بدأ الأمير الخطابي تفكيره الجهادي حين كان قاضيا بمليلية بعدما رأى سقوط الكثير من المجاهدين أمام قوى الاستعمار وفي مقدمتهم الشريف محمد امزيان.

جاء في كتاب الظل الوريف في محاربة الريف للعلامة اسكيرج: (وحمل الإسبان الشريف المذكور جثته إلى مليلية ليتيقن الناس بموته وعملوا عليه مهرجانا كبيرا فرحا بقتله قائلين: الآن لم يبق أحد بالريف يقاتلنا، وكان الأمير ابن عبد الكريم في ذلك الوقت بمليليا قاضيا فرأى ذلك وأثر فيه. ثم دفعوه للمسلمين فدفنوه بزاوية بقلعية وقد حلف المسلمون على أنهم لابد أن ينتقموا ممن قتله ولو طال الأمد).

من ذلك الحدث بدأ التاريخ يسمع عن تحركات الأمير ونضاله: من رفض للمشاركة في حجرة النكور مع المقيم العام إلى المشاركة في تدعيم تحركات أبيه في توعية الريفيين بالخطر الإسباني. وقد كان عام 1920م عاما فاصلا في تاريخ الجزء الغربي من الريف.

كتب الأستاذ محمد العلمي في كتابه زعيم الريف ما يفيد أن الإسبان لما داهموا بجيوشهم أرض شفشاون وداسوا بأقدامهم مقابر الأولياء، وهي عندهم مقدسة، فلم يحتمل عبد الكريم الخطابي -الأب- ذلك فانتفض للجهاد بأول وقعة ضد الإسبان.كان الارتباط بأولياء الله -وهي خصيصة مغربية- باعثا قويا للانتفاضة وكان العامل الحاسم للخروج من قمقم الصبر والرضوخ إلى المواجهة والكفاح. ما لبث الوالد أن توفي فخلفه ابنه فأصبح الأمير الخطابي.

يقول الكاتب المجاهد محمد محمد عمر بلقاضي في كتابه أسد الريف: (وبعد وفاة والده بأيام قليلة برز إلى الميدان، وصار يتصل برجال القبائل وأعيانها يبث فيها روح الوطنية الحقيقية التي تتماشى مع دين الإسلام والشريعة المطهرة ويستدل بالكتاب والسنة في جميع أحاديثه ومواعظه البعيدة المدى. وكان شغله الشاغل هو المصالحة والتوفيق بين الناس المتعادية ليتحدوا ويتصالحوا وينسوا الأحقاد والعداوة التي كانت عمت وترعرعت بين الأفراد والجماعات في جميع المداشر والقرى، وكانت تذهب ضحية هذه العداوة عدة أرواح منذ عشرات السنين) 1 .

هكذا بدأ الأمير جهاده بتربية الناس على معاني الارتباط بالكتاب والسنة وتخليص النفوس من الأنانيات التي تفرق ولا تجمع. وهي التربية ذاتها التي سار عليها كل المربين الربانيين والمجددين عبر تاريخ الإسلام. بل وهي التربية ذاتها التي انطلق منها النبي عليه السلام في تكوينه لجيل الصحابة الفريد. فبعد أن ملأ النبي صلى الله عليه وسلّم قلوب أصحابه بمحبة الله ورسوله والولاء لهما، آخى بينهم برباط أخوي وثيق، وهو ما يعرف بالولاية الإيمانية. هذا الأمر لم يكن ليفوت الأمير الخطابي وهو في بداية مشواره كأمير يريد الارتقاء بشعبه إلى شرف الحرية والبطولة والجهاد. فماذا لو أنه ربط قلوبهم بالله دون أن يجمع وينظم جهودهم، وماذا لو آخى بينهم برباط وثيق بعيدا عن الولاء والارتباط القلبي بالله وبكتابه، ستؤول جهودهم إلى الفشل لأنها تفتقر إلى الباعث القوي وإلى النية التي تجعلهم يصمدون وإلى المثل الأعلى الذي يسترخصون حياتهم في سبيله. في سنة 1921م، تداعى أكثر من 500 مجاهد يمثلون قبائلهم إلى امزورن لحضور مؤتمر دعا إليه الأمير الخطابي.

يقول صاحب أسد الريف: (ألقى الزعيم الخطابي على الحاضرين محاضرة باللغة الريفية وبين للحاضرين مقاصد الاستعمار… وحينئذ اقترح الزعيم على الحاضرين بأن يعاهدوا الله على المصحف الكريم على ما يلي:

1- يعاهدون الله على أن يدافعوا عن وطنهم وشرفهم ووحدة ترابهم إلى أن يستشهدوا في سبيل ذلك.

2- بأن يلتزموا بتنفيذ الأحكام الشرعية على كل من صدرت منه جريمة ما. ولو كان من أبنائهم وأقاربهم. فقبلوا اقتراحه بالإجماع. وحينئذ تقدم الزعيم محمد عبد الكريم ووضع يده على المصحف الكريم معاهدا الله ورسوله على ما ذكر. فتبعه الفقيه سيدي محمد بن علي التوزاني  محمد الحاج بودرة الاجديري – حدو اوسارالموسى وعماري – الحاج شعيب المحاولي – عبد السلام بن الحاج محمد البوعياشي – احمد بودرة الكلتومي – الهادي بن عزوز التمسنتي – الحاج الراضي الزفزافي – علوش بن المرابط الوعزيزي – موح الحاج محند المجوطي… الخ).

أسماء لها دلالتها للجيل المعاصر ممن يعلمون تاريخ الرجل وتاريخ جيل كان الإسلام سدى ثورتهم وقومتهم. هكذا نرى الأمير ومعه أعيان القبائل يريدونه مجتمعا إسلاميا يقوم على تنفيذ أحكام الشريعة. يأخذ عليهم العهد كي يطمئن أن الريف لن يتخلى عن دينه وشريعته. سندنا في ذلك شهادة من عايش وجاهد ورأى وشارك: سيدي محمد محمد عمر بلقاضي. هكذا كان الأمير يربي جيله كي يتولى هو بدوره تربية من سيأتي بعدهم. الآن برزت شرذمة من أبناء الريف تساند مشروع الصداقة الإسرائيلية وتربط نفسها باسم الذاكرة المشتركة بأعدى أعداء الأمة ممن يعلنونها صريحة سافرة ضد الإسلام وعقائده. ويسعون لتشتيت شمل طالما جاهد الأمير لجمعه ورأب صدعه. كان الأمير يربط ويحيط نفسه بأهل الإيمان ممن ولاؤهم للأمة لا لأعدائها من اليهود وأشباههم. كان جيشه مليئا بالذاكرين ممن اغترفوا من مجالس الصوفية أهل الذكر والصحبة في الله. كان في جيشه تيجانيون منهم جد كاتب هذه السطور: سيدي عمر السكاكي من تماسنت -رحمه الله-، ومنهم الخمليشيون وقد أثبت ذلك باحث معاصر استند إلى وثائق تؤكد مساندة لا مشروطة من الزاوية للأمير خلافا لما يروجه أعداء التصوف. ومنهم العلاويون مريدو الشيخ أحمد بن مصطفى بن عليوة فقد كان هذا الشيخ بالجزائر يوصي أتباعه في شمال المغرب أن يلتحقوا بجيش الأمير الخطابي. وكان الأمير يعرف لهذا الولي الصالح فضله وقدره، ويكتب له رسالة يظهر فيها ارتباطه العميق بأولياء الله. كتب إليه يقول:

(بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم جناب الشيخ المحترم سيدي أحمد بن مصطفى بن عليوة سلام عليكم ورحمة الله، وبعد قد تشرفنا برسالتكم وسررنا بعطائكم، واعتبرنا ذلك من حسن حظنا، إذ مفاتحتكم لنا بالكتابة دليل على توجه أهل الله نحونا، وذلك مقصودنا والحمد لله. نعم، طالما اختلج في ضميرنا أن نكاتبكم ونستأذنكم في بعض الأذكار تبركا واستمناحا للمواهب الإلهية التي منحتم فلم نوفق لذلك. أما اليوم فإنا لا نضيع هاته الفرصة، والمرجو من سيادتكم أن تأذنوا لنا في ورد قصير يناسب ظروف الأحوال كما لا يغيب عن كريم علمكم. وفي الختام نرجوكم أن تدعو معنا بخير وأن لا تنسونا في مناجاتكم وتوجهاتكم إلى الملك الأعلى والسلام).

محمد بن عبد الكريم الخطابي 15 شعبان عام 1340ه/1922م.

وعلى كثرة المعارك التي خاضها، كانت هوايته الإدمان على قراءة كتب الصوفي الكبير ابن عربي الحاتمي. وكان يواظب على صلاة المغرب في مصر خلف الإمام حسن البنا رحمه الله. قال بعد أن قُتِل الإمام: (ويح مصر، وإخوتي أهل مصر، مما يستقبلون جزاء مما اقترفوا. فقد سفكوا دم ولي من أولياء الله. ترى أين يكون الأولياء إن لم يكن منهم. بل في غرتهم حسن البنا الذي لم يكن في المسلمين مثله).

نفس ربيت على معاني الإيمان وطلب مقاماته العليا هي التي تتوسم في الناس أنوار الولاية والإيمان. ورجل بهذه الصفات وبهذا القدر من الإيمان لا يمكن أن يترك شعبه هملا من غير أن يسعى للارتقاء به في مدارج الإيمان وهو الذي يعلم جيدا أثر الإيمان في تحقيق النصر، أليس هو القائل: الإيمان والإيمان وحده…. كان هذا شعاره وديدنه الدائم يثير به نخوة وحماسة جنوده المؤمنين، فعلى هدي من إيمانه العميق قام وثار ولمجتمع الإيمان ناضل وجاهد.


[1] ص96. طبعة سلمى. الرباط\