إذا كان العدل نتيجة منطقية للحكم الراشد، فالفقر أيضا نتيجة حتمية للظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي، وإلا فكيف نفسر التناقض الصارخ بين مقدرات المغرب الحبيب وثرواته وخيراته التي حباه الله بها، وبين الواقع المر الذي يعيشه المغاربة في مستوى المعيشة والشغل والصحة والتعليم وغير ذلك. فمن جهة، يزخر المغرب بثروات طبيعية هامة على رأسها ثرواته المعدنية والفلاحية والسمكية، إضافة إلى إمكانياته السياحية المهمة، وأيضا ثروته البشرية النشيطة والحيوية، لكن من جهة أخرى، لا ينعكس ذلك بالمرة على واقع المغاربة الذين يعيشون كل مستويات الفقر والحرمان والإقصاء الاجتماعي.

 ورغم كل المحاولات الرسمية للتمويه على هذا الواقع بإصدار أرقام لا تعكس واقع الفقر بالمغرب مثل أرقام المندوبية السامية للتخطيط التي حصرت عدد الفقراء في المغرب في 11,7 في المائة فقط !! وأيضا بعض تصريحات المسؤولين التي تستخف بعقول المغاربة، بل وتحمل في طياتها ركضا فوق هذا الجرح الغائر في نفوس المغاربة، إضافة إلى استغلال معاناتهم في دعاية إعلامية “لتدخلات” منتقاة للتصوير، رغم كل هذه المحاولات فإن الواقع سرعان ما يكشف الحقائق ويعري الزيف، ولعل نصاعة بياض ثلوج الخير التي كست مختلف مناطق المغرب الحبيب قبل أيام أوضحت بما لا يدع مجالا للتمويه والتزييف أن المغاربة محرومون من أبسط شروط العيش الكريم، لتنضاف إلى أخواتها من الشواهد الدامغات في الريف والصويرة وجرادة واللائحة تطول وتكاد تشمل كل مناطق هذا البلد الحبيب.

وتزكي ذلك كله أرقام ناطقة كالتي صدرت مؤخرا عن منظمة الأمم المتحدة التي صنفت المغرب في ذيل التنمية البشرية (الرتبة 123) بعد دول لطالما اتخذتها الدولة المغربية بعبعا مخيفا إثر كل احتجاج شعبي مطالب بكرامة العيش. وضع يدفعنا للتساؤل عن الأسباب الحقيقية التي تجعل المغاربة يعانون من هذا المستوى الفظيع من الفقر والحرمان رغم غنى بلدهم سطحا وباطنا، طبيعة وسكانا؟

سنحاول في هذه الورقة الوقوف عند الأسباب السياسية والاقتصادية للفقر، على اعتبار الفقر ما هو إلا نتيجة من نتائج الخلل في البناء السياسي والاقتصادي للدولة:

1-  الأسباب السياسية: إن أي محاولة للبحث عن أسباب الفقر في المغرب دون الرجوع إلى مسبباته الأصلية كَمَنْ يحاول علاج أعراض مرضٍ متجاهلا المرض نفسه، وبالتالي فلا يمكن القضاء على الفقر دون تحديد مسبباته التي تبدأ من أزمة الحكم التي يعاني منها المغرب وتنعكس على المغاربة اجتماعيا وإقصاء من الاستفادة من ثروات بلدهم الزاخر، ومن أهم هذه المسببات السياسية:

أ‌-   زواج السلطة والثروة: فالنظام السياسي في المغرب يحكم قبضته على أدوات الفعل سواء في بعده السياسي أو الاقتصادي؛ فالحاكم هو السياسي الأول والاقتصادي الأول، مما يعني قطعا أن الأدوات السياسية والإدارية والقضائية إنما ستكون لتنمية ثروة الحاكم وتسهيل استثماراته، والتضييق على منافسيه. ولن يرى الحاكم في الشعب سوى مستهلكين لمنتجاته وزبناء لشركاته التي تخترق القطاعات الاقتصادية الحيوية في البلاد، وبعد ذلك لا تسأل عن واقع هذا الشعب من استنزاف لخيراته ومقدراته واستعباد كرامته…

ب‌-  عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة: إن المشكلة الجوهرية في المغرب تكمن أساسا في استبداد نظام سياسي، وفساد نظام سياسي وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة. وما لم يتم حل هذه المشكلة، فإنه لا أمل في الخروج من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية التي يعانيها المغرب وعامة المغاربة. وكل حديث عن الإصلاح والتنمية، إن لم يكن ضحكا على الذقون وترويجا للأوهام، فإنه تعلق بالأماني ليس إلا، وكل وعود تقدم فإنها ستخلف، كما حدث ذلك سابقا ومرارا وتكرارا. أليست ستون سنة من الوعود المخلفة حينا بعد حين كافية للاعتبار؟

ت‌-  الإبقاء على الأزمات: كثيرا ما تلجأ الأنظمة المستبدة إلى الإبقاء أو افتعال أزمات داخلية وخارجية لصرف الأنظار على أصول الاستبداد والفساد، وكذا لشرعنة نهب ميزانيات ضخمة تحت ذريعة “المصلحة الوطنية العليا”، وهنا ما يزال ملف الصحراء يمثل، وأكثر من أي وقت مضى، عبئا ثقيلا على عدة أصعدة على رأسها المجال الاجتماعي، حيث أضحى دور المواطن يقتصر، وعلى مدى عقود، على المساهمة المادية فقط، مع التصفيق للخيارات الرسمية التي أكدت السنوات فشلها الذريع في تدبير هذا الملف.

2-   الأسباب الاقتصادية: يمكن إجمالها في العناصر التالية:

أ‌-   احتكار الثروة وسيادة اقتصاد الريع: ما تزال السمة الغالبة على الاقتصاد المغربي هي الجمع بين السلطة والثروة واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع والإفلات من المساءلة واستفحال الفساد وسيادة اقتصاد الريع، وهي اختلالات بنيوية يعاني منها الاقتصاد المغربي وهي نتيجة لسياسات عامة تقود إلى اغتناء فئة قليلة على حساب إفقار شرائح واسعة من المواطنين وإلحاق الطبقة المتوسطة بالفقراء وإغراق البلاد في المديونية ورهن توجهاتها بإملاءات المؤسسات الدولية المقرضة.

ب‌-  تفشي الفساد الاقتصادي: ويزيد الوضعَ سوءا الفسادُ المعشش في كثير من الإدارات ومؤسسات الدولة من قبيل الرشوة وسوء التدبير والمحسوبية وغياب الشفافية في التدبير وضعف جودة الإنفاق العمومي وعدم نجاعة قانون الصفقات العمومية وضعف أجهزة الرقابة. وقد كشفت تقارير المجلس الأعلى للحسابات بعضا من سلوكات النهب والسلب وإهدار المال العام التي تعيشها جل مؤسسات البلاد مما يوضح أن الفساد أصبح سياسة ممنهجة لتدبير شؤون البلاد.

ت‌-  التوزيع غير العادل للثروات الوطنية: وهو نتيجة منطقية للعاملين السابقين؛ حيث تعد قضية التوزيع غير العادل للثروات، إحدى أبرز الملفات التي تعبر عن الفساد الذي ينخر اقتصاد البلاد والذي يقوم على الريع والامتيازات، دون محاكمة الفاسدين وناهبي المال العام، إضافة إلى احتكار الثروات.. وقد سبق لمبعوثة أممية أن نبهت إلى التوزيع غير العادل للثروات بالمغرب، منتقدة غياب تكافؤ الفرص بين مختلف الطبقات الاجتماعية.

ث‌-  الأخطبوط الاقتصادي المخزني: حيث نجد مجموعات اقتصادية عائلية تعد على رؤوس الأصابع، يدعمها في بعض الأحيان الرأسمال الأجنبي، تحتكر مقدرات البلاد وتمتلك من المقاولات والضيعات ما يمكنها من توجيه الاقتصاد مستفيدة من البرامج الاستراتيجية للدولة ومن الدعم العمومي.

ج‌- التضخم: حيث يستمر الارتفاع العام في أسعار السلع والخدمات مما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، وبالتالي تتأثر الدخول الحقيقية للأسر وتصل إلى حالة العجز عن اقتناء كل المتطلبات التي تحتاجها وبذلك تتسع تدريجيا قاعدة الفقر في المغرب.

وضع اقتصادي كارثي يزيد من سوءاته بعض القرارات الاقتصادية الارتجالية في قضايا مصيرية من قبيل التعجل في قرار تعويم الدرهم؛ في تجاهل كامل لعجز الاقتصاد المغربي عن ولوج سوق التنافسية العالمي، ليكون المواطن هو المعول عليه الوحيد في هذه المسارات المتخبطة عن طريق الزيادة في الزيادات المتتالية !!

ليبقى التساؤل المشروع: هل المغاربة يعانون من الفقر أم التفقير؟