يلاحق “الفقر المميت” المغاربة المهمشين أينما حلوا وارتحلوا، حتى وإن غادروا جغرافية الأرض وركبوا عباب البحر، باحثين عن بلاد أخرى تحتضنهم وآمالهم وتكرم إنسانيتهم.

ركوب قوارب الهجرة، أو ما يصطلح عليها “قوارب الموت”، هو معادلة تنحصر نتيجتها عند حلين، حياة أو موت، معادلة يعيها جيدا المهاجر السري، ألجأه إليها لهيب أن يعيش فقيرا محروما عاطلا بلا بوصلة وبلا كرامة في دولة غنية بثرواتها.

لا يمكن أن تقنع العديد من الشباب، مع الأسف، بالعدول عن خوض مغامرة الهجرة السرية، لأن الواقع الذي يحياه والأفق لا يمنحانه الأمل، ولأنه يعيش في بلده الانسداد وقتل الحلم، يذوب كالشمعة كل يوم، وتحترق فتيلة حماسه الشبابي، وتنطفئ شعلة همته، ويقفل في وجهه باب أي فرصة لتغيير حاله.

من عباب البحر تأتي الأخبار بين الحين والآخر حاملة أسماء ضحايا شباب قتلتهم سياسة فاسدة قبل أن يبتلعهم البحر. جرح من جراح هذا البلد التي لا تندمل طالما الحال يسير نحو الأسوأ.

آخر الأخبار الآتية من خلف أمواج الساحل الأطلسي، حملت مأساة وفاة سبعة مهاجرين مغاربة قاصرين متأثرين بالبرد الشديد يوم السبت 13 يناير الماضي قرب جزر الكناري التابعة لإسبانيا، إثر تسرب المياه للقارب الذي كان يقلهم وكان على متنه حوالي 27 شابا مغربيا بينهم أطفال.

ومن المحيط الأطلسي إلى الأبيض المتوسط، حادث مأساوي آخر تجلى في وفاة شاب مغربي كان برفقة مهاجرين أفارقة بعد انقلاب قارب للهجرة السرية كانوا على متنه، وقد عثر على جثثهم، بمنطقة بحرية تخضع لنفوذ السلطات الإسبانية بمدينة مليلية المغربية المحتلة.

وفي هذا الصدد كشف مرصد الشمال الحقوقي بالمغرب أن أكثر من ألف مهاجر مغربي حاولوا عبور الحدود نحو القارة الأوروبية خلال يناير 2018، 57 % منهم استعملوا “قوارب الموت” ومنهم من لقي حتفه في عرض البحر.

وفي مطلع فبراير الجاري كشف موقع “إسبانتالويا” التركي في نسخته الإسبانية أن الأمن أوقف أكثر من 600 مهاجر مغربي غير شرعي، كانوا متوجهين إلى دول أوربية عبر قوارب مطاطية.

كما أعلنت المنظمة العالمية للهجرة في تقريرها الأخير الصادر في دجنبر 2018 عن ارتفاع عدد المغاربة الذين يهاجرون بطرق غير شرعية، حيث أفادت أن أكثر من 3 آلاف مغربي وصلوا إلى أوروبا منذ بداية 2017 وحتى الحادي عشر من دجنبر الماضي، وهو ما يمثل ارتفاعا بما يفوق خمسين بالمائة مقارنة مع 2016 التي لم يصل خلالها إلى القارة العجوز سوى 1285 مهاجرا مغربيا.

مآسي شباب الهجرة السرية نزيف مستمر في المغرب، تذكيه ناره عقلية متنفعة من الوضع الحالي، عقلية لا يعنيها كثيرا موت الشباب المغربي في غياهب البحر باحثا عن الانعتاق من ربقة الفقر الذي حُكم عليه به من طرف من راكموا الثروات وعاثوا فسادا في البلاد والعباد.