تمهيد

لقد مثّل الفقه المنهاجي الذي وفق الله عز وجل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله إلى البحث عنه واكتشافه، وأعانه على تدوينه وعرضه نقلة نوعية رائدة في الفكر الإسلامي الحركي المعاصر. كان رحمه الله مواكبا لما يجري حوله رغم حياة الحصار والتضييق التي عاشها من تدافع الحركات وتصارع الأفكار. لهذا كان مهتما بمعالجة قضايا فكرية وفلسفية متنوعة كان لها أثر ملحوظ في الواقع. وكان هدفه الرئيسي وهو في خضم تناول تلك المذاهب بالدرس والنقد إسماع رسالة الإسلام الخالدة، والقيام بواجب الدعوة والتبليغ تجاه المسلمين خاصة والناس عامة. سأحاول بعون الله في هذا المقال والذي يليه أن أركز حديثي عن أهم تلك التيارات الفكرية والقضايا المعرفية التي تصدى لها الأستاذ المرشد رحمه الله مجتهدا في تبيان نظرته، واستجلاء موقفه من خلال الرجوع إلى نصوص مفاتيح مقتبسة من تراث مدرسة المنهاج النبوي المجيد.

1. المنهاج النبوي والانقطاع المعرفي

إذا كان أصحاب الانقطاع الإبستمولوجي المُغَرَّبين من بني جلدتنا يدعون إلى قطع صلاتنا بتراثنا الروحي والفكري واتباعنا لفكر أسيادهم الغربيين، فإن مؤسس مدرسة المنهاج النبوي أستاذنا الفذّ عبد السلام ياسين رحمه الله دعا بقوة وإلحاح إلى “انقطاع معرفي وحضاري” 1 من جهتنا نحن المعتزين بقيمنا وأمتنا. و يزيد الأمر وضوحا بقوله: “انقطاع كلّي ضروري عن تفسخ الآخرين خلقا، وهجانتهم فكرا، وتبعيتهم حسا ومعنى” 2 كما يؤكد أن المنهاج النبوي “يبدأ أيضا بالانقطاع عن موارد الجاهلية فيما يرجع للعقيدة والخلق والذاتية ومنهاج العلم والعمل. ليكون الوحي مصدر فكرنا، وتكليف الله سبحانه وتعالى حافزنا للعمل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رائدنا” 3 إنها إذن دعوة حاسمة للاستمساك بشرعة القرآن ومنهاج النبوة، والانقطاع التام عن غيرهما من أفكار الجاهليين والمفتونين وقوانينهم الوضعية المخالفة للوحيين الكريمين. من هنا تأتي ضرورة معرفة الفقه المنهاجي والسير على هداه في مراحل الدعوة والتغيير والبناء لاستئناف هذه الأمة المرحومة للحياة الإسلامية المباركة.

2. المنهاج النبوي والماركسية اللينينية

إننا نجد في مدرسة المنهاج النبوي وعيا متقدما للقضية الاجتماعية وأهميتها وأسبقيتها في برنامجها التغييري. ففي الشعار القرآني “العدل والإحسان” يظهر بشكل جلي التركيز على قضية العدل واعتبارها مسألة ذات خطور بالغة. يقول الأستاذ المرشد رحمه الله في هذا الصدد: “في المسألة الاجتماعية تكمن أسباب الزيغ والانحراف، في وجود الفقر في جانب والغنى في جانب، في تركب الظلم السياسي على التفاوت الطبقي وتولد هذا من ذاك وفي المسألة الاجتماعية تكمن الغيوم المظلمة التي تلبد سماء النفوس والعقول، فتتعتم الطريق وتتقتم” 4. لقد تناول رحمه الله المادية الجدلية والتحليل الماركسي للتاريخ بالتحليل والنقد، وبيّن تهافتهما، لكنه لم يفته الإنصاف – الذي كان يتحلى به دائما سواء مع الأصدقاء أو الخصوم – في تبيان أن: “الأرض السياسية التي يقف عليها الاشتراكيون أرض صلبة، قاعدتهم العاطفية التي يتضمنها نداء العدل تتجاوب مع الفطرة البشرية” 5 لذلك فإن تحدي الماركسية اللينينية بالنسبة للفكر الإسلامي يكمن في الإلحاح على المسألة الاجتماعية والاهتمام بهموم الجماهير المفقرة المحقرة وحاجاتهم اليومية. من هذا المنطلق يبيّن أستاذنا رحمه الله حاجتنا الماسّة إلى عرض واضح ومفصل “لبرنامج إسلامي في التحرير والعدل” 6 تتبوأ فيه القضية الاجتماعية الصدارة. لنقرأ هذا الارتباط الوثيق بين الحرية والعدل في اجتهاد أستاذنا رحمه الله: “في أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز، في وعي المقهور المحقور لايتضح إلا برهان الحرية،… فمن كان شغل يومه ونهاره هم القوت، والمأوى، والكسب والشغل، والدين، ومرض الأطفال، ومصير الأسرة، لن يستمع لعرض المبادىء العليا ولو كانت دينا يؤمن به، لا وقت له، لا استعداد، لا مناسبة” 7. كما يبرز في فهمه الواسع والحركي لسورة البلد تلازم هذين المطلبين العزيزين- التحرير والعدل- قائلا: “جعل الله الحافز المادي دعامة من دعائم الإيمان، لا اكتمال للإيمان في نشوئه وحركته إلا بها. في مقدمة خطوات اقتحام العقبة فك رقبة، وإطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة: أرأيت هذا الحنو على حالة المقهور والجائع؟ أرأيت التهمم باليوم الشديد والمسبغة الشاغلة؟ هنا في هذه النقطة يحسم الصراع السياسي بيننا وبين الماركسية المادية الشديدة الالتصاق بالهم اليومي للعامل والبائس، بالاقتصاد، بالإنتاج، بالتوزيع، بمعرفة الطبقة المستغلة الظالمة، بالدلالة على الوسيلة الثورية العملية الإجرائية للتخلص من الظالمين” 8. لقد انتقد رحمه الله إغفال الإسلاميين التركيز على مطلب العدل في شموليته، وعدم اهتمامهم بإلحاح على المسألة الاجتماعية في مناهجهم التغييرية قائلا: “… فإن غياب الاهتمام بالمسألة الاجتماعية، أو إهمالها، أو تأخيرها عن موضعها السابق في الخطاب القرآني لا يقل عن أن يكون تحريفا خطيرا. إذا كنا نلح على تنهيج الدعوة، وتنهيج البرنامج الإسلامي، أي إعادة عرضه على نسق الأسبقيات القرآنية (عقبة = فك رقبة، ثم إطعام، أي حرية وعدل) فالمنبه هو هذا الطاغوت المادي الذي لخص الحكمة كلها في إنتاج الغذاء والمسكن والملبس والأحذية والوقود. هذا الطاغوت الذي يتماثل أمامنا خطرا يهدد باستعمار نهائي للعقول والمعاقل وإرثا لطاغوت الاستعمار المباشر فعل فينا فعله” 9 كما استدرك رحمه الله على أصحاب الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة قائلا: “ولا تكاد تجد من تقترن ضرورة تطبيق شرع الله في ذهنه بهذه الضرورة الملحة الأساسية، ضرورة تحرير المجتمع المسلم من الوباءين : الظلم الاجتماعي والظلم السياسي المتلاحمين المتظافرين لا تكاد تجد من يسبق إلى تصوره عند ذكر الشريعة وتطبيقها، حاجتنا الأولى إلى الشورى نستبدل بها الاستبداد، والعدل في القسمة نستبدل به واقع التفاوت المزري في التملك” 10 ومما يجب التنبيه عليه في هذا المقام أن الأستاذ المرشد رحمه الله رغم إلحاحه الشديد على مطلب العدل و ضرورة العمل على تحقيقه، فإنه لا ينبغي أن ننسى المطلب الأهم على الإطلاق ألا وهو الإحسان الذي به يعرف الإنسان ربّه وينال رضاه. إنّ هذه المعادلة الصعبة لا تتحقق بالأماني المعسولة، ولكن لمن توكل على مولاه، وشمّر لسلوك المنهاج النبوي التربوي الذي يعتبر أنفس وأقدس ما في السيرة العطرة على صاحبها أزكى الصلاة وأتم السلام. إ إذن هناك ترابط وثيق وتلازم ضروري بين – همّ الأرض العدل – وهمّ السماء الإحسان- في الخطاب والعلم والعمل المنهاجي، وسعي حثيث لإدماج الإنسان في مجتمع العمران الأخوي المبنيّ على التراحم والتواد والتعاطف.

3. المنهاج النبوي والقومية اللائكية

تتمتع مدرسة المنهاج النبوي بقدرة هائلة على التفاعل الإيجابي مع محيطها الثقافي المحلي والعالمي من حيث قدرتها على التعرّف المعمق على الأفكار المتصارعة، ودراسة المذاهب المتنافسة على استقطاب جماهير الأمة، ونقد الأطروحات المضادة للفكر والحركة الإسلامية. لنستمع إلى الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله وهو يدعو إلى “حسن صحبة” التيارات الفكرية الأخرى عندما يقول: “لا يكتمل عملنا إلا إذا أحسنَّا أيضا، وفي نفس الوقت، وعلى مدى مراحل التغيير الإسلامي، صحبة الدعوات المضادة والمنافسة، المسالمة والمقاتلة. نقابل كلا منها بما يليق، بما شرع الله عز وجل لا بما يستفزه من كوامن انفعالاتنا عنف الآخرين” 11 إن المطلع على التاريخ الغربي يعرف جيدا أن الثقافة اللائكية (العلمانية) تمخضت عن صراع مرير وقتال عنيف بين العلماء الأحرار وسدنة الخرافية النصرانية في أوربا خاصة فرنسا. لقد تلقف المُغرَّبون من مثقفينا أيديولوجية هذه القومية المؤليكة (المعلمنة)، واستنسخوها واستوردوها إلى بلاد المسلمين، وعملوا على نشرها ودعوا إلى أليكة (علمنة) الحياة العامة وتهميش الدين وإقصائه، واعتباره عيبا وعاهة وعائقا عن تحقيق العصرنة والتحديث المرغوبين. من هنا جاء الفقه المنهاجي ليدحض مزاعم المقلدين لأسيادهم الغربيين، وليبيّن أن الفصام النكد – فصل الدين عن شؤون الدنيا – والوصال الأنكد – تحالف علماء القصور مع أنظمة الجور – كان ولا يزال أصل البلاء في تاريخنا. وقد أدى هذا التواطؤ الشنيع إلى فتنة مزمنة عارمة لا نزال نعاني من نتائجها الوخيمة وحصادها المرّ. ومن سعة أفق فكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله دعوته الصادقة للقوميين اللائكيين (العلمانيين) إلى الحوار الهادئ والبحث النزيه، والمراجعة الشجاعة لقناعاتهم الفكرية الخاطئة التي تلبس الإسلام الحقّ لباس النصرانية المحرفة، وتعتبره كهنوتا يتحكم في الدين. يقول رحمه الله في هذا الصدد: “من أجل هذا نطيل النظر في منابع العلمانية وتاريخها، عسى ينصف العقلانيون من أنفسهم فيعالجوا معنا في حوار هادئ هذه “العقدة” العلمانية التي غص بها مثقفوا الغرب وفلاسفتهم فجاء تراجمة الفكر فحولوها إلى هذه الديار، فألبسوا الإسلام لباس الكنيسة، وتخيلوا للإسلام كهنوتا وتحكما في الدين لا وجود لهما. نعم كان لعلماء القصور الأثر الرديء في تاريخنا ولا يزال لهم. وكان لسكوت علمائنا عن السلطان نتائجه السلبية… لكن شتان ما بين التاريخين والوصالين” 12 إن مدرسة المنهاج النبوي تدعو إلى الانتساب إلى الله عز وجل خالق الإنسان، وتحثّ هذا المخلوق العجيب على إحياء الصلة مع الله سبحانه وتعالى والتعارف والتعاون مع بني جنسه على أساس الاحترام المتبادل، كما تحذره من الانتماءات الضيقة والعصبية الجاهلية التي تقطعه عن ربّه، وتمنعه من التآخي والتعاطف مع بقية إخوانه من خلق الله. لهذا فإن أستاذنا رحمه الله يؤكد بشكل واضح أنّ “الإسلام يخالف الجاهلية، منطلقا وأهدافا، شكلا ومضمونا…. الجاهلية عصبية قبل كل شيء، أي تقلص في الوجود من الانتساب إلى اللّه عز وجل إلى الانتساب القومي لا غير، ثم هي نكوص نفسي عن الصدق والثقة باللّه تعالى، ونكوص فكري عن التلقي للحق الموحى به، ونكوص عن أخلاقية السلوك، ونكوص بكل ذلك عن عالمية الدعوة، وعن خلود الرسالة، وعن مواجهة حقائق الآخرة بعد الموت. القومية العلمانية آفاق نكوص وعنف” 13.

خاتمة

أشرت في هذا المقال بإيجاز إلى تفاعل مدرسة المنهاج النبوي مع أبرز التيارات الفكرية المعاصرة دراسة وتحليلا ونقدا، وسعة أفقها في معالجة القضايا الفلسفية، ودعوتها إلى الحوار الهادئ والجاد الذي يهدف إلى معرفة الحق واتباع التي هي أقوم. سأستكمل بقية هذه القضايا في الحلقة القادمة إن شاء الله. 


[1] مقدمات لمستقبل الإسلام ، تطوان، دار الخليج العربي، ط1، 2005م، 18.
[2] نفس المصدر، 24.
[3] نفس المصدر، 24.
[4] عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، بروكسيل ، توزيع دار الإيمان، ط 1، 1987م، 8.
[5] نفس المصدر، 7.
[6] نفس المصدر، 7.
[7] نفس المصدر، 12.
[8] نفس المصدر، 13.
[9] نفس المصدر، 32-33.
[10] نفس المصدر، 118.
[11] عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية، موسوعة سراج الإلكترونية، 1989م، 135.
[12] نفس المصدر، 44.
[13] المصدر، 155-156.