صورة أخرى من صور البؤس الذي تعيشه الدولة، عندما تلفظ أبناءها النجباء. نخبة ممن قضوا حياتهم يطلبون العلم وهم يمنون النفس بيوم يحصلون فيه على شهادات عليا، وكلهم رجاء أن يساهموا في بناء بلدهم وإخراجها من نفق الانسداد، وأن يصنعوا مستقبلا قارا لهم ولذويهم يخرجهم من عناء الفاقة والسؤال الذي عاشوه طيلة حياتهم الدراسية إلى رحابة العمل الكريم. ثم تنكسر أحلامهم على صخرة دولةٍ “باك صاحبي” قاعدتها الغالبة في التوظيف.

عبد الوهاب زيدون، إطار تخرج من جامعة فاس بعد حصوله على ماستر القضاء والتوثيق، ليجد نفسه بعد سنوات طوال عجاف معطلا مع قدرات علمية عالية وهمة سامقة. ولأنه يؤمن بأن الحق يؤخذ ولا يعطى قرر الخروج مع أقرانه، الذين طالهم نفس الحيف في دولة لم تنجح سياساتها الرسمية في ملاءمة التعليم مع الشغل ولا في استيعاب خريجيها والاستفادة من تكوينهم والاعتماد على سواعدهم الفتية في بناء دولة التنمية الحقيقية، يناضلون من أجل الظفر بحق أصيل من حقوقهم. يتعرض زيدون مع بعض زملائه إلى الإقصاء من محضر 20 يوليوز 2011 بدون الاستناد إلى أي أساس قانوني غير أساس الظلم والإقصاء والتهميش الذي يطال شرائح عديدة من المجتمع المغربي خاصة من يغرد خارج سرب المخزن.

قررت الفئة المتضررة من الأطر الشابة تأسيس إطار قانوني “مجموعة الأطر العليا المقصية من محضر 20 يوليوز 2011″، وخوض أشكال نضالية بهدف انتزاع حق الإدماج الفوري والمباشر في أسلاك الوظيفة العمومية، وهي المعركة التي كان من نتائجها تدخل السلطات المعنية بالملف التي أكدت إمكانية إلحاق أعضاء المجموعة بالأطر العليا المستفيدة من محضر 20 يوليوز 2011، إلا أنه وبعد الحوارات المتكررة بين المكتب المسير للمجموعة من جهة والجهات المكلفة بتشغيل الأطر العليا المعطلة من جهة ثانية، تبين بالملموس استمرار التسويف والمماطلة في التعامل مع مطلب الإدماج في الوظيفة العمومية.

انخرط أطر المجموعة المقصية في سلسلة نضالات اتخذت شكل مبادرات تمثلت في الاتصال بمجموعة من الهيئات الحقوقية سواء منها الرسمية أو غير الرسمية التي ساندت ملفها. وبالموازاة مع ذلك أقدم الأعضاء المنضوون تحت لواء مجموعة الأطر 2011 المقصية على خوض أشكال احتجاجية ميدانية للتحسيس بحجم الحيف والظلم الممارس عليهم، وهي الاحتجاجات التي واجهتها السلطات بسلسلة من التدخلات العنيفة التي خلفت العديد من الإصابات المتفاوتة.

قرر أطر المجموعة خوض اعتصام داخل مقر ملحقة وزارة التربية الوطنية بحي الليمون بالرباط، وهو الاعتصام الذي جوبه بتطويق أمني رافقه منع وصول المواد الغذائية والأدوية إلى الأطر المقصية المعتصمة بمقر الملحقة منذ يوم 5 يناير 2011 مما أدى إلى تدهور الوضع الإنساني من داخل المعتصم.

وللضغط في محاولة لاستعادة ما تم حجزه من مواد غذائية وأدوية عجز المتضامنون من المجموعات الأخرى للأطر العليا المعطلة ومجموعات المجازين عن إيصالها للأطر المعتصمة، قام ثلاثة أطر بصب البنزين على أجسادهم وهم: محمود الهواس وعبد الوهاب زيدون وعمر عكاوي، يوم 18 يناير 2012، غير أن السلطات الأمنية ردت بعنف، مما استفز الإطار المناضل محمود الهواس الذي قام بإضرام النار في جسده قبل أن تنتقل النيران إلى زميله عبد الوهاب زيدون الذي حاول إنقاذه غافلا عن أنه قد صب بدوره البنزين على جسده.

ويتماطل رجال الأمن والإطفاء في إنقاذ من تأكل النيران أجسادهم في مشهد يؤكد أن أرواح المغاربة من غير “الأعيان” رخيصة، وأن كل من سولت له نفسه الاعتراض على قرار رسمي سينال نفس المصير. وينقل المحروقون إلى المستشفى بعد أن أكلت النار لحومهم وبلغت حروقهم الدرجة الثالثة، ليتم الإعلان يوم 24 يناير 2012 عن وفاة الإطار عبد الوهاب زيدون.

عبد الوهاب زيدون، شعلة من العطاء والبذل والتفاني في خدمة الناس، همة عالية متفانية في خدمة رسالة الرحمة للأصدقاء والغرباء، القريب والبعيد من أبناء شعبه، انطفأت بسبب فشل الدولة في احتواء أطرها وبسبب غل الانتقام من كل من يغرد خارج سرب المخزن أن كفى من الذل والمهانة واحتكار الأموال والمناصب والتحكم في رقاب الناس بما لا يرضي الله.

وددنا لو أن المعنيين بالأمر فكروا يوما في إحصاء عدد أبناء أصحاب الحظوة، الحاصلين على شهادات عليا أو مَن دونهم أو من لم يحصل أصلا على شهادة تؤهله لولوج سوق الشغل بكفاءة، مقارنة بعدد أبناء الشعب الذين تفوقوا في اجتياز اختباراتهم ولم يستطيعوا ولوج سوق الشغل في دولة لا تعتبر معيار الكفاءة كاف للتشغيل. مع أننا لسنا في حاجة إلى هذا الإحصاء إذ “الخبر ما ترى لا ما تسمع”.

رحمة الله عليك عبد الوهاب زيدون، وتقبلك الله في الشهداء الأبرار، وأسكنك من الجنة مكانا عليا، وآنسك بقربه، وربط على قلب أهلك وذويك ومحبيك، وكل من استشهد في هذا البلد الحبيب بحثا عن كرامة ولقمة عيش وحق ضائع. ولك الله يا وطني إلى حين يولى أمورك خيارنا.