حكاية معذبات الأجساد شقيات الأرواح تأبى الطي والنسيان، وتأبى إلا أن ترفع رأسها بألم تارة وحزن تارة أخرى لتذكرنا بأن هناك من يعرضن أنفسهن لكل أنواع الإهانات بدءا بالسب الفاحش ومرورا بالضرب والرفس وانتهاء بالدهس حتى الموت، يسترخصن كرامتهن فداء لما به يُعِلن أسر لا معيل لها غيرهن، يقدمن أنفسهن فداء لأطفال وعائلات يحاولن العبور بهم فوق المحن والإحن نحو بر الأمان، يتوسمن فيهم مستقبلا زاهرا لا يهم أن يهلكن دونه.

هن مغربيات في بلد يزخر بالثروات من فوسفاط وصيد على واجهتين بحريتين وفلاحة غنية وسياحة نامية ومعادن نفيسة، يقدمن أنفسهن قربانا لرغيف خبز عجن بالشقاء وطبخ بالفناء.

في ظروف حاطة من كرامة الإنسان وآدميته تعاني نساء منطقة الفنيدق في معبر الذل؛ معبر باب سبتة، في صمت حد الموت، يدفعن ثمن جشع بارونات التهريب المستفيدين الحقيقيين منه، يمتهن مهنة غير مهيكلة اضطرتهن إليها قلة ذات اليد وغياب المعيل وعدم وجود بديل اقتصادي تنموي في المنطقة.

في هذا المعبر تدهس نساء كادحات تحت الأقدام وهن حاملات لسلع يتفاوت سعرها ويتعاظم بقدر ما يستطعن من حمل أثقال وإذلال أرواح وتحمل أجساد، كل ذنبهن أنهن ولدن في رقعة جغرافية سطا المحتل على جزء منها واستعبد الجزء المحادي، تحت أنظار دولة لا تملك سيادتها الكاملة على أرضها، ولا تحرك ساكنا لتحرير مواطنيها من هوان وذل “حراس” المعبر الذين يمارسون ساديتهم على نسوة يحملن من الأثقال المادية والمعنوية ما به تنوء أجسادهن وأرواحهن، ولا تسعى لإيجاد بديل اقتصادي يغني مواطنيها عن امتهان مثل هذه المهن غير القانونية والتي يغض عنها الطرف الجانبين الإسباني والمغربي، وتوفير ظروف عيش من غذاء وتطبيب وتعليم.. تصون للمغاربة وبلدهم المغرب أعراضهم وكرامتهم.

تعتبر هؤلاء النسوة بديلا عن الحاويات المفترض فيها نقل البضائع، وبتكلفة أقل، إذ هن الوحيدات القادرات على تجنب المرور من المعابر الرسمية عبر طرق أخرى توفر على التجار أداء الرسوم الجمركية. ويتراوح وزن ما يحملن فوق ظهورهن بين 50 و90 كيلوغراماً، مقابل أقل من 100 درهم.

يتراوح عدد النساء اللائي يمتهن مهنة “الحمالات” ما بين 9 آلاف و12 ألف امرأة، حسب المواسم وازدهار المبادلات بين الضفتين، ينقلن أكثر من 300 طن من البضائع يومياً على ظهورهن، ويقطعن مسافة نصف كيلومتر في أقل من ساعة عبر طرق وممرات صعبة لتفادي دوريات الحرس المدني والجمارك المغربية، وقد تصل عدد الرحلات التي تقوم بها كل سيدة إلى أكثر من خمس رحلات يوميا. فأي جسد وأية روح تتحمل ذلك؟

صباح يوم الإثنين 15 يناير 2018؛ مواطنتان مغربيتان لقيتا مصرعيهما في حادث تدافع نتيجة ازدحام شديد شهده المعبر، وقبلهما شهدت سنة 2017 وفاة ثلاث سيدات يمتهن تجارة التهريب المعيشي في نفس المعبر، مواطنتين في شهر غشت وأخرى في شهر أبريل. وقبلهن أرواح أخرى، حتى أصبح المعبر يلقب بـ”ممر الموت”.

هذه المعاناة هي بصمة أخرى لفساد الدولة، وفشل وعجز شبه كلي للمؤسسات الحكومية الصورية في إيجاد حلول اجتماعية واقتصادية حقيقية للنهوض بهذه الفئة المعوزة من وضعها المأساوي الذي يندى له جبين الإنسانية، تقف كل ثروات الوطن عاجزة أمام النظام الناهب الفاسد والمستبد؛ المسؤول الأول والرئيس عن رعاياه، كل رعاياه.

لا يسعنا إلا أن نتحسر على ملف لم يُطو بعد، ولا تزال آفاقه المكفهرة مفتوحة على المستقبل الأسود الغامض والذي تنبئ الرياح القادمة منه بمزيد من القهر والحزن والموت.

رحم الله شهيدات لقمة العيش بمعبر الموت معبر باب سبتة، وجميع شهيدات وشهداء الفقر في وطننا الغني.

في الحلقة الثالثة من سلسلة “مواطنون قتلهم الفقر في المغرب”، نقف عند كارثة وفاة 15 سيدة مغربية خرجن لطلب “خنشة دقيق” فقتلهن التفقير الممنهج .