يعد الفقر آفة من أخطر الآفات فتكا بكرامة الإنسان، ولشدة فظاعته وخطورة تداعياته قال الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مقولته الشهيرة: “لو كان الفقر رجلا لقتلته”؛ فالفقر يحرم الإنسان من أبسط حقوقه في الحياة، ويدفعه إلى سلوك مجتمعي مرفوض.

في المغرب يعيش أكثر من خمسة ملايين مواطن بأقل من 550 درهما في الشهر، ومليونا مغربي يعيشون بأقل من 300 درهما في الشهر، بحسب تقرير سابق للمكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وتؤكد الإحصاءات أن معدل الفقر يزداد كل سنة، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على فشل المخططات التنموية، واحتكار الثروة في أيدي أشخاص معدودين، وتفشي الفساد.

يساهم هذا الارتفاع المضطرد للفقر في المغرب في بروز ظواهر مجتمعية خطيرة تزيد تقهر الشعب وتزيد في هموم المواطن، في هذا التقرير نذكر بعضا من هذه الظواهر:

الهــجرة

يعد المغرب من أكثر الدول في العالم يهاجر مواطنوه إلى الخارج بحثا عن فرص للعيش الكريم. ففي تقارير دولية مختلفة تصنف الجالية المغربية من ضمن أكبر الجاليات في أوربا وأمريكا الشمالية، ودول الخليج، بالإضافة إلى تفرق المغاربة على أغلب دول العالم من القارات الخمس.

ظاهرة الهجرة “القسرية” لها أبعاد متعددة، وفي الحالة المغربية يميزها بعد واحد وهو الفقر ومشتقاته المتمثلة في التهميش والحكرة والإقصاء.

منذ عقود يهاجر المغاربة نحو بلاد الغرب عبر طرق سرية مختلفة، فمنهم من اختار ركوب قوارب الموت ومصارعة الأمواج للعبور إلى الضفة الأخرى، ومنهم من اختار مكانا ضيقا بين البضائع التي تحملها الشاحنات التجارية الكبرى، آخرون اختاروا عقود العمل غير المضمونة مقابل مبالغ طائلة… وغيرها من الوسائل التي تتعدد بتعدد هموم العيش.

الإجــرام

“أصبحنا نعيش في كولومبيا” هي عبارة شهيرة صار حديث العامة، وهي استعارة يستخدمها المغربي لشهرة كولومبيا عالميا بانتشار الجرائم، حيث لم يعد يستشعر الأمان كلما غادر بيته.

يتقدم المغرب سنة بعد الأخرى في معدل الجريمة على مستوى العالمي، ففي دراسة دولية شملت 125 دولة عبر العالم صدرت السنة الماضية، احتل المغرب المرتبة 43 عالميا في تصنيف صادر عن مؤشر “نوامبيو” المتخصص في الإحصائيات والاستطلاعات، والرتبة السادسة على المستوى العربي.

لم يعد المغاربة اليوم يشعرون بالأمن وهم يتنقلون لقضاء حوائجهم خاصة داخل جغرافية الأحياء الشعبية، بل باتت بعض الأحياء الشعبية الفقيرة معروفة بإنتاج الإجرام، نظرا للحجم الجرائم التي تقع داخلها، أو انتساب المجرمين لها.

ولأن الظاهرة أضحت مستفحلة بشكل خطير أطلق نشطاء على الفايسبوك هاشتاغ #زيرو_كريساج، وهي دعوة للأجهزة لحماية المواطن من المجرمين الجائلين بين الأزقة والشوارع باحثين عن ضحايا. وتنتشر كل يوم على مواقع التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تعكس الارتفاع الخطير للجرائم، وتعلو معها أصوات المواطنين المستنكرين لهذا الواقع اليومي غير الآمن.

أينما حل الفقر يحل معه الإجرام، ظاهرتان متلازمتان تنخفضان وترتفعان معا، فالمجرم هو شخص فقير يدفعه هذا الوضع الاجتماعي إلى تعاطي المخدرات وتدفعه غريزة انتقامية من واقعه إلى ارتكاب جرائم في حق أشخاص أبرياء. والخلاصة أن المجرم والضحية هم ضحية نظام فاسد مستبد ينشر الفقر ويستفرد بالثروة.

التــسول

لا عجب أن يوصف المغرب من طرف أبنائه أو من زاروه بـ”دولة المليون متسول”، فقبل عشر سنوات كشفت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن بأن نسبة التسول في المغرب تزداد كل سنة بـ14%، وأحصت حينها حوالي نصف مليون متسول بالمغرب، واليوم لا شك في أننا بلغنا اليوم المليون متسول، خاصة أن نسبة 14 غير ثابتة.

التسول ظاهرة فرضت ذاتها بشكل قوي في مختلف المدن كبيرة كانت أو صغيرة، بين الشوارع والأزقة، أمام المساجد والمحلات التجارية، وعند ملتقيات الطرق، وفي المقابر، متسولون متسكعون في كل مكان.

من الصعب جدا أن يمد إنسان يمتلك ولو ذرة كرامة يده لأخيه لو لم تكويه الحاجة، كرامة لم يهدرها ذل السؤال، بقدر ما أهدرتها سياسة تفقيرية، نالت من حقوق المواطن من العيش الكريم الذي يغنيه عن قصد العامة متوسلا أن يتكرموا عليه بدرهم لا يغني من جوع.

الاحتجاجات الاجتماعية

يشهد المغرب منذ الموت المأساوي للشاب محسن فكري أكبر موجة احتاجاجات بعد سنة 2011، موت تاجر بسيط أجج احتجاجات تاريخية في منطقة الريف، غضب شعبي انتفض ضد الظلم والفقر الجاثمين على تفاصيل حياتهم.

من الريف انطلقت الشرارة لتتوزع على المدن والقرى والمداشر، حتى صرنا نعرف مختلف مناطق البلاد لكثرة الاحتجاجات، كما تأسست تنسيقيات احتجاجية في مدن من الشمال إلى الجنوب، تنظم مظاهرات ذات طابع اجتماعي بين الحين والآخر منددة بالأزمة الآخذة في التوسع.

فرغم القمع الذي تقابل بها الاحتجاجات ذات الطابع السلمي، يخرج المواطن ليعبر عن حجم معاناته بسبب الإقصاء والتهميش، مغاربة يخرجون نساء ورجالا، كبيرهم وصغيرهم رافعين صوتهم مطالبين بتحسين الوضع الاجتماعي، والإنهاء مع الفقر الذي استبد بهم ونغص عيشهم.

إن الدولة التي تكثر فيها الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي، دولة يختل فيها التوزان المعيشي، وينتشر فيها الفاسدون والمستبدون، دولة تغتني فيها قلة قليلة على حساب الشعب، فئة تستحوذ على الثروة وترمي بالفتات إلى المواطنين.