نعرف أنك مشتاق إلى ابتسامات أطفالنا، ومرح صبايانا، وأنت ترى صغارنا وكبارنا في مخيلتك، يلاعبون بعضهم بِنُدَفِكَ، ويتراشقون بأكوام صغيرة منك، ونعرف أنك تريد أن تكسوَ نهارَنا بردائك الطاهر الجميل، وتصبغَ أياما من أعمارنا ببياض طلعتك وصفاء إهابك…

نعرف أنك تريد تقبيل هذه الأرض، فلطالما أنجبت أولياء وصلحاء أفذاذا، ومقاومين ومناضلين أشاوس، وعشاقا وشعراء رائعين، وطيبين وبسطاء أطهار، نعرف أنك تحبُّ هؤلاء الطيبين الطاهرين، وتريد أن تعانق المساكين المغلوبين، وتُدْخِلَ رجفةَ الانبهار بالجمال إلى قلوب أغلق المغولُ عليها نوافذَ الأمل، وسوّدوا بياضَها بفسادهم وأنانيتهم.

أيها الثلج البهي! نعرف أنك لم تزرنا منذ مدة طويلة في بعض مدننا المتعبة، وقرانا الحزينة، ونعرف أنك تريد أن تكنسَ غبارَها، وتواريَ – بلمسة حسنك – كدماتِ الزمن القاسي الذي عنّفها بلا رحمة، وتضعَ باقةَ وردٍ في سرير أمراضنا المزمنة، عسانا نشمّ عبيرَ عافيةٍ صارت متعذّرة..

نعرف أنك رسول صفاء ومحبة، وبشير أمل، وداعية سلام ووئام.. ولكن..!

لعلّك لا تدري بأنك تضيف إلى مآسينا جراحا جديدة بقدومك، فتذكرنا بأننا ما زلنا لم نبرح زماننا وأقدارنا منذ ستِّين عاما، وأننا رغم كل الكلام وكل السجون والعرق والتعب، نعود القهقرى سراعا إلى الصّمت والسواد والغبار اللَّعين..

أيها الثلج البهي!.. لعلّك لا تدري أنك، ببياضك الناصع، تذكِّرُنا بتلوثنا وحجم قذاراتنا، وتكشف كمّ الأوساخ العالقة في أرواحنا الخنوعة وضمائرنا المحتضرة وإراداتنا المشلولة ونظراتنا البائسة..

لعلّك لا تدري – يا ثلجُ!- أننا ما زلنا – في عهد قمرنا الاصطناعي، ندغدغ جوعَ قُرانا النائية بوعود الرّخاء المتدحرجة بلا حياء منذ ستين عاما ولا أمل، نساؤنا الحوامل لا يزلن يضعن أجنّتهنّ في الطرقات البدائية، ومرضانا ما زلنا نزفُّهم إلى الموت البطيء على ظهور الدواب، ونقطع أنهارنا سباحة إلى مستوصفات الأشباح..

وما زلنا – يا ثلجُ!– كرماء جدا، كما عهدتنا دوما، نبني عواصم الآخرين، ونكتفي بالعفاف والكفاف لأهل الدّار إن وجدنا إليه سبيلا، نسارع في إغاثة الملهوف البعيد، ونأمر ذوينا بالصبر الجميل واحتساب الأجر والثواب، نغدق على الأمور الصغيرة الطائشة، لبعض ضيوفنا، ونختار لعيال البيت السغّب، انظر! لا أحد يشتكي الجوع، فنحن شعب صابر “متوكّل” منذ الأزل، ونحن الطيبون دوما، ونحن المخلصون إلى الغرغرة.

أيها الثلجُ العزيز! صحيح أننا نحبُّ أن نراك في التلفاز، ونهفو إليك حينما يحكي لنا المحظوظون عن جمالك وسحر التزحلق عليك، والتراشق بك، والارتماء في أحضان وداعتك. صحيح أننا نحبك كثيرا حينما نراك في الصور والفيديوهات الموضّبة الساحرة، منبسطا كمهادِ فطرةٍ نقيّة، أو مشكّلا في رموز السعادة وتماثيل الجمال، ونكاد نُجنّ حينما نرى طيفك في التماعة العيون الجميلة وهي ترنو إليك بعدما أحكم الجسد المكتمل ملابسَه المتينة واحتياطاته الجيدة، استعدادا لملاعبتك والتجوال في مرابعك.. ولكننا – مع كامل الأسف – حائرون وخائفون كما ترى.. لا نكاد نخرج من حزن إلا لندخل آخر..

أطفالنا المشتاقون إليك سنغالب شوقهم ونداري فرحتهم بحلولك، وعيوننا الملهوفة سندرّبها على وداعك، وأماني عُشّاقنا سنؤجّلها لقابلِ وقتنا المرهون.. فارحل سريعا أرجوك، فقد مات أطفالُنا في غياب أية مساعٍ لتدفئتهم، ومات بعض الشيوخ من شدة البرد دون إنجاد، وتجمّدت مواشينا التعيسةُ في قرّ الصقيع، تاركةً أطفالَنا بلا حليب، وجيوبَنا بلا دريهمات لمقاومة زحف الجوع في “المغرب الأخضر”..

أيها الثلج العزيز! اعذرنا، في كل الدول التي تحلُّ بها جذلانا فرحا، تُحْدِثُ بعضَ الشغب، وتقع بسبب حماستك بعض الحوادث الصغيرة، لكن هناك دوما من يسارع وينجد ويتفقد ويحتاط.. هناك دوما من يهتم ويعزم ويقدّر ويتدخّل ويسأل.. لكننا في هذا البلد السعيد، مشغولون جدا، و”أولوياتنا” لا تسمح بهذه بمثل هذه الأمور، وتعرف يا ثلجُ، أننا بالكاد “نستتبّ أمننا”، و”نضبط” أوضاعنا، ونسدّ أفواهَ بعض من يتجرّأ فيصرخ في وجهنا. تعرف يا ثلجُ، أننا في غنى عن كل فرح ينقلب إلى ترح، ويجلب لنا المزيد من الصراخ والأنين، والذي قد يؤدي بدوره إلى تهديد “سلمنا” والمسّ ب”استقرارنا”.. و”الاستقرار” – كما تعلم-  في بلادنا أهم من قيمة المواطنين، ومن الحياة نفسها حسب نهجنا “المسدّد” وطريقنا “المؤيّد”..

أيها الثلج معذرة! اِرحل سريعا أرجوك.. فإننا لا نحبّك إلا من بعيد..

هذا قَدْرُنا وقَدَرُنا.. فتقبّل حقيقتنا أرجوك.. وغادر بسرعة، قبل أن يغفو المزيد من الناس بلا أمل، ويتجمّد الوطن اليتيم..