مر بنا قبل أيام، وتحديدا في 4 فبراير، اليوم العالمي لمكافحة داء السرطان رافعا شعار “نحن نستطيع… أنا أستطيع”، ورغم بعد الموضوع عن مجال تخصصي، فقد آثرت أن أكتب هذا المقال بهذه المناسبة لأجعله فرصة للتوعية والتحسيس ومحاولة لإلقاء الضوء على المعركة غير المتكافئة التي يخوضها المرضى وعائلاتهم في صمت مطبق ضد هذا المرض الشرس، وأيضا لمراجعة النظر إليه باعتباره قضية إنسانية للمجتمع المحلي والدولي، لا قضية دولة وهيئات رسمية فحسب.

علاقتي بمرض السرطان تعود إلى سنوات الصبا الباكر، حين كنت أسمع النسوة يزرن الوالدة – عافاها الله ـ  يتهامسن فيما يشبه الخوف وحزن طقوس الموت، فلانة ماتت بالمرض “الخيب” أو فلان أودى به “الكونسير الله ينجينا ويناجيك”، ولعهد طويل ارتبط عندي المرض بالموت المحتوم، وبأنه مرض خبيث “خايب” كما يقال، ورغم أنني لم أفهم أبدا العلاقة بينه وبين السرطان بحرا أو برجا، لكن كنت أهابه رغم أن شبحه ظل بعيدا ما دامت يده لم تمتد إلى قريب أو عزيز.

لكن البداية الفعلية لتعرفي على داء السرطان، كانت في منتصف التسعينات، حين أصيبت به أحد أمهاتنا رحمها الله تعالى فاستأصلت ثدييها، وكانت صابرة محتسبة قوية صلبة لم ينل المرض من عزيمتها أو رضاها بالابتلاء، وأذكر أنها زارت الإمام عبد السلام ياسين رحمة الله عليه في آخر عمرها، لالتماس الدعاء ففرح بها ودعا لها ولذريتها بخير، وقال لها: “بعض الناس مدوخين يقولون السرطان مرض خبيث السرطان مرض مطهر يمحو به الله الخطايا ويحط به السيئات” وحينها تغيرت نظرتي للسرطان، فقد صار في نظري مطهرة لصاحبه، مرقاة في معراج القرب إلى الله جل وتعالى، من باب الصبر على الابتلاء والرضا بالقضاء. بعدها فشى المرض فشوا رهيبا في الناس، واقتربت الدائرة وتعددت الحالات، وكم حبيب وأخ وصديق وعزيز وقريب احتسبنا الله فيه مرضا أو وفاة، وكانت الإناث أكثر رحم الله من مات وأسبغ رداء العافية على الأحياء.

ومع ازدياد الحالات زاد مني الاهتمام بمتابعة الإحصاءات والأرقام، وبتعقب التطورات والبحوث والاطلاع على بعض الدراسات والكتابات، التي تنوعت واختلفت فيها التفسيرات لمسببات الداء ولطرق وأساليب العلاجات.

تعريف السرطان

تعرف منظمة الصحة العالمية السرطان بأنه هو خلل في نمو الخلايا وانتشارها بشكل عشوائي لا يمكن التحكّم فيه. وهذه الخلايا السرطانية يمكنها مهاجمة كل أعضاء الجسم تقريباً وتدمير الأنُسجة بسرعة. والسرطان واحد من أهمّ أسباب المرض والوفيات في جميع أرجاء العالم، وهو ثاني سبب رئيس للوفاة في العالم وقد حصد في عام 2015 أرواح8.8  مليون شخص، بمعدل وفاة واحدة تقريباً من أصل 6 وفيات على صعيد العالم، وبنسبة 70% في البلدان المستضعفة.

أنواع السرطان

حسب الدراسات العلمية تم إحصاء حوالي 200 نوع من السرطان، وهو مجموعة من الأورام الخبيثة ـ الأورام الحميدة تنمو بشكل محدود ولا تهاجم الأنسجة ـ تتميز بالتكاثر والانقسام والقدرة على الانتشار، ويحتل سرطان الرئة المرتبة الأولى عالميا، يليه سرطان الثدي، ثم سرطان الأمعاء والبروستاتا. وقد ظلت سرطانات الرئة والثدي والأمعاء وضمنها سرطان القولون والمعدة والبروستاتا منذ عام 1975 من أكثر حالات التشخيص الشائعة بالمرض.

أسباب السرطان

طبيا لم يثبت سبب مباشر أو دقيق للإصابة بالسرطان، بمعنى أنه ليس جرثومة أو بكتيريا أو حتى فيروسا، رغم أن بعض حالاته نتيجة تطورات فيروسية كسرطان الكبد والأورام الحليمية. لهذا فعوامل وأسباب الإصابة بالسرطان تتعدد وتتنوع؛ عوامل عمرية وأخرى جينية وراثية كالقابلية والتاريخ العائلي للبعض، وعوامل بيئية كالتلوث الإشعاعي والكيماوي، وحياتية ترتبط بأسلوب العيش والتغذية، كعدم تناول الخضر والفواكه أو كالتدخين، واستهلاك بعض المنتجات المسرطنة وتناول الكحول، والخمول، والبدانة والسمنة، والعدوى.

السرطان يغزو العالم

عالميا تعتبر فرنسا الأولى في معدلات الإصابة بين الرجال بواقع 385 حالة لكل 100 ألف رجل، بينما تحتل الدنمارك الموقع الأول في عدد الإصابات بين النساء، و365 لكل 100 ألف رجل في أستراليا ونيوزيلندا، وتتراوح بين 103 حالات لكل 100 ألف منهن في جنوب ووسط آسيا، و295 لكل 100 ألف في أميركا الشمالية.

العرب والسرطان

تظل معدلات السرطان في الدول العربية والحمد لله منخفضة مقارنة بدول العالم، رغم أنها ـ للأسف ـ بدأت تتزايد وترتفع، ففي لبنان، تسجل 200 حالة سرطانية لكل 100 ألف نسمة، تتبعها مصر 152.04، سوريا 145.91، العراق 135.27. وتبلغ أعداد الإصابات في الأردن 155.4، وفي فلسطين 145.7، وفي دول الخليج سجلت 102.12 حالة في الكويت، و92.52 في الإمارات العربية، و91.06 حالة في السعودية، و82.05 في عمان، بينما سجلت في السودان 91.1 حالة، وفي اليمن 80.36. وسجلت في ليبيا 124.12، وفي الجزائر 123.49، وفي المغرب 117.84، وفي تونس 110.57 حالة لكل100  ألف شخص.

هناك أمل.. نحن نستطيع

طبقا لإحصاءات منظمة الصحة العالمية، أصيب بالسرطان 14.1 مليون شخصا عام 2012، 40 في المائة منها في دول العالم الفقيرة. وتشير آخر التقديرات إلى احتمال توقع 23.6 مليون إصابة بالسرطان حول العالم بحلول عام 2030، ورغم هذه الأرقام المخيفة فقد نشرت مجلة لانسيت الطبية المتخصصة “the lancet medical journal”، اعتمادا على بيانات 71 دولة تغطي 67 في المائة من سكان العالم بين الفترة 2000 و2014، دراسة تؤكد أن آمال النجاة من السرطان تتوسع بما فيها أكثر السرطانات خطراً، مثل سرطان الكبد والرئة. كما تحسنت معدلات شفاء الأطفال من أورام المخ في الكثير من الدول، وأظهرت الدراسة أن نسبة الشفاء وصلت حتى عام 2014 إلى نحو 80 في المائة بالسويد والدنمارك.

تفتح التطورات العلمية والطبية الأمل أمام شفاء ناجع وسريع في دول العالم المتقدم، لكن جذوة هذا الأمل تخبو في دول الجنوب المفقرة المهمشة ومن ضمنها المغرب، في ظل واقع الإملاءات الدولية والسياسات المحلية التي تقصي القطاعات الاجتماعية، وبؤس إدارة ينخرها الفساد وسوء التدبير ومنها بالطبع قطاع الصحة الذي يعاني خصاصا مهولا في الأطر الطبية وشبه الطبية والموارد المالية والتجهيزات وميزانيات البحث العلمي والتغطية الصحية، ويعاني مشاكل في التنسيق بين المصالح وبيروقراطية قاتلة. وتكفي زيارة لأحد مراكز الأنكولوجيا، إن وجدت، لنكتشف واقعا مريرا يعتبر فيه حتى نسخ الوثائق تحديا أمام المرضى وذويهم، فضلا عن تعدد المصالح وتوالي الأعطاب…إلخ.

وهنا وبعد التنويه بالجهود المشكورة المأجورة لفاعلين جمعويين ولبعض الدكاترة والممرضين وللمتبرعين، لابد من البحث عن صيغ تشارك فيها جمعيات المجتمع المدنية والخيرية بيد إحسان قوية أمينة، للقيام بتوفير طرق للإيواء والإرشاد والمرافقة الطبية في واقع يشكل فيه التواصل مع الأطر الصحية معضلة بسبب اللغة وضغط العمل.

هناك أمل.. أنا أستطيع:

يجمع الأطباء والمختصون أن أول خطوة حاسمة للتغلب على هذا المرض، هي تعزيز الجانب النفسي، بالإصرار على العلاج، والتشبث بالحياة، والرفع من الروح المعنوية، والإقبال على التداوي بكل ثقة، رغم ظروف العلاج المحبطة ورغم صعوبة العلاج الكيماوي والإشعاعي وحتى الجراحي.

للأسف الدعم النفسي مفقود في مراكز العلاج ـ على الأقل التي زرت ـ فالعلاج لا ترافقه جلسات للدعم من طرف مختصين أو وعاظ ومرشدين دينيين أو حتى مرضى سابقين متعافين، يزيد الوضع سوء عدم تفييء المرضى، ففي حصة كيماوي واحدة أو عند التشخيص تجد الحالات المتأخرة جدا مختلطة مع حالات في بداية اكتشاف المرض، فتحصل الصدمات والنكسات، ومسألة تفييء المرضى لا تتطلب ميزانية أو غلافا ماليا هي إجراء تنظيمي بسيط، بالإضافة إلى تأهيل المرضى وإعدادهم، لتقبل مضاعفات العلاج كاستئصال بعض الأعضاء وتساقط الشعر والاختلالات الهرمونية، وتكفي شاشات عرض في قاعات الانتظار للقيام بهذا الدور التوجيهي والنفسي إذا أعدت المادة الطبية والإعلامية بشكل متقن.

بدون شك أن هذا المرض “المطهر” هو لمن ابتلاه الله عز وجل به مدرسة “ما بين حياة وحياة”، تتجدد فيها الصلة بين العبد وخالقه بدوام الافتقار إلى فضله وقطع التعلق بغيره، والرضا التام بالابتلاء والتسليم لقضائه، لأنه عربون محبة إلاهي لمن أدرك كنه الأمور، وهو فرصة لعطاء أكبر وللبذل والتشارك مع الناس، فالمؤمن والمسلم يحول ما يظنه الناس خسارة إلى استثمار رباني، فكم من مبادرة إنسانية انطلقت من ردهات المستشفيات، وكم من يد دافئة امتدت من بين حيطانها الباردة. ومع هذا وقبله وبعده لابد من التأكيد أن طلب التداوي والإصرار على العلاج وعلى الحياة مطلب بشري طبيعي واستجابة لأمر إلاهي ينبغي أن لا نفرط أو نتهاون فيه مهما كانت الإكراهات والتحديات، وكم هو جميل أن نجعل من الابتلاء فرصة لإبلاغ رسالتنا إلى الناس من خلال التوعية بمسببات المرض المحتملة والتعريف بسبل الوقاية من المرض ومحاربة المواد المسرطنة، وتأسيس أطر ومؤسسات لمساعدة المصابين والدفاع عن حقهم في العلاج وجلب الخبرات والتجارب الدولية الرائدة.

 

أغلب الأرقام والإحصاءات والمادة العلمية مستقاة من موقع منظمة الصحة العالمية.