أكثر المصطلحات تعبيرا عن حراك الشعوب العربية الذي انطلق مع الشرارة التي أشعلها البوعزيزي في نفسه سنة 2011م، ما عرف إعلاميا “بالربيع العربي”، أو ما سماه البعض انتفاضات، فورات، رجات، ثورات، حراك… وكل ذلك يندرج تحت مفهوم “الحركات الاجتماعية” الذي ينتمي إلى الجهاز المفاهيمي لعلم اجتماع الحركات الاجتماعية. وهو ما “يؤكده الهدف العام لهذه الاحتجاجات الذي تركز على التغيير سواء تعلق الأمر بتغيير النظام الحاكم أو تغيير الحكومة وإسقاطها، أو تغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية”.

كيف يمكن قراءة هذا “الربيع العربي” في نسخته المغربية (حركة 20 فبراير)؟ وفي أي إطار؟ وما الذي أعطاه أهمية بارزة حتى جعلها في صلب ممارسة عملية التواصل السياسي بما هو “فعل عقلاني هادف ذو مضمون سياسي بخلفية سياسية وموجه لفاعلين سياسيين سواء داخل السلطة أو الرأي العام”؟ وأي رسائل يحمل يسعى إلى تعميمها، “بما فيها استثمار الفضاء العمومي بحثا عن شرعية المكان وضمانا لمشاركة الجماهير، أو للحصول على مصداقية المطالب بما يشكل الضغط الكافي على السلطة السياسية للتجاوب معها”؟

الفضاء العمومي وفر جزءا من الشروط المادية التي فرضتها الاحتجاجات من حيث تبادل الرأي وتطارح الأفكار والتصورات حول القضايا الملحة، ومثل أرضية ميدانية برز فيها كل فريق من الفرقاء السياسيين بخطابه السياسي على المستوى الواقعي المباشر وعلى مستوى الوسائط الاتصالية والإعلامية.

في سياق ذكرى انطلاق هذا “الربيع” الذي اجتاح الدول العربية عموما والمغرب خصوصا، جاء كتاب “الخطاب السياسي والفضاء العمومي في زمنية الاحتجاج” لمؤلفه الباحث الأستاذ منير الجوري، بمناسبة الذكرى السابعة لانطلاق حراك 20 فبراير الذي أسال “مداد مختلف المتتبعين بالتحليل ومحاولات التفسير، واختلفت إيقاعاتهم بين التأمل الانتظاري وبين الغوص وملاحقة الأحداث المتسارعة هنا وهناك”.

وعلى الرغم من أهمية العديد من الدراسات التي تناولت الاحتجاجات في المغرب، خاصة حراك 20 فبراير، لم تحض المقاربة التواصلية بما تستحق من دراسة وتحليل، سواء أتعلق الأمر بالأشكال أم بالمضامين على ما يمكن أن يمنحه التواصل السياسي من تفسيرات للظاهرة الاحتجاجية، خاصة أمام التطور الملموس الذي يعرفه مفهوم الفضاء العمومي في المجتمع المغربي، وأمام الحضور القوي والمتطور لوسائل الاتصال الحديثة بين الأفراد والجماعات. ولهذا طرح الكاتب وكمساهمة منه في تجاوز هذا النقص الحاصل “معالجة لإشكالية تحديد سياقات الاحتجاج ودراسة أنماط وآليات التواصل والخطاب السياسيين في الفضاء العمومي المغربي خلال زمنية احتجاج حركة 20 فبراير بالمغرب”، وسعى إلى استدعاء “كل ما يتعلق بتبادل الخطاب السياسي بين مختلف الفاعلين السياسيين عبر ما يتيحه الفضاء العمومي سواء على المستوى الواقعي المباشر، أو على مستوى الوسائط الاتصالية والإعلامية”.

تناول المؤلف الفضاء العمومي بما هو نسق للفعل التواصلي، فأكد أن التصور الديمقراطي القائم على الفعل التواصلي يشترط “القبول بمبادئ المساواة والاستقلالية بوصفها مبادئ مؤسسة للمجتمع الديمقراطي”، مستدركا أنه “إذا كان التوافق يتيح قيم الاندماج والاستقرار بين مكونات الجماعة، فإن ذلك لا يعني التسليم بأن التراضي شرط لشرعية الجماعة أو شرط لوجودها”، وأضاف أنه، بسبب اختلال التكافؤ في علاقات القوة في أي وضعية للنقاش بما فيها ذات الطابع الإجرائي والمنظمة معياريا داخل المؤسسات الرسمية أو عبر التدخل التحكيمي، على سبيل المثال، “يتعذر تحقيق توازن أخلاقي في التواصل السياسي في السياق المغربي”، وخلص إلى أنه “من الوارد جدا أن نجد غايات أخرى للفعل التواصلي غير التفاهم البيني، ذلك أن استراتيجيات التواصل السياسي تقوم في جزء كبير منها على شرعنة وجود ودور فاعل سياسي ما على حساب إضعاف فاعلين آخرين بشكل أو بآخر”.

وعند حديث المؤلف عن بيئة الاحتجاج، سياقه والفاعلين فيه، اعتبر أن ربط ظهور حركة 20 فبراير بشكل حصري بالثورتين التونسية والمصرية اللتين انطلقتا نهاية 2010 وبداية 2011، وبالنشاط المتزايد للشباب المغربي على شبكات التواصل الاجتماعي، فيه “الكثير من المجازفة” على اعتبار أن الدور الحاسم في اندلاع شرارة الاحتجاجات في المغرب هو “وجود بيئة سياسية واجتماعية مهيأة لاستنبات حركة احتجاجية، وشروط موضوعية مساعدة على تقويتها وتنميتها”. واستعرض سياقات حراك 20 فبراير العامة والتاريخية والسياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، ثم كرونولوجيا الحراك وإرهاصات ولادته وتأسيسه وما عرفه من مسيرات ضخمة ورهانات كبيرة. كما تناول استفتاء 1 يوليوز 2011 وما واكبه وما انبنى عليه بعد ذلك من عملية سياسية مثلت “حزمة سياسية” ركبها النظام للإفلات بعيدا عن عواصف الاحتجاجات التي عصفت في بلدان أخرى برؤوس أنظمتها السياسية.

وعرج تحليل الباحث على القوى الفاعلة في زمنية الاحتجاج من سلطة حاكمة وعلى رأسها المؤسسة الملكية ومنظمات وأحزاب ونقابات وهيئات حقوقية وتنظيمات ذات نشاط سياسي ومجتمع مدني وشباب الحركة الذين “لم يكتفوا بحمل مطالب اجتماعية تهم واقعهم وقضاياهم بشكل حصري، بل احتوت مطالبهم ذلك كله وتجاوزته لتعبر عن حاجات سياسية وحقوقية تهم كل المغاربة، وذلك ما عبر عنه شعار الحركة؛ حرية، كرامة، عدالة اجتماعية. وحسب دراسة لابن أحمد حوكا حول شباب الحركة”. كما وقف على أشكال التواصل السياسي وعلى أسلوب ومظاهر توظيف الفضاء العمومي خلال حراك 20 فبراير بما هو نموذج للاستعمال العمومي للعقل في المغرب في زمنية الاحتجاج السياسي والصراع السياسي، فلاحظ أن التطور الذي شهده الإعلام الحديث أثر تأثيرا بالغا بما وفره وأتاحه من إمكانيات واسعة لصناعة استراتيجيات تواصلية “من خارج آليات الضبط والتوجيه الرسميين”، فساهم بسبب ذلك في “تكافؤ نسبي” في الفرص المتاحة بين مختلف الفاعلين من حيث “امتلاك آليات التواصل” من غير أن يقود ذلك إلى التحرر الكامل من قوة السلطة الحاكمة التي سعت إلى الحفاظ على التوازنات المطلوبة للاستمرار.

وقاد البحث الأستاذ الجوري إلى الحديث عن الفضاء العمومي والفعل الاحتجاجي: “احتجاج الشوارع” و“الاحتجاج الافتراضي”… وعن معارك الخطاب السياسي بين معسكريه الأساسيين: “معسكر الاحتجاج” و“معسكر السلطة”، ثم عن “مخرجات الاحتجاج”، حسب “المطالب المعلنة”، وعن “المخرجات السياسية والحقوقية”، وعن “المخرجات الاجتماعية والاقتصادية”، مستخلصا أن منطق الحركة بإسقاط “مؤسسات الوساطة والحكومة والبرلمان” أعاد إلى الواجهة “مسؤولية المجتمع في تمثيل ذاته واسترجاع الثقة”، وهذا ما مثلته في نظره الجماهير الشعبية التي خرجت يوم 20 فبراير محاولة “خلق صورة تواصلية أعادت ترتيب المشهد السياسي بشكل مختلف عن المعتاد”. لكنه استدرك بأن “حجم التعاطي الشعبي مع مسيرات الحركة يعيد سؤال السياسي والمجتمعي إلى مربعه الأول”، متسائلا: “هل فعلا استطاعت حركة 20 فبراير أن تصالح المجتمع مع السياسة؟ وما هي تجليات وحدود هذه المصالحة؟ فعلية، تصورية أم انتظارية. وهل كانت بلاغة السلطة وخطاب الاحتجاج وتواصل منظمات الوساطة في مستوى بناء خيار ديمقراطي للتواصل السياسي في نسق مكتمل للفضاء العمومي؟ بأي محددات أخلاقية؟”.