احتفى الإمام ياسين رحمه الله احتفاء كبيرا بالصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن رواحة وبمروياته، فالقارئ المتمعن لأمهات كتبه، يجد هذا الاهتمام اللافت للنظر، سواء الحوارية منها ذات الطابع السياسي، أو التنظيمية والتربوية.

فكتب الإحسان والعدل وتنوير المومنات والمنهاج النبوي وأشرطته السمعية والبصرية، وكذلك ما رواه عنه أصحابه وغيرها، يكاد حديث ابن رواحة فيها يحتل الحيز الأهم، يعضده أحيانا بمرويات لصحابة آخرين في نفس سياق مجالس الإيمان، ثم يذيلها بتعليقات تليق بسياق ورود الحديث، وبموضوع كتابه.

 هذه الوريقات تسلط بعض الضوء على الحديث وأهميته في السلوك المنهاجي، وأثره في بناء مشروع الخلافة على منهاج النبوة، وقد كان له ولغيره من أحاديث تجديد الإيمان والدين آثار على لم شمل الأفراد والأمة تربية وتنظيما وزحفا، فأعطنا من وقتك وتعال بنا نومن ساعة، نستغن بالله ونفرح به ونأنس به، لعلها تكون ساعة الرضا والرضوان والفوز العظيم.

أورد الإمام رحمه الله الحديث في كتابه: تنوير المومنات ج:1، برواية الإمام أحمد، أن عبد الله بن رواحة الأنصاري كان إذا لقي صحابيا قال لهُ: «تعال نؤمن ساعة». قال ذلك يوما لرجل فغضب الرجل وكأنه ظن أن ابن رواحة ظن به سوءا. فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغَبُ عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله ابن رَواحة. إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة»   1

فبعد أن ذكر الإمام بسط الملائكة أجنحتها للمتجالسين والمتجالسات في مجالس الإيمان والذكر والعلم وما يصحب ذلك من سكينة، ورحمة، وما يجود به الحنان المنان عليهم من أنوار الإيمان والألفة والمحبة والشوق والقوة، حيث يعتز المرء بمن يخالل، فكيف إذا كانت الخلة لله وفي الله؟ وبعد اندثار وزوال الرعب الباطني للحياة وضجيجها وصخبها، وما تتناقله وسائل الإعلام من تعليقات وتعليقات على التعليقات وتضاربها وتنافرها، وشعور المومن الوافد باستقرار نبضات قلبه وانسلاخه من أحمال وظلمات كثيفة… فما أسعدك أيها الوافد، أيها المستجيب للنداء المتجدد: تعال نؤمن ساعة، ساعة واحدة فقط، تقلب حياتك، تغمرك السعادة، تحييك الحياة السعيدة، حياة رياض الجنة…

بعد ذلك؛ لا شك؛ أن تحصين الصف من الغثائية المنتشرة المنتثرة في جسم الأمة تنخره، تكون أولى نتائج هذا الاجتماع الرباني القصد، حيث تنتظم القلوب وترتفع الهمم، ويلتئم شمل الهم الفردي بالجماعي، حينها يتطلع الإخوان إلى ما كان عليه الأصحاب رضي الله عنهم و“السلف الصالح رضي الله عنهم وألحقنا بهم مؤمنين. آمين.”  2 يعرضون حاجاتهم العظمى والصغرى بين يدي رب العالمين.

وقد ضرب لنا الإمام أمثلة بكبار الصحابة: ساداتنا عمر ومعاد وحنظلة وأبو بكر وغيرهم، الذين تكتلوا وتآزروا وتوحدوا حتى أصبح لهم حجم ووزن وكيان، نُصروا بالرعب مسيرة شهر، لكن ذلك ما كان ليكون لولا فضل الله عليهم في مجالس “تعال نؤمن ساعة” حيث كانوا يتهمون أنفسهم بالنفاق، وهم من هم، فيفرون إلى المصحوب الأعظم عليه الصلاة والسلام، فيعطي كلا منهم ما يناسبه من دواء.

لقد كانوا يتعاونون في نقل العلم إلى بعضهم البعض، بل ويتناوبون على حضور مجالس الإيمان والعلم فيبتدرونه عملا، ويتشربه بعضهم من بعض صحبة وخلة، فكيف بنا نحن الإخوان وسط طغيان حضارة الأشياء الدوابية المميتة، ووسط الاستهلاك والتنافس والموضة والإعلام الفاحش والماجن وسقوط العلماء إما في قبضة السلطان أو رهنا للعامة وأهوائها؟ ألا يجدر بنا التكتل والتعاون حتى لا نكون ريشة في مهب الريح؟ بل ألا يجدر بنا أن نحيي شعار ابن رواحة: تعال بنا نؤمن ساعة، ونهتبل به ونجعله شعار لقائنا ووداعنا؟ لنحيي بذلك معاني المواساة والاحتضان والانجماع عليه سبحانه، نستمد العون والقوة منه، كي نواجه هذيان العالم الملعون وهجمته المُبعدة عن الله ورسوله والمومنين؟ و“لا يمكن كفّ الهجمة وصرفها عنا إلا بالجمع والتأليف والرد الشامل”  3

وفي هذا السياق أكد الإمام رحمه الله على “ضرورة اجتماع القوة، بل جمعها، وتأليف البيئة الصالحة وتوحيد الأمة. لأن الله تعالى أمرنا بذلك، ولأن ضرورة ذلك تمليها الهجمة الدوابية الشمولية من كافة الواجهات.”  4، بل يؤكد على ضرورة قلع الشجرة الخبيثة من أصلها وغرس بدلها أخرى طيبة توتي أكلها كل حين بإذن ربها، لكن “لا سبيل إلى بناء القوة الاقتحامية المؤهلةِ لمناجزَةِ الجـاهلية، القادرةِ على مطاولتها وحصارها وخنقها وطردها، وفي قلوبنا مَثْوىً لأم الفتن”  5

فيا ترى ما البيئة المؤهلة لاحتضان ورعاية هذه الشجرة لتنمو وتثمر غير مجالس: “تعال بنا نؤمن ساعة”؟ لتحقيق شروط التربية كاملة: صحبة وجماعة وفي الجماعة وذكرا أوله ووسطه الصدق، وعلما بعمل تزينه التؤدة والسمت الحسن، ولعل بذل المال والنفس والوقت في “صحبة الصالحـين ومجالستهم شرط في قلع جذور الفتنة من القلوب”، 6 قصد الاستقامة على الطريق والتوجه والسير اليه سبحانه “توسطا وتريثا وتدبيرا للمعيشة وترتيبا للحال والظروف المحيطة للوصول إلى الجهاد ونيل رضى الله تعالى”  7

لذلك، ليس عبثا، أن يدعو أهل الله إلى تجديد القصد بكل معانيه، فبه يتأتى للمومن القضاء على الاضطرابات النفسية ونزعاتها الشيطانية العدوانية، مزجا بين الفعل والحركة والهروب إلى مجالس التصافي والصفاء والحب والإخاء، فلذلك يذكرنا المنهاج النبوي أنه لا توازن إلا بتحصيل الإنسان المومن للمجموع من الأرصدة الثلاث: العلم والسلوك والجهاد أو الفعل البناء، وإلا كانت الانزلاقات الثلاث. بل يحذرنا، أن اقتصادنا وفكرنا وسياستنا وثقافتنا وتعليمنا… إما أن تخدم أهدافا شهوانية أنانية عنيفة وخبيثة تزرع الفتنة في القلوب، وما أكثر القلوب المريضة… وإما أن تخدم الأهداف الإحسانية بكل تجلياتها وفي كل مناحي الحياة، إنها عقبة كبيرة أمام الذاكرين العاملين، إذ كيف يوطنون أنفسهم في كل وقت لتجديد القصد وتحديد الوجهة والغاية، ويحيون كل لحظة من أنفاسهم بكامل الحضور مع الله، “عناية بالزمان وأهميته، والمكان وقاعدته، والواقع وضغوطه.”

فما السبيل إلى ذلك؟ وما الدليل على ذلك؟ وأين يجدون ذلك؟

أخي الحبيب: “تعال بنا نؤمن ساعة”

 


[1] رواه الإمام أحمد.
[2] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات ج: 1، ص: 185.
[3] تنوير المومنات، ج:1، ص: 187.
[4] تنوير المومنات، ج:1، ص: 187.
[5] العدل، ص: 589.
[6] ياسين عبد السلام، الإسلاميون والحكم، ص: 587.
[7] المنهاج النبوي:320