يعتبر الفقر من القضايا الدائمة الثي تؤثث النقاش العمومي في المجتمعات المختلفة، ذلك أن السياسات العامة أو العمومية عادة ما تتوجه مخرجاتها النهائية نحو توفير حياة كريمة في أبعادها المتعددة للأفراد، وبالتالي للمجتمع. ويكون معدل الفقر فيها عادة بمثابة رائز لجدوى وفعالية هذه السياسات التنموية في إيصال ثمرتها بشكل عادل للأفراد، وتحسين مستوى عيشهم، وتسهيل ولوجهم للخدمات الأساسية في الحياة. وقد بدأ الحديث أكثر في السنوات الأخيرة عن “النمو المدمج” كمؤشر يأخذ بعين الاعتبار مؤشرات التنمية البشرية، ويوسع مجال “النمو التقليدي” الذي لا يقيس بشكل دقيق كيف توزع الثروة داخل المجتمعات اجتماعيا ومجاليا، ويسائل الأرقام المعلنة إن كانت تنعكس فعلا على حياة الناس اليومية، وحاجياتهم الصحية والتعليمية والسكنية والأمنية وغيرها.

خط الفقر العالمي

عادة ما يستند الباحثون في تعريفهم للفقر إلى تعريفات البنك الدولي، الذي يحدد خط الفقر العالمي

في 1,9 دولار كدخل يومي للفرد، كحد فارق بين “اللافقر” والفقر المدقع. وهذا التعريف عادة ما يتم حسابه بصيغة رياضية تجمع معدلات الفقر في أشد بلدان العالم فقرا، وتصححها من خلال توحيد أداة القياس “العملة”. ويلجا البنك الدولي لهذا المؤشر لتشكيل صورة عامة عن مستويات الفقر المدقع عالميا، ولقياس مدى التقدم نحو “الأهداف العالمية” التي حددها. الشيء الذي يجعل هذا المؤشر فاقدا للدلالة الحقيقية 1 التي يمكن أن تعتمد عليها حكومة معينة لتبرير واقع الفقر لديها، ذلك أن كل دولة مدعوة لتحديد خط الفقر الخاص بها، والذي يأخذ بعين الاعتبار مقدراتها ومقوماتها، ومدعوة في الوقت ذاته لتعميمه حتى يكون الشعب قادرا على تتبع ما يرفع من شعارات في الموضوع، وما يصاغ من سياسات للحد من الفقر، ومحاسبة كل من يعبثون بعيشه الكريم ومقدراته الوطنية.

طالع أيضا  92% من أبناء الأسر الفقيرة بالمغرب محرومون من التعليم والصحة

تمثلات الفقر في المغرب وأسبابه

وإذا استحضرنا الواقع المغربي، فالمغرب يعتبر من الدول المصنفة في خانة الدول الفقيرة، إذ كشف تقرير صادر عن المفوضية السامية للتخطيط بشراكة مع البنك الدولي، أن معدل الفقر بالمغرب ارتفع إلى 45 في المئة سنة 2017، حيث كان يبلغ 41,8 في المئة سنة 2007. وإذا ابتعدنا عن المؤشرات والأرقام على أهميتها، فليس صعبا على الباحث أن يرصد تمثلات الفقر، وجذور تغذيته ظاهرة في مختلف مناحي حياة المجتمع المغربي. فإن كان الوصول إلى بعض الإحصائيات الدالة من قبيل عدد الوفيات الناتجة عن عدم القدرة المادية على التطبيب، أو عدد الوفيات الناتجة مثلا عن العيش في ظروف مناخية قاسية، أو العمل في شروط لا صحية، أو عدد الأطفال الذين حرموا من حقهم في التعليم لأسباب مادية أو غير ذلك مما قد تتستر عليه الحكومات مخافة المتابعة والمحاسبة، فإن تمثلات أخرى من قبيل الاحتجاجات الاجتماعية المتنامية، والتي صارت تنتقل من احتجاج أقليات إلى احتجاج مناطق بأسرها، تخرج عن بكرة أبيها لتجلي حالة الغضب واليأس الذي سببه توالي السياسيات “التنموية” الفاشلة والمعاقة في هذا البلد، وكذا نسب الهدر المدرسي في المغرب، ونسب العزوف عن الزواج، ونسب العمل في صفوف النساء خصوصا المتقدمات في السن، كلها مظاهر وأعراض لمرض واحد وهو التفقير الذي تعاني منه فئات واسعة من هذا الشعب.

وإذا أردنا أن نشخص الأسباب التي تغذي جذور هذه الظاهرة، فإننا يمكن أن نتحدث عن مستويات مختلفة، أولا، على المستوى الخارجي لا بد من أن نعي أن التفقير أصبح في زمننا سلاحا يستعمل لإرضاخ شعوب وأمم، وجعلها خاضعة تابعة مستهلكة لما تجود به عليها قوى الاستكبار العالمي دولا ومؤسسات من فتات المساعدات، ولا أدل على ذلك مما يفرض على الدول الفقيرة المدينة من المؤسسات المالية من سياسات تقشفية، أو ما خلفه الاستعمار من معاهدات تبعية استنزافية للشعوب، أو فوائض الإنتاج التي تشح بها الدول الغنية على نظيرتها الفقيرة في العالم. كل ذلك في نسق واحد يراد به أن يبقى العالم مقسما بين دول متقدمة مصنعة حاكمة، وأخرى متخلفة مستهلكة محكومة.

طالع أيضا  قتل الشهيدة حياة عنوان لقتل الحياة في هذا البلد! فهل من استدراك لإيقاف نزيف الوطن!؟

وثانيا على المستوى الداخلي لا بد أن نعي أيضا أن الأنظمة الحاكمة في أمتنا لا يمكنها أن تمثل يوما إرادة شعوبها التواقة للتحرر، وبناء نهضتها الشاملة، وتحقيق أمنها الدوائي والغذائي والأمني، ومن ثم فإن التفقير لا يمكن إلا أن يستعمل سياسة تُبقي الشعوب رهينة البحث عن الحد الأدنى للعيش، وبالتالي زهدها الاضطراري القهري في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكاملة. وفي ذلك استمرار للاستبداد، ورسوخ للفساد المنتفع به أقلية الأقلية على حساب الشعوب الفقيرة.

وثالثا، على المستوى الفردي، فمن أسباب استمرار الظاهرة ما رسخ في أذهان العامة، لطول ما أُسيء تعليمهم واللعب بعقولهم، من أن عليهم القبول ببؤسهم، والرضى بحالهم تحث مسوغات وأفكار يسوقها الأقوياء لتخدير المستضعفين، يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: “وزاد هذه الذهنية رسوخا في أرض الخمول العام شراسة الظلمة المتعاقبين على الحكم إبان الملك العاض ثم الجبري. وبلغ تبلد العامة حد الموت السياسي الذي نعرفه ونشكو منه: الدعوات الرسمية والمتدروشة إلى الزهادة والقناعة وغض البصر عما يبتزه منك الأقوياء”. 2

إن الفقر كغيره من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية، إن قاربناه باجتهادات تجزيئية بمعزل عن هذه الأسباب التي تستثمر في استمراره، ما تفتأ أن تؤول جهودنا إلى الفشل، ذلك أن الشعوب في التجارب العالمية المختلفة لا تبدأ نهضتها ورقيها إلا بعد أن تتحرر، وتملك زمام قرارها الاقتصادي والسياسي، حتى إذا فعلت قاربت اشكالياتها مقاربة شاملة تبدأ بجذورها وتنتهي بمعالجة مخلفاتها. وحول التحرر من ربقة الاستبداد بمختلف أوجهه يجب أن تتوحد جهود الصادقين، وتتسق حركتهم.


[1] حسب البنك الدولي: “ففي أي بلد متوسط الدخل، على سبيل المثال، حيث خط الفقر هو 4 دولارات يوميا، قد يصبح خط الفقر العالمي غير ذي صلة مقارنة ببلد أكثر فقرا حيث خط الفقر الوطني يقارب 1.65 دولار”.
[2] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا – الصفحة 424