لم يعد يقصد بالفقر ذلك المفهوم الاقتصادي الضيق الذي يرتكز على المقدرة المالية للأفراد والأسر، بل أصبح مفهومه متعدد الدلالات والأبعاد، حيث عرفته الأمم المتحدة على أنه، ظرف إنساني يتسم بالحرمان المستدام أو المزمن، من الموارد والمقدرات والخيرات والأمن والقوة الضرورية، للتمتع بمستوى لائق للحياة وغيرها من الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وللحد من ظاهرة الفقر نصت الأمم المتحدة في المادة 25 من إعلانها العالمي لحقوق الإنسان على أنه، “لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وعلى صعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يؤمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه”.

إلا أنه برجوعنا إلى آخر التقارير الأممية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي نجده يصنف المغرب بناء على مؤشر التنمية في ذيلية المراتب، حيث احتل المرتبة 123 من أصل 188 دولة شملها التصنيف.

ولعل ما يؤكد هذه التقارير الدولية هو تنامي الحراك الاجتماعي والاحتجاجي بالمغرب خلال سبع سنوات الأخيرة التي انطلقت مع حراك 20 فبراير سنة 2011، واستمرت في موجة ثانية مع حراك الريف، زاكورة، جرادة… وغيرها من المدن والأرياف التي تعاني من الفقر والبطالة والجوع والعطش.

هذا الوضع المتردي جعل الدولة تخالف وتناقض ما التزمت به اتجاه مواطنيها في الفصل 31 من دستور 2011 الذي ينص: “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة من الحق في العلاج والعناية الصحية، الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة، الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، التنشئة على التشبث بالهوية المغربية والثوابت الوطنية الراسخة، التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية، السكن اللائق، الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أوفي التشغيل الذاتي، ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق، الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة، التنمية المستدامة”.

وبرجوعنا إلى لغة الأرقام الرسمية نجد أن كل ما تعهدت به الدولة في الفصل أعلاه لم تلتزم به، حيث ما زال 650 ألف طفل بدون مقعد في المدرسة، بل غادر هذه المدرسة لأسباب اجتماعية 218 ألفا و141 تلميذ، ليحتل المغرب حسب مؤشر التعليم، المركز 101 عالميا من بين 140 دولة، حسب تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2017، وهذا يخالف أيضا الفقرة ما قبل الأخيرة من الفصل 32 من الدستور المغربي الذي ينص على أن “التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة”.

أما بخصوص قطاع الصحة فحسب تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في ماي 2017 فإن المغرب يخصص 14.9 إطارا طبيا لكل مائة ألف مواطن مغربي محتلا بذلك المركز 16 عربيا وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت مثلا ب 218 طبيبا في النرويج أو حتى 90 طبيبا في ليبيا.

كما أبرز نفس التقرير أعلاه أن المغرب يخصص لقطاع الصحة حوالي 6 ٪ فقط من ميزانيته العامة، وهي نسبة لا تصل حتى إلى النسبة المقررة من قبل منظمة الصحة العالمية، أي 9 ٪.

وإذا كان الفصل 31 من الدستور المغربي يتحدث عن ولوج الوظيفة العمومية حسب الاستحقاق، فقد قامت الدولة خلال سنة 2017 بشن حملة إعفاءات ظالمة طالت أزيد من 150 موظفا موزعين على عدد من القطاعات الحكومية بسبب انتمائهم السياسي أو نشاطهم النقابي، كما عمدت إلى ترسيب العشرات من الأساتذة المتدربين والمئات من الاساتذة المتعاقدين، ناهيك عن انتهاج الدولة لسياسة تجميد الأجور والرفع من الاسعار وضرب القدرات الشرائية للمواطنين والتخلص من الخدمات الأساسية وتقليص الغلاف المالي المرصودة للوظيفة العمومية واعتماد التوظيف بموجب عقود محددة المدة.

وعلى الرغم من كون الفقرة الأخيرة من الفصل 31 من دستور 2011 تتحدث عن حق المواطنين المغاربة من الحصول على الماء فإن مأساة ساكنة مدينة زاكورة تعري الحقيقة البشعة لهذا المقتضى الدستوري بحيث ما زال المغاربة يناضلون من أجل قطرات ماء ليروون به عطشهم، فكان مصير متزعمي تلك الاحتجاجات 20 شهرا حبسا لمشاركتهم في مسيرة العطش.

أما عن الجوع فيكفي أن نورد مأساة 15 امرأة مغربية لقين حتفهن، بينما أصيب خمس أخريات بإصابات متفاوتة الخطورة خلال ماي من السنة المنصرمة، على إثر تدافع للألاف أثناء عملية توزيع مساعدات غذائية نظمتها جمعية محلية بالسوق الأسبوعي لجماعة سيدي بولعلام التي تبعد بنحو60 كلم شمال شرق مدينة الصويرة غربي المغرب، مما يجعل الدولة تتناقض مع مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 35 من الدستور التي تنص على أن: “الدولة تسهر على ضمان تكافؤ الفرص للجميع والرعاية الخاصة للفئات الاجتماعية الأقل حظا”، كذلك يخالف مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 42 من ذات الدستور التي تنص على أنه: “يحدث أيضا صندوق للتضامن بين الجهات، بهدف التوزيع المتكافئ للموارد، قصد التقليص من التفاوتات بينها”.

أمام كل هذه المعطيات لا نملك للأسف إلا أن نعلن عن خلاصة مفادها أن المغرب يوجد في مفترق الطرق، وأن ظاهرة الفقر والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تنخر كل مؤسساته وقطاعاته الحيوية، مما يتنافى مع أهم وأولى المبادئ الأساسية التي دبج بها دستور 2011 والتي تقول: بأن “المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديموقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل إقامة مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”.