لم يعد الفقر بالمغرب مرتبطا فقط بالحاجة والمعاناة وغيرها من مظاهر البؤس الإنساني، بل صار وبشكل مباشر مقترنا بالموت.

ارتبط الفقر أيضا في مخيلة المغاربة بـ”ثقافة القفة” التي رسخها المخزن في عقول المواطنين، الذين كلما بلغهم نبأ توزيع قفة تجمع قالب سكر ولتر زيت وعلبة شاي وكيس دقيق، هرعوا إليها، علّها تنسيهم شدة الفاقة لأيام.

“قفة العيش” التي يراد بها إخراس صوت الجوع لدى شريحة واسعة من المغاربة، تحولت إلى “قفة الموت”، قفة استرخصت آدمية المغاربة، وحجّمت حق المغربي من ثروات بلاده في مؤونة ضئيلة بطعم المهانة.

“قفة العيش” ستحط أولى رحلاتها القاتلة برقعة جغرافية تشهد كمثيلاتها على طول وعرض هذه البلاد نالت حظها بما يكفي من مظاهر الفقر المدقع، رقعة اجتمعت فيها كل أسباب العيش غير الكريم.

في نواحي الصويرة كانت ساكنة قبيلة سيدي العلام يوم الأحد 19 نونبر2017 على موعد مع قافلة لتوزيع مساعدات غذائية، ولأن حاجة الساكنة أكبر من الكمية المعروضة، وجد الفقراء أنفسهم وسط تدافع وازدحام شديدين، خاصة بين النساء، فكانت المأساة 15 امرأة يلقين حتفهن.

الحادث وإن بدا ظاهره تنظيميا، غير أن حقيقته أكبر من ذلك، حادث أظهر واقع الانسان الفقير بالمغرب، إنسان يعيش بفاقة ويموت بمهانة.

فواجع الفقر في المغرب أضحت تتوالى وتتفاقم عبر مشاهد تراجيدية تنوعت بتنوع المآسي الاجتماعية لضحاياه، فكل باحث عن مصدر عيش يحيى ميتا من خلال مذلة وإقصاء ومعاناة شظف العيش، لينتهي به المآل إلى موت فاجع في سبيل تأمين حياته وحياة أسرته.

فاجعة الصويرة حركت موجة غضب واسعة بالمغرب، فخرج المغاربة في مظاهرات بمدن عدة ينددون بالمأساة في خصوصيتها، وعموميتها المتمثلة في سياسة تجويع المغاربة وسلبهم ثرواتهم، ودفعهم إلى مواجهة الموت… كما استنكرت هيئات ومنظمات حقوقية بشاعة العنف الاقتصادي الموجه للمغاربة من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية تنتج الفقر والحرمان والأمية والجهل. محملة المسؤولية للجهات الوصية وسياساتها التفقيرية القائمة على نهب الثروات ومصادرة الحقوق والتنكيل بأحرار وشرفاء الوطن.