تقديــم:

تشكل الذاكرة بكل أبعداها، السياسية والاجتماعية والحقوقية، أهم مرتكزات الوعي الجمعي، لما تمثله من شواهد تاريخية، توثيقا للحقيقة وتحصينا لها من كل محاولات الطمس والتزييف والتبخيس والتحريف والتغييب المقصود لبعض الأحداث أو الاحتكار الحصري لحقيقة الوقائع وروايتها حسب المقاس عبر مؤسسات قبر الحقيقة من إعلام وثقافة وتأريخ.

نحاول في هذه اليوميات المرتجلة الوقوف على بعض المحطات التأسيسية من ذاكرة حركة 20 فبراير، باعتبارها منعطفا تاريخيا مهما من منعطفات الاحتجاج الديمقراطي المغربي، بما راكمته من تجارب عملية وزخم نضالي غير مسبوق بالنظر لمدته ووحدويته ومكاسبه. 1

في البدء كان العمل الافتراضي:

يوم 13 فبراير 2011 كانت الانطلاقة الفعلية للتحضير الإعلامي والميداني لحدث 20 فبراير بالمغرب، حيث بادر شباب الوطن لإعادة تفعيل وتنشيط حسابات الفيسبوك أو إنشاء حسابات جديدة، لم يكن متوقعا أن يصير هذا العالم الافتراضي أداة مهمة من أدوات التعبئة والتواصل النضالي، انخرطنا في العديد من المجموعات الفيسبوكية المغلقة التي تجمع مختلف أطياف الشباب بأسماء معروفة وأخرى مستعارة، في حين قررت شبيبة العدل والإحسان التفاعل بوجوه وأسماء مكشوفة في مجموعات تتداول مستقبل التغيير الديمقراطي وسبل إسقاط الفساد والاستبداد، وتناقش الأرضيات التأسيسية للحركة، أهدافها، مطالبها وشعاراتها.

 كنا نعيش نقاشات ليلية لا تنتهي، مفعمة بحب الوطن متطلعة لمستقبل تغيير حقيقي رغم حملات التخوين والتهديد المخزني وكليشيهات التصنيف الإديولوجي، فكيف يعقل أن يلتقي ويتحاور “الرفاقجية” مع “لخوانجية”؟!!

من النقاش الافتراضي إلى العمل الميداني:

بعد نقاشات وسجالات العالم الافتراضي المفعمة بروح التغيير المنشود، وبعد اللقاءات الداخلية لمختلف هيئات وفعاليات الوطن لتحديد الموقع والموقف من دعوات الخروج للتظاهر يوم 20 فبراير 2011، تعالت أصوات معادية لنشطاء الحركة متهمة لهم ب”الملاحدة وكالين رمضان” و”العدميين الخرافيين” و”الطبالة والغياطة” و”الانفصاليين” و”دعاة الفتنة” ومختلف نعوت الخيانة…

ورشحت مواقف مساندة لنداءات الاحتجاج، كان حينها قرار جماعة العدل والإحسان وغيرها من التنظيمات المعارضة لسياسة النظام المغربي، مبدئيا محسوما بالمشاركة في أي احتجاج سلمي يطالب بكرامة الشعب المغربي والعمل الميداني المشترك إلى جانب كل فضلاء الوطن، ولم يكن مطروحا أي مشكل في الموقف والموقع نظرا للسقف السياسي الواضح لتنظيمنا المعارض الذي يتماشى مع شعار ومطلب الحركة المتمثل في إسقاط الفساد والاستبداد، فكانت آراؤنا ومواقفنا واضحة تتجاوز المنطقة الرمادية التي سجنت فيها مواقف البعض…

أسبوع قبل اليوم المشهود، بدأت الجموعات العامة التحضيرية لانطلاق حراك 20 فبراير تتشكل في العديد من مناطق المغرب، بمشاركة شباب وشابات من مختلف التوجهات، يساريين إسلاميين، مستقلين… جموعات عامة ولجان تنسيقية تنعقد مساء ولا تنتهي إلا في وقت متأخر من الليل، عشرات المداخلات، المفيدة، المعقبة، المتفاعلة، الانفعالية الصدامية، المتوجسة، المفرملة، التعويمية، التأزيمية، الإقصائية، التوافقية… طبيعي أن يحصل كل ذلك الاختلاف والخلاف بين شباب عايش عداء تاريخيا أغلبه مصطنع بين مكونات الوطن الواحد، وليس من السهل تجاوز ذلك في جموعات أولية مفتوحة يحضرها المناضل الشريف وهدفه بناء مستقبل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والاسترزاقي العميل الذي ينفخ في نار التطاحن والانقسام ضمانا لاستمرارية مشروع الاستبداد.

ليلة الإعداد لميلاد حركة 20 فبراير:

يوم 19 فبراير 2011، كان يوما استثنائيا، فقد بدأ العد العكسي لحدث 20 فبراير التاريخي، منذ صباح ذلك اليوم تفاعلت النقاشات في مجموعات الفيسبوك وفي لجان التنسيق وفي الجموعات العامة عن الشعارات التي سترفع، عن الجانب التنظيمي، عن سيناريوهات التعامل المخزني، القمع، الاعتقال، الاستشهاد… وفي ذاكرة الشباب والشابات تحضر المشاهد الدموية لتعامل النظام المخزني مع الانتفاضات التاريخية للشعب المغربي.

استمرت جموعات الترتيب لمسيرات 20 فبراير إلى منتصف الليل في مختلف مدن المغرب، بروح وحدوية شبابية رفاقية أخوية مستعدة للتضحية من أجل مغرب آخر ممكن، اتفق الجميع على الخروج يوم غد الأحد 20 فبراير 2011، وتعاهدوا على السلمية والصمود ورفع شعار “حرية.. كرامة.. عدالة اجتماعية”.

20 فبراير ميلاد لحياة كرامة جديدة:

بعد ليلة عزائم عالية وإرادات شامخة متطلعة لغد التغيير ورغم كل رسائل التهديد والتخويف المخزني الإعلامي، خرجت جماهير الشعب المغربي صباح يوم 20 فبراير 2011 في العديد من مدن المغرب في مسيرات عفوية حاشدة سلاحها السلمية التي حرص عليها الجميع، جسدتها صور سلسلات الشباب والشبات وهم يحمون منشآت الوطن، مشاهد سلمية حضارية عكست معاني النبل والشرف والوطنية الحقيقية، وأظهرت المعدن الأصيل للشعب المغربي الذي لم يفقد حبه لوطنه رغم قساوة عقود من الاستبداد والفساد.

إشراقة يوم نضالي وحدوي متفرد، ارتسم طقسه المعتدل منذ الفجر بنسيمه وشمسه الدافئة، يبدو وكأنه متضامن هو الآخر مع آلاف المحتجين بمختلف فئاتهم الذين قطعوا الكيلومترات، تجاوزت في بعض المدن 10 كلم مشيا على الأقدام بحناجر قوية عوضت مكبرات الصوت القليلة.

كان ذلك اليوم ميلادا لحياة كرامة جديدة بإسقاط هاجس الخوف وإعادة الاعتبار لقيم وثقافة الاحتجاج السلمي المطالب بالحقوق، وانتصر فيه العمل المشترك وأمل التغيير على خنادق التفرقة المخزنية.

وحين عجز النظام المغربي المخزني عن إيقاف مد الحركة بترسانته القمعية التي خلفت العديد من الشهداء والمعتقلين والجرحى في الشهور الأولى من الحراك، حاول بإيعاز وإسناد وإملاءات غرفة عمليات الاستكبار العالمي أن يعيد عجلة مسار التغيير للوراء، بعدما نفذ عملية الالتفاف والتمويه والمناورة بدستوره الممنوح، وألعوباته الانتخابية المطبوخة، التي لم تصمد أمام وقائع الاحتقان الاجتماعي اليومي واشتداد الأزمة على جميع المستويات.

واستحال بعدها شعار وهم “الإصلاح في ظل الاستقرار” الذي طبل له المخزن ومن دار في فلكه إلى واقع “الاستمرار في ظل الاستبداد” الذي نبهت له صرخات الأحرار.

وبقي شعار الشعب: “فين وصل نضال شعبنا .. هاهو غادي كيتنما” خالدا، تجلياته اليوم أكثر قوة.

خاتمة:

لا يتنكر لحركة 20 فبراير ولدماء شهدائها وتضحيات معتقليها وآهات كل مناضليها الشرفاء ومناضلاتها الشريفات إلا كل انتهازي يتاجر بنضال وتضحيات الشعب المغربي. فالتاريخ يحفظ الحقائق، يرصع بذهب مواقف الأحرار الشرفاء، ويسطر بخزي تحت مواقف المتاجرين الانتهازيين.

فتحية المجد والخلود لشهداء حركة 20 فبراير رحمهم الله تعالى.

وكل التقدير والاحترام لأحرار وحرائر الشعب المغربي، من جمعتنا بهم ساحات النضال المشترك، نسجت خلاله علاقات إنسانية راقية بددت العديد من الأحكام المسبقة وأثبتت أنه لابد من يوم تجتمع فيه إرادات الشرفاء الصادقين لكنس الاستبداد وبناء وطن يسع الجميع، وطن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وعاشت نضالات الشعب المغربي من أجل الكرامة وكل 20 فبراير وأنتم أحرار.

————————————————————————————————————————-

 


[1] ما تم ذكره من معطيات يشكل النزر القليل من التراكم النضالي غير المسبوق لحركة 20 فبراير في غياب تأريخ علمي شامل.