تعتبر الأسرة أصغر بنية في المجتمع. هذه البنية كانت بالأمس، خلال العصر الذهبي للإسلام، عندما كان للرجل والمرأة وعي تام بالمسؤولية الملقاة على عاتق كل واحد منهما، آلة لصناعة الرجال، لكنها اليوم أصبحت آلة لصناعة الغثاء. وصلت إلى ما هي عليه اليوم عندما انساقت المرأة المسلمة وراء “دعوة تحرير” مزيفة من “قيود” دينية متخلفة، وانساق الرجل وراء هم لقمة العيش تاركين بذلك الأبناء أمام الآلة الإعلامية الاستبدادية والوسط الملوث لتخريج جيل من الغثاء، لتتوالى بعد ذلك نكسات الأمة الإسلامية والمجتمعات العربية مجتمعة.

جاءت هذه الانتكاسات تواليا بعد انتقاض أولى عرى الإسلام وهي الحكم كما أعلنت بذلك نذارة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام في حديث رواه الإمام أحمد بسنده الحسن عن أبي أمام: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”. انتقاض للحكم ذهبت معه الشورى وذهب معه العدل، عدل كفل للمرأة عند قدوم الإسلام حقها في الحياة والحريات بعد أن كانت منبوذة محتقرة مصيرها الوأد في الجاهلية، كما أنه كان حاميا لقيم الحرية ومدافعا عنها، فحررها من الذل والخزي الذي كانت تعيش فيه في أيام الجاهلية، ناقلا إياها إلى حمى العزة والكرامة والشرف، سواء أكانت أما أو أختا أو ابنة أو زوجة. فهل تعود المٍرأة المسلمة إلى سابق عهدها، عهد الصحابيات الجليلات المجاهدات؟

ذهب العدل، جاء العض ثم الجبر. تغير الحكم فأصبح الاستبداد يجثم على رقاب الناس والمجتمع ومعهم المرأة خاصة، التي أصبحت سجينة القصور لدى الحكام والملوك، سجينة الأمية والاستغلال المخزي للفتيات في معامل الشغل في أسوء الظروف، والتعدد التعسفي، والطلاق الجائر و… عوامل متشابكة ومخلفات تاريخية أخرست صوتها “الأعور”، فقعدت تنتظر المنقذ من الضلال، فجاءت “دعوة التحرير” من شقيقتها المغربة وابنة جلدتها. تحرير من سطوة الرجل و”درجته” وظلم التقاليد والدين لها. فهل درجة الرجل على المرأة في الإسلام درجة تمييز أم درجة تكليف ومسؤولية؟ وهل ظلم دين الإسلام المرأة أم كرمها ورفع من شأنها.

 يستند كثير من المغربين والمغربات من أبناء جلدتنا في دعوتهم إلى تحرير المرأة من سلطة الرجل وتميزها عليها إلى قوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف .وللرجال عليهن درجة . والله عزيز حكيم. (البقرة:226) إذا فالقرآن الكريم يقر بدرجة الرجل على المرأة. ومن باب الإيمان بعيدا عن التحاليل والتفاسير المنطقية فإيماننا بهذه الدرجة إيمان بالقرآن الكريم والكفر بها كفر بالقرآن الكريم. أما إذا ما أردنا مناقشة هذه الدرجة نقاشا علميا متبصرا لحكمة الله، فالله عز وجل ساوى بين الرجل والمرأة، والفرق ببينهما التقوى والعمل الصالح لقوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (النحل:97 ). أما الدرجة فهي تفاضل في الدنيا بما هي تحميله للمسؤولية في قيادة قافلة الحياة من أجل ضمان الاستقرار، وذلك نظرا للخصوصيات البيولوجية والفيزيولوجية التي تعطي لكل منهما أدوارا وأشغالا لا يمكن للجنس الآخر القيام بها كالأعمال الشاقة للرجال وتربية الأولاد التي تذهب الكثير من الدراسات إلى القول بأن المرأة هي الأكثر قدرة عليها لما لها من طيب خاطر وتدفق للحنان والأحاسيس عكس الرجل. نفس الشيء يمكن قوله بخصوص الإرث وأن للذكر مثل حظ الأنثيين فالرجل مكلف بالنفقة على الزوجة والأهل والأولاد والأسرة عكس المرأة التي لها حق التصرف في نصيبها كيفما تشاء.

 لقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة، “مساواة تكاملية” فيما بينهم كل بدوره في الأسرة والمجتمع، أدوار تكمل بعضها البعض، سائرين بذلك في توازن وانسجام في طريق سلوكهما إلى الله على نور من الهدي النبوي وعلى ضوء هذا الهدي صلح الجيل الأول جيل الصحابة والصحابيات، فهل يصلح (بفتح الياء) هذا الجيل بما صلح به الجيل الأول؟ وهل يعود العدل وتعود معه الحياة إلى ما كانت عليه في عهد الصحابة والخلفاء الراشدين؟

نعود ونستظل بظل البشائر النبوية في حديثين جليلين يفسران لنا سيرورة أشكال الحكم منذ عهد النبوة إلى أن يرث الأرض عباد الله الصالحين، وتداول العدل والجور. في الحديث الأول روى الإمام أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون فيكم خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

أما الحديث الثاني فهو قوله صلى الله عليه وسلم “لا يلبث الجور بعدي إلا قليل حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره. ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل، فكلما طلع من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره”. (الإمام أحمد رحمه الله). وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب. نستنتج من الحديثين اللذين يؤرخان لتعاقب أنظمة الحكم وأشكالها وتداول العدل والجور، موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى بأن الخلافة على منهاج النبوة ومعها العدل سيعودان وأن الأمة سائرة إلى عدل ورشد. ولكن كيف نستعد لاستقبال هذا الموعود؟ هل يأتي هذا الموعود والظلم والاستبداد جاثم على رقابنا؟ أم نقوم نستعد نجاهد ونبني ونهيئ البيئة الصالحة لنزول موعود الله؟

الأرض يرثها عباد الله الصالحون ونحن في عصر الفتن أصبحنا خليطا من الطالح والصالح، فكيف نعود إلى سابق عهدنا رحمة للعالمين وملاذا للمقهورين؟ لا سبيل إلى هذا التغيير إلا بتغيير ما بأنفسنا والصيدلية النبوية فيها كل الأدوية، أدوية للفرد الإنسان وللمجتمع جماعة، تقودنا في سيرنا إلى تغيير ما بأنفسنا عن طريق المنهاج النبوي، سير ينقلنا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن زمن العادة إلى زمن العبادة ومن زمن الغفلة إلى زمن الذكر وزمن الغثاء إلى الفاعلية والجهاد البناء، جهاد يبني الإنسان فردا رجلا وامرأة في طريق سلوكهما الفردي ليتوج بجهاد جماعي ينقد الأمة من سباتها.