قد تكتسي مسألة الفقر في مفهومها العام، صبغة ذات دلالة اجتماعية، أنثروبولوجية، سوسيومجالية.. الخ، بما يمكن أن تؤثر به هذه المجالات بتنوعها واختلاف سياقاتها، في دوافع الفقر ومآلاته. لكن ارتباط أسباب الفقر -في حد ذاته- في المجمل بالسياسات العمومية للبلدان الأقل تقدما، ومن بينها المغرب، يجعل المعطى السياسي، سببا مباشرا وأساسيا في تَكوُّن وتشكيل الفقر، خاصة عند ارتباطه بالتوازنات الدولية الماكرو اقتصادية لبلد كالمغرب، المنخرط والمنقاد لسياسات المؤسسات المالية الدولية، التي لها تأثير مباشر على المجتمع المغربي، ومن خلاله المواطن المنتمي إلى الطبقات الأكثر فقرا، أو تلك المعرضة للفقر في المستقبل القريب، ولا يمكن الفصل بين الأسباب المؤدية إلى الفقر في المغرب، وتلك التي لها نفس الدور في مختلف مناطق العالم، دون إعطاء مفهوم عام وتعريف للفقر، يكاد يكون توافقيا بين كل من تناولوا الظاهرة في بعدها الاجتماعي المرتبط بالقطاعات السياسية والاقتصادية.

فالظاهرة هي نتاج تلاقح بين ظواهر مجتمعية متعددة، تفرز في الأخير ما يطلق عليه بالأزمة الاجتماعية، التي يكون من أخطر نتائجها وأسبابها -في نفس الوقت- هو الفقر، أو التفقير كما حدده مجموعة من علماء الاجتماع. فالفقر هو قضية إنسانية بالدرجة الأولى، وهي مسألة طبيعية لها علاقة بالتمايز الإنساني، محتمة نسبيا، مرتبطة بالتاريخ كما الجغرافيا، لكن عندما تتحول هذه الظاهرة من الفقر إلى التفقير، تصبح ذات بعد اجتماعي له علاقة باستئثار القلة بخيرات الكثرة، والسكوت الجماعي عن هذه الوضعية، قد يؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه “ثقافة الفقر La culture de la pauvreté”، هذا المفهوم الذي تناوله العديد من علماء الاجتماع، ولعل أبرزهم هو العالم الانثروبولوجي الأمريكي: أوسكار لويس Oscar Lewis ، الذي اعتبر أن انتشار ثقافة الفقر أخطر من الفقر نفسه، فقد يمكن القضاء على الفقر، لكن إن ترسخت ثقافته داخل مجتمع ما، فيصعب تحرير هذا المجتمع منها، بل يصبح الدفاع عنها من داخلها، كالضحية الذي يدافع عن جلاده، بما تنتجه هذه الثقافة من ظواهر سوسيولوجية، سيكولوجية سلبية، تضرب ركائز المجتمع من خلال قتل روح الفرد: كالعجز والاتكالية والإحساس بالدونية، والشعور بالهامشية، وعدم القدرة على ضبط النفس في المواقف على اختلاف أنواعها، وغياب فكرة التخطيط للمستقبل لدى الأفراد، لعدم القدرة على تنويع مصادر الإشباع الذاتي، وفي نفس الوقت لانسداد قنوات الثقة في المستقبل، زيادة على ما تفرزه الظاهرة داخل هياكل الدولة المتبنية لها، من ممارسات كإشاعة ثقافة التسول داخل هياكلها الرسمية وغير الرسمية.

من خلال نظرية ثقافة الفقر هذه، يظهر جليا أن المسألة ليست فقط حرمان مادي، أو نقص في الموارد، أو مجرد سوء تنظيم، بل أكثر وأخطر من هذا، فهي سياسة ومنهج عام، قد تسلكه الأنظمة التي لها مصالح ليست بالضرورة هي نفس مصالح شعوبها. “فلا يوجد شيء اسمه بلد فقير، يوجد فقط دولة فاشلة في إدارة موارد البلد” أو كما يقول المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي”، وهو ما يظهر جليا في الواقع المغربي، من خلال استيلاء فئة (محظوظة) على مجمل موارد البلد وثرواته، مستعينة في هذا الأمر بتوازنات غير بريئة لقوى دولية، لم تقتنع بعد بحرية الشعوب التي كانت خاضعة في السابق لإمبرياليتها المقيتة، في اختيار الحكامة الجيدة والعادلة، وما يقابله من انتشار لظواهر اجتماعية داخل المجتمع تكاد تصبح مألوفة رغم سلبيتها الصارخة، وانعدام أي مشروع تربوي حقيقي لمعالجتها، بل هناك مجهودات معاكسة لترسيخ وتوسيع مجالاتها لتعم أطرافا أخرى قد تكون لا تزال في منأى عن هذه الثقافة، وهو ما نلاحظه في التدني الغير طبيعي لقطاع التعليم، سواء على مستوى المناهج أو الأداء المهني، و كذلك على مستوى التفاهة التي تنهجها البرامج الإعلامية البصرية والسمعية، بالإضافة إلى تدني مستوى مختلف الخدمات العمومية، والقطاعات التي لها اتصال مباشر بالمواطن المغربي، فهناك سياسة مقصودة تنهجها الدولة بمختلف قطاعاتها للنزول بالذوق العام، الذي يعقبه تلقائيا انهيارا في القيم، وتدني نسبة الوعي الجماعي، هذا الثالوث الأخلاقي: الذوق والقيم والوعي، إذا تم إكمال دائريته في مجتمع ما، تصبح جاهزية هذا المجتمع لإسلاس القياد لحاكميه سهلة ودون مقاومة، وهذا هو مضمون نظرية ثقافة الفقر، أو الفقر المنتج لثقافته.

فمن خلال تتبع بسيط لمختلف السياسات العمومية التي ينهجها حكام المغرب، في مختلف القطاعات، يظهر بشكل واضح تخطيطهم المحكم لترسيخ ثقافة الفقر داخل المجتمع المغربي، والدفع بأكبر عدد من فئاته الاجتماعية، للانخراط في منظومتها بدون مقاومة، وليس أقلها هذا السعي الحثيث للدفع بالطبقات الوسطى للالتحاق كرها بركب الفقراء.

لا يهم مدى فقر مجتمع ما، حتى وإن احتل المراتب المتأخرة في مجالاته الحيوية، بقدر ما يهم مدى إدراك هذا المجتمع لأسباب فقره، ووعيه التام بالخطط المنتهجة لتثبيته في طبقته الاجتماعية، ومدى استعداده للدفاع عن حقوقه.

 هنا فقط يكمن الفرق بين الفقر وثقافة الفقر.