توالت التقارير الرسمية الدولية والوطنية التي تقر بتأزم الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المغرب، منها تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة مؤخرا والذي صنف المغرب في الرتبة 126، وكذا تقرير المندوبية السامية للتخطيط بشراكة مع البنك الدولي الذي صدر أواخر نونبر المنصرم والذي أقر بارتفاع معدل الفقر بالمغرب إلى 45  في المئة؛ 12.1  في المئة منهم يعيشون تحت وطأة الفقر الشديد، مع ما شاب هذا التقرير من تعويم لمصطلح الفقر باعتماد مفهوم “الفقر المتعدد الأبعاد” والذي لا يأخذ بعين الاعتبار الحقوق الكاملة للفرد المغربي بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، مما يصب في اتجاه تحجيم عدد الفقراء في المغرب بشكل كبير، وهو الأمر الذي يؤشر عليه تنامي الكوارث المرتبطة بالفقر بين مقتول حرقا (مي فاطمة) أو فرما (الشهيد محسن فكري) أو دهسا (شهيدات معبر سبتة وكذا الصويرة) أو بسبب امتهان عمل غير مهيكل (شهداء جرادة).. ويؤكده الوضع الكارثي على جميع الأصعدة والذي يبرهن على فشل سياسات المخزن الارتجالية، ولاجدوائية مشاريعه ومبادراته في مجال التنمية، حيث تتفاحش الهوة بين أقلية تستفيد من خيرات البلاد (اقتصاد الريع) وأغلبية ساحقة تعاني من أجل الحصول على لقمة العيش.

لتسليط الضوء على ظاهرة الفقر في المغرب، استقى موقع الجماعة نت تصريحا للباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية الأستاذ شعيب عاهدي، الذي افتتح كلامه بقولة للمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: “لا يوجد شيء اسمه بلد فقير يوجد فقط نظام فاشل في إدارة موارد البلد”، مؤكدا أن “المغرب لا يشذ عن هذه القاعدة، بالرجوع لتقارير المؤسسات الوطنية الرسمية، واستنادا للخطاب الرسمي جاوز عدد الفقراء 12 مليونا، كما أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات اعتبر أن المغرب يسير بقوة نحو مصير الدولة الفاشلة، وكل السياسيات العمومية الموجهة للتنمية ومساعدة هذه الفئات الهشة أثبتت عدم فاعليتها، وخلص الخطاب الرسمي إلى فشل النموذج التنموي المتبع منذ عقود، ليصبح السؤال مشروعا لماذا فشلت هذه السياسات والوصفات الرسمية المتبعة في خلق نموذج تنموي حقيقي يحقق التنمية ويقطع مع الفقر والتخلف؟ وكيف السبيل لإنقاذ البلد قبل فوات الأوان؟”.

طالع أيضا  مواطنون قتلهم الفقر في المغرب.. موت مُذلّ على معبر سبتة

وأرجع الباحث والمحامي بهيئة طنجة أسباب هذه الظاهرة إلى “التخريب الممنهج للاقتصاد الوطني، وإغراق البلد بالدَّين الخارجي القياسي، ورهن البلد للمؤسسات المالية الدولية، والتنازل عن السيادة الوطنية بالاستجابة للإملاءات الخارجية، وقيام الاقتصاد المغربي على الريع والامتيازات، وعدم تنافسيته..” مما “يجعل أي هزات خفيفة هنا وهناك تعصف به”.

وأردف عاهدي موضحا أن “الحديث عن سياسات اقتصادية وتوصيات لمؤسسات دولية قد تفضي بالبلد نحو التنمية، منطق ساذج واستخفاف بعقول شعب جرب المجرب منذ عقود، وأن عمليات الترقيع السياسي أو الاقتصادي لا تعدو أن تكون إضافة ماء نظيف في نهر وسخ في أحسن الأحوال”.

وأفصح عاهدي أن “الغيرة على السيادة الوطنية، والحرص على المصلحة العامة للشعب والأجيال القادمة، وشرعية الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي عناوين مركزية لإنجازات الحكومات في كل الدول الديمقراطية التي تحترم نفسها”، واستحضر بعض النماذج الدولية التي تجد حكوماتها صعوبة في تمرير القوانين المصيرية “ها هي الحكومات الفرنسية أو الإسبانية أو الألمانية تجد عنتا حقيقيا وصعوبات بالغة في تمرير قوانين عادية فما بالك بالقرارات المصيرية!!” موضحا “هنا تكمن خطورة أعمال حكومة تعاني أزمة تمثيلية وشرعية بنيوية، حكومة منبثقة عن 18% فقط من الكتلة الناخبة حسب آخر انتخابات تشريعية عرفها المغرب في 7 أكتوبر 2016!! .. حكومة أقلية تتخذ قرارات استراتيجية ترهن البلاد والعباد، وتعبث بالاستقرار الهش، وتدمر مقومات الدولة”.

واستدعى الباحث في العلوم السياسية قرار تعويم الدرهم شارحا “هذا القرار جاء بناء على توصيات صندوق النقد الدولي، ولك أن تتخيل سلفا، النتيجة المباشرة لهذا القرار الانفرادي الأحادي وتداعياته البنيوية على بلد بالكاد يقف على رجليه..” مستشهدا بـتوصيات سابقة للبنك ووصفات مجربة، عصفت بكل قطاعات البلد الاستراتيجية، وأوصلته إلى مراتب الدول الفاشلة حيث لم يغادر المرتبة 126 حسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة”.

طالع أيضا  ظواهر ينتجها الفقر في المغرب.. زادت الهموم وتأذى بسببها العموم

وزاد عضو لجنة العلاقات الخارجية بجماعة العدل والإحسان موضحا: “تعويم الدرهم سيؤدي حتما إلى انعدام التوازن المالي الشديد، بحكم طبيعة الاقتصاد المغربي الهش، وبالتالي إلى انهيار الدرهم وإفلاس الدولة، وهو ما سبق أن حصل لتايلاند حيث انهارت عملة البات التايلاندي وأفلست البلاد، فانطلقت معها الأزمة المالية الأسيوية شهر يوليوز سنة 1997”. واسترسل قائلا في نفس الصدد: “الأزمة المالية عصفت كذلك بأندونيسيا، حيث اضطرَّ إثر ذلك الرئيس الإندونيسي سوهارتو إلى الاستقالة في 21 مايو عام 1998 بعد ثلاثين عاماً من الحكم المتواصل، وذلك إثر احتجاجات عارمةٍ أعقبت ارتفاع الأسعار في البلاد”. ليسوق مثالا إيجابيا “أما الاقتصاد الماليزي ونموذجه التنموي فقد قاوم لما رفض تحرير عملته بناء على وصفات وتوصيات صندوق النقد الدولي فوصل لما وصل إليه الآن من تنمية ورفاه”.

واستقى عاهدي بخصوص فشل الدولة في تحقيق التنمية كلام الكاتبين دارن اسيموجلو وجيمس روبنسون في كتابهما “لماذا تفشل الأمور، أصول السلطة والازدهار والفقر” بأن “السياسة الحمقاء التي يديرها مسؤولو الدولة هي التي تجعل كثيرا من الدول تفشل في تحقيق التنمية والتطور. وأن المؤسسات التي يقيمها الإنسان وليس الموقع الجغرافي أو التاريخي هي التي تحدد ما إذا كانت دولة ما ستصبح غنية أو فقيرة… وأن الدول تنجو فقط من شبح الفقر عندما تمتلك مؤسسات اقتصادية فاعلة ويكون لديها نظام سياسي تعددي”.

وطرح عاهدي سؤالا اعتبره “مشروعا” وهو: “لماذا تقدمت كثير من البلدان الديمقراطية، وماهي الأسباب التي حققت بها تنميتها ونهضتها؟”. ليجيب بأن “المدخل المنطقي لأية تنمية لا يكون إلا بالديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية، وأن العبور الآمن من الاستبداد السياسي إلى الانتقال الديمقراطي هو السبيل الوحيد لبناء نموذج تنموي حقيقي”.

وليؤكد طرحه جلب عاهدي نماذج دول استطاعت زيادة دخلها القومي الإجمالي بخروجها من نفق الاستبداد قائلا: “إذا كان الانتقال من الاستبداد العسكري إلى الديمقراطية قد أوصل كوريا الجنوبية إلى ارتفاع قياسي جدا في الدخل القومي الإجمالي وصل إلى1756  مليار دولار سنة 2015 ، بعدما كان 40  مليون دولار فقط سنة 1953. وإذا كان الانتقال الديمقراطي في تركيا قد أوصل دخلها القومي الإجمالي إلى 1523  مليار دولار سنة 2015 ، بعدما كان لا يتجاوز 236  مليار دولار سنة 2002، في أفق أن يصل إلى 2  تريليون دولار سنة 2023، ولتنتقل من المرتبة 111 عالميا سنة 2002 إلى المرتبة 17 سنة 2011. وإذا كان الانتقال الديمقراطي قد أوصل جنوب إفريقيا إلى دخل قومي إجمالي قدر بـ705,3 مليار دولار. وإذا كان الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي قد أوصل الدخل القومي الإجمالي لإثيوبيا من6,9  مليار دولار سنة 1994  إلى 61,5  مليار دولار سنة 2016، كما أدى إلى انخفاض نسبة الفقر من 50% إلى 20%، وهكذا.. فإن إثيوبيا حجة على كل الحكومات العابثة بمصير البلاد والعباد. وإذا كان الانتقال الديمقراطي بإسبانيا قد أوصل دخلها القومي الإجمالي إلى1601  مليار دولار سنة 2015، بعدما كان اقتصادها في الحضيض بفعل الاستبداد الفرانكي.. فلماذا يُصِر المغرب على التحصن بالرتبة 126 ضمن مؤشر التنمية البشرية بمعية الدول المستبدة الفاشلة، وبدخل قومي إجمالي لا يتجاوز 100 مليار دولار فقط؟ وبمديونية قياسية جاوزت 90 مليار دولار!!”.

طالع أيضا  الفاو: 3.9 % من سكان المغرب يعانون سوء التغذية

وخلص عضو لجنة العلاقات الخارجية للجماعة أنه “بناء على ما سبق، يتضح أن تكلفة الاستبداد باهظة جدا على جميع المستويات؛ السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والأمنية..” وأن “المغرب في حاجة ماسة لمقاربة سياسية استراتيجية شاملة وتشاركية لإنقاذ البلد”. وأن “التغيير الحقيقي والعميق مطلوب لإنقاذ البلد”، إذ “الوطن أكبر من الجميع، والشعب المغربي يستحق وطنا كبيرا، حرا، قويا، ديمقراطيا، يسع كل أبنائه”.