح والكيان.

يعلق المرشد رحمه الله على الآية من سورة آل عمران تعليقا يصحح به شرود الفهم الذي وقع فيه بعض العلماء، الذين يظنون أن التفكر في خلق السموات والأرض هو استغراق التفكير في مادة صماء هي العالم القديم، وهو الدراسة الواعية للكون الكبير وما انبث فيه من أحياء، فيقول أن المقصود بــيتفكرون في خلق السموات والأرضيتفكرون في الموجودات من حيث هي صادرة عن حياة الله عز وجل وقدرته وإرادته وعلمه وكلمته وأمره وقضائه وقدره(…) يتفكرون في الخالق عز وجل الذي أنشأ وأبدع وبرى وصور وذرأ وبث الدواب والأحياء في السموات والأرض) 12 .

وكما يقترن التفكر بالذكر الذي هو المعرفة الناطقة يقترن بالصمت الذي هو المعرفة الصامتة، وقد أشار إليها المرشد في فصل التؤدة بــ”علوم الصمت” 13 ، إلا أنه قال بأننا في الواقع الحالي نحن في حاجة إلى علوم الخطاب والبلاغ أكثر من علوم الصمت التي عرفها من قبلنا للواقع الذي فرض عليهم ذلك. وأيضا يشترك التفكر مع التدبر في تعميق النظر وتدقيق الفهم، فالتفكر يعمق النظر ويدقق الفهم في آيات كتاب الله المنظور، بينما التدبر في آيات كتاب الله المسطور.

طالع أيضا  أيها الإنسان!

خاتمة

لا تقف الأهمية التي أعطاها المرشد لقضية التفكر عند كونه من أشرف العبادات وأحد مقامات الإحسان التي يصلح بها المؤمن نفسه حتى تصلح لأن تكون مطمئنة، بل تجاوزت تلك الأهمية لتجعل منه أحد شروط التغيير، يقول: وفي ختام هذا الكتاب أريد بحول الله أن أذَكِّر أن كل تحليل لواقع المسلمين نستعمل فيه الآلات الفكرية المستوردة إنما هو تهييء لعلاج الأمة بالتي كانت هي الداء. وأن كل محاولة تغيير لما بالأمة من شرّ بما تقترحه العقول الفارغة من التفكر في خلق الله ما هي إلا تضييع للأمة) 14 .

وبهذا نصل إلى كون حقيقة الشكر كما تحمل دلالة أنفسية تحمل أيضا دلالة آفاقية.

فاللهم متّعنا بمقام التفكر بتحقيق معانيه الكاملة.

 


[1] انظر علي عزت فيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، عنوان: التعليم والـتأمل، الطبعة الأولى 1994، دار الشروق/ القاهرة.\
[2] عبد السلام ياسين، الإحسان ج2، ص:366، الطبعة الأولى 1998، مطبوعات الأفق/ الدار البيضاء.\
[3] آل عمران: 191.\
[4] أخرجه ابن حبان رحمه الله في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها.\
[5] عبد السلام ياسين، الإحسان ج1، ص: 305.\
[6] الإحسان ج1، ص: 460.\
[7] نفس المرجع، ص: 313.\
[8] انظر الإحسان ج1، ص: 305.\
[9] الإحسان ج1، ص: 308.\
[10] نفس المرجع، ص: 356.\
[11] نفس المرجع، ص: 308.\
[12] نفس المرجع، ص: 306.\
[13] انظر الإحسان ج2، ص: 329 وما بعدها.\
[14] نفس المرجع، ص: 520.\