لم يعد خافيا على أحد في بلدنا المغرب المستوى الخطير من الفقير الذي تعيشه فئات واسعة من الشعب المغربي، والتي باتت مادة دسمة للتقارير الدولية التي تنجزها وتصدرها المنظمات العالمية بين الفينة والأخرى، وكأنها بذلك تبدي استغراب الرأي العام العالمي من هذا المستوى المتردي في المعيشة الذي ترزح تحت كلكله الطبقات الشعبية، على الرغم من الخيرات والثروات التي يزخر بها المغرب، ولا يرى لها أثر في واقع الناس والبلاد، وإنما يسمع صدى حجم وقيمة ما تم تهريبه منها هناك في الأبناك الأجنبية، أرصدة ضخمة للمسؤولين والحاكمين في هذا البلد. فهل يا ترى الفقر في المغرب مقتصر على الطبقات الدنيا من الشعب المغربي أم أنه يصيب كذلك النخبة الحاكمة المتحكمة في البلاد؟ وهل الفقر في المغرب هو فقر مادي فقط أم أن هناك أنواع وتجليات أخرى للفقر؟

فقر العامة:

إن الفقر الذي تشكو منه الشريحة الواسعة من عموم الشعب المغربي هو فقر متعدد الجوانب والأبعاد. هو معضلة لم تسبب فيها وفي ترسيخها الحكام القائمون بسياساتهم واحتكارهم وتبذيرهم وبفساد منطقهم واستبداد منهجهم في الحكم. وهذا ما زاد الظاهرة استفحالا وتفشيا بين جزء كبير من الشعب المغربي، يمكن القول معها وبدون مبالغة إنها ظاهرة لم يسلم منها حتى الموظفون الصغار وذوو المرتبات الشهرية الثابتة الذين بات معظمهم عاجزا عن تلبية كل حاجيات أسرته، في ظل الغلاء ومحدودية القدرة الشرائية.

إن فقر عموم الشعب المغربي هو شح في الدخول والأرزاق التي لا تكفي لسد الحاجيات اليومية المتزايدة بتزايد حجم ونمط الاستهلاك. ولا يكاد يجاري الارتفاع السريع والمهول في الأسعار، خاصة أسعار المواد الغذائية الأساسية التي أصابها من تأثيرات العولمة الرأسمالية الكثير، وزادها الاحتكار المحلي غلاء.

طالع أيضا  ما بال فقيرات بلادي

وهو فقر وعوز في الوسائل الضرورية لعيش وراحة الانسان، من مسكن يليق بالحياة الآدمية الكريمة، خاصة في ضواحي المدن وفي البوادي، التي مازال أغلب سكانها يعيشون في ظروف قاسية أهم سماتها المساكن التقليدية المتهالكة، والتي لا تتوفر على ما به يمكن مواجهة قساوة الظروف الطبيعية كالبرد القارس شتاء والحرارة الملتهبة صيفا.

وهو كذلك خصاص مهول في ضرورات الصحة التي يجب أن تتوفر لكل مواطن في بلده. فظروف ومكان الاستشفاء في المغرب لا تشجع أو تغري المواطن البسيط بالمجيء إلى المؤسسات الصحية والولوج إلى خدماتها، ولا أسعار الأدوية والمواد الشبه الطبية الضرورية للعلاج في متناول المغربي البسيط، بفعل غلاء الأثمان وثقل الفاتورات.

فقر النخبة الحاكمة:

إن فقر وبؤس عامة الشعب المغربي الذي أثار شفقة البعيد قبل القريب، لا يخفي بل يعكس إلى حد كبير الفقر والإفلاس الذي تعاني من النخبة الحاكمة المحتوشة لخيرات البلاد ومنافعها. فقر النخبة هو نقص وفاقة من نوع أخر، ليس بالضرورة ماديا، وإنما هو بؤس في الأخلاق والقيم والانتماء.

من تجليات الفقر الذي أصاب النخبة هو نقص وضعف في حقيقة الانتماء للبلد وفقدان أبسط مشاعر المواطنة الحقة، التي تعني فيما تعنيه، الانتماء للوطن واقعا لا إدعاء، والإحساس بهموم الشعب بكل فئاته ومعايشتها عن قرب فعلا، وليس التسلي بزفراته ومآسيه. وإنه من أبسط معاني المواطنة في حق من يتقلد مسؤوليات أي بلد هو التهمم بمشاكل الشعب ومصاعب الحياة التي يكابدها أفراده، وليس الإطلالة عليه من الأبراج الحصينة المحصنة.

ثم هو فقر كذلك على مستوى التدبير والتسيير، والذي يظهر في التخبط والفوضى التي تعرفها السياسات العمومية والبرامج الحكومية، التي لا يستقر لها وضع ولا يعرف لها اتجاه، سياسات ليبرالية رأسمالية تارة، وتارة أخرى أعمال سخرة مخزنية مغرقة في النهب والإسراف. إنها برامج ومخططات مستوردة في معظمها دون مراعاة طبيعة وخصوصيات وإمكانات المغرب. فيكون تنزيلها وتطبيقها على أرض الواقع بشكل أعور وأعرج، لا هي استقامت وحققت الأهداف المرجوة منها، كما خطط لها وكما أنجزت في مواطنها الأصلية، ولا هي أفادت المغاربة وأعطتهم بعض الحلول للمشاكل والأزمات التي يواجهونها.

طالع أيضا  باحث: سياسات الدولة تصب في تعميق مظاهر الفقر

وهو كذلك شح وضحالة في الإنسانية وأخلاقها من رحمة وتعاطف ومواساة. فبينما تكابد غالبية المغاربة الفقر والحاجة، تعيش النخبة حالة ترف وبذخ، لا يجاريها فيه عبر العالم كله سوى حكام العرب، أمراء البترودولار. وإن من أخلاق الإنسانية الاعتناء بالقريب قبل البعيد وتقديم يد العون والمساعدة له، المادية والمعنوية، فكم يوجد في المغرب من أيتام ومعوزين، لا تخطئهم العين ولا نحتاج لمراكز دراسات محلية أو أجنبية لكي تحدد لنا أعدادهم أو تبصرنا بمواقعهم وأماكن وجودهم.

من المسؤول؟

إن حالة الفقر البادية للعيان التي تعاني منها عامة الشعب المغربي ليست بإرادتها وقبولها ورضاها، وإنما هو وضع وواقع أريد لها أن تعيشه وتبقى عليه فقيرة مفقرة، جاهلة مجهلة، عاجزة قاصرة عن النهوض بأحوالها. وهي إن كانت تتحمل جزءا من ذلك فإن المسؤولية الكبرى لا تقع عليها. أظن أن المسؤول الأول والأخير عن هذه الوضعية المزرية والبئيسة التي تعيشها الفئات الشعبية بالمغرب هو النخب الحاكمة.

لا يعقل أن تبقى نسبة الأمية في المغرب، ومنذ الاستقلال، تراوح مكانها في حوالي النصف، في بلد كالمغرب بكثرة ووفرة خيراته وتعدد إمكاناته في الفلاحة كالزراعة وتربية الماشية والصيد البحري واستغلال الغابات، وفي ثرواته المعدنية الغنية والكثيرة، لعل أبرزها الفوسفاط والذهب والفضة، وبإمكاناته السياحية المعتمدة على التنوع التضاريسي والظروف المناخية الملائمة، إضافة إلى التنوع الثقافي والحضاري… وهذا ما يمكن، إن أحسن استثماره وتوظيفه، أن يشكل قاعدة إقلاع اقتصادي إلى جانب مصدر القوة الكبير بالمغرب والمقوم الأساسي للنهضة، ألا وهي قوة الشعب المغربي بشبابه وشاباته.

المغاربة بقدراتهم ومجهوداتهم أثبتوا جدارتهم وقوتهم في مجالات كثيرة متعددة: في مجال الاختراعات التقنية والتكنولوجية، وفي مجال الإبداع والموهبة الفنية، وفي مجال التفوق والمنافسة الرياضية، والتي يمكن أن تشكل رافدا من روافد التنمية الاقتصادية والبشرية لهذا البلد والرفع من مستوى عيش شعبه وساكنته.

طالع أيضا  الجمعية: 44.3% من المغاربة ما زالوا محرومين من حقوقهم الأساسية

إن مسؤولية النخب الحاكمة في تهميش وتفقير المغرب والمغاربة واضحة جلية، وهي مسؤولية راجعة إلى سوء الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنفذها هذه النخب من جانب، ومن جانب آخر هي مسؤولة كذلك بسبب استنزافها ونهبها لثروات المغرب وخيراته، وتصديرها وتهريبها إلى الخارج ليس فقط أوربا وّإنما إلى بعض الدول البعيدة، ومثال بانما ليس ببعيد.

خاتمة:

الظلم مؤذن بالخراب كما قال ابن خلدون رحمه الله، وإن سنة الله الخالدة في القرى الظالمة معروفة وهي أن بذخ وإسراف المترفين مدعاة للفوضى والدمار. وإن طبائع الأنفس البشرية لا ترضى بالظلم والضيم، وإن تحملت أوزاره ردحا من الزمن. والمغاربة ضاقوا ذرعا بأنواع الظلم والاستخفاف المسلط عليهم، وقد انبروا يعلون الصوت في وجه من يتعبرونه مسؤولا عن بؤسهم وتفقيرهم. فهل من معتبر؟