لعلنا، كما غيرنا، كنا نتصور أن الفقر يمكنه أن يكون سببا في ضنك العيش وصعوبة الحياة وحرج تلبية طلبات الأبناء والتزامات الأسر، ولعل المرء يمكن أن يربط الفقر بكثير من الأعراض المرضية كالانحراف والتطرف والكآبة واليأس، ولكن أن يكون الفقر سببا مباشرا في الموت وإزهاق الأرواح لهو الأمر المستغرب في زمن الحقوق والحريات المدعاة، وفي عصر ينادى فيه بتوازن السلط وتوزيعها ومبدإ السيادة الشعبية والتوزيع العادل للثروة الوطنية.

تكرر مشهد الموت عند أعتاب الفقر خلال السنوات القليلة الماضية مرات عديدة في بلدنا المغرب، في مدن مختلفة ومس شرائح وفئات متنوعة وطال النساء كما الرجال والشباب، وهو المشهد -الموتُ فقرا- الذي يفند ادعاءات الخطاب الرسمي حول العدالة الاجتماعية وديمقراطية الدولة وشعارات حقوق الإنسان وثروة المغاربة المصانة.

نقف ضمن هذه السلسلة، بخشوع وحسرة، عند حالات تسبب فيها تفقير الشعب المغربي في موت مواطنين أبرياء، في آبار الفحم حيث السواد وعند معبر الإذلال بسبتة وفي أعماق الصويرة وفي جبال الريف الحزينة بل وفي قلب العاصمة الرباط، وفي عرض البحر كما على طول بر “أجمل بلد في العالم”!!

شهداء الفحم الأسود

زوال يوم السبت 23 دجنبر 2017، وحين كان شابان في ربيعهما الثالث (23 و30 سنة) يستخرجان الفحم الحجري من عمق أحد الآبار بمدينة جرادة طلبا لرزق يسد الرمق،  انهار عليهما البئر ليرديهما شهيدين؛ إذ لم يستطع المواطنون الذين هرعوا إلى المكان إخراجهما وإنقاذهما بسبب ضعف الإمكانيات المطلوبة وفي ظل غياب شبه مطلق للسلطات المحلية.

تسبب الحادث، الذي أفاض الكأس، في حراك واحتجاجات محلية استمرت طيلة الأشهر اللاحقة، إذ خرجت الساكنة في احتجاجات عقب الحادث المأساوي، منددين باستمرار تهميش المنطقة وترك أبنائها يواجهون الموت من أجل الحصول على لقمة عيش حلال. ومع تصاعد غضب السكان تمت عسكرة المنطقة وتعزيزها بالأجهزة الأمنية التي طوقت الاحتجاجات وقمعتها، وهو ما أثار استنكار المتظاهرين الذين عبروا عن تصميمهم الاستمرار في احتجاجات غير مسبوقة.

بعد دفن الشابين في جنازة مهيبة حضرها جمع غفير من أبناء المنطقة، وسط تشديد أمني على المقبرة، دخلت المدينة والبلدات المجاورة في سلسلة من الاحتجاجات والمظاهرات والأشكال النضالية المختلفة تنديدا بالوضع المأساوي الغارقة فيه المنطقة منذ عقود، ومستنكرين غياب برامج تنموية ترفع التهميش عن المنطقة وتحرك عجلتها الاقتصادية وتنهي مع الظروف المزرية التي تعيشها الساكنة.

إضرابات عامة انخرط فيها جل المواطنين، وعرض البيوت والمحلات التجارية والأزقة والشوارع للبيع، ومسيرات احتجاجية حمل فيها الشباب والرجال نعوشا رمزية لأبنائهم الذين قضوا داخل أنفاق الفحم الحجري أو لإصابتهم بالأمراض الخطيرة الناتجة عنه؛ 43 نعشا ثبتت عليها صور أبناء المدينة المتوفون خلال السنوات التي مضت، فـ43 مواطنا امتهنوا قيد حياتهم استخراج الفحم الحجري من داخل الآبار كمورد عيش وحيد بالمدينة الشرقية المهمشة، وهو حال أبناء المنطقة، قبل أن يقتلهم “التفقير الممنهج”.

ولأنه تفقير/تقتيل ممنهج، سيتكرر المشهد مرة أخرى حين سيتعرض شاب آخر من نفس المدينة لنفس المصير، إذ سيلقى شاب بمدينة جرادة حتفه زوال الخميس فاتح فبراير 2018 داخل بئر عشوائي بعدما انهار عليه وهو يهم باستخراج الفحم الحجري بمعية شخصين من أبناء المدينة، حيث استطاع بعض شباب المنطقة إنقاذهما فيما تم انتشال جثة الثالث.

حمل أبناء المنطقة جثة الشهيد، كما حملوا رفيقيه من قبل، وتوجهوا بها في مسيرة حاشدة نحو العمالة، رافعين شعارات تندد بالموت الذي يخطف الشباب والعمال داخل آبار الفحم القاتل. واستنكر الغاضبون من سياسة الدولة في تجاهل مطالب الساكنة في ايجاد حل عاجل وتوفير الخدمات الأولية للعيش الكريم.

لقد أمست آبار الفحم، منذ القرار الارتجالي بإغلاق مناجم الفحم الحجري بجرادة، “مدافن” و”مقابر” للعاملين فيها، يدفعهم إليها، رغم زهادة ما يتقاضونه من تجّار الفحم المحتكرين وأخطار الإصابة بالأمراض المزمنة التي تحيط بهم، واقع التهميش والإقصاء الذي تعيشه المنطقة. بل إن إغلاق المنجم وتسريح العمال جعل مدينة جرادة تعيش وضعا كارثيا على جميع المستويات؛ بطالة متفشية وفقر مدقع وأمراض مزمنة وأوبئة اجتماعية؛ كل ذلك في غياب تام لأي بدائل من طرف الدولة للتخفيف، على الأقل، من حدة تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لأغلب الساكنة، بحسب وصف ابن المنطقة الباحث الجيلالي تيعلاتي.

في الحلقة الثانية من سلسلة “مواطنون قتلهم الفقر في المغرب”، نستعيد شريط الموت المُذل لنساء مغربيات عند معبر سبتة.