تحل اليوم، 6 فبراير 2018، الذكرى الخامسة والخمسون لوفاة المجاهد الكبير والأسد الجسور محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله، أحد أعلام المغرب الكبار ومجاهديه الأبطال ومربي أجياله العظام.

ولد مولاي موحند، كما لقبه الريفيون، في أجدير بالمغرب عام 1882 وتوفي في القاهرة يوم 6 فبراير 1963، رجل سياسي وقائد عسكري وصاحب إيمان عميق. كان قائدا للمقاومة ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي للمغرب، وأحد أهم قادة الحركات التحررية في النصف الأول من القرن العشرين.

بهذه المناسبة نستمع لكلمات الإمام المجدد عبد السلام في المجاهد الكبير محمد بن عبد الكريم، رحمهما الله، من كتابه “حوار الماضي والمستقبل” (ص 34 – 39) يتحدث فيها عن جهاد الرجل ومرجعيته وسيرته:

“الإيمان، والإيمان وحده” كانت كلمةَ مجاهدٍ قادَ مجاهدين، منهم من قضى نحبه إلى رحمة الله، رحمهم الله. وانتظر ابن عبد الكريم في المنفَى بضعا وعشرين سنة (1925- 1947) فماذا كانت كلمتُه بعد أن نظَّم فرارَه إلى القاهرة رجالٌ وطنيون لم ينسَوْا فضلَه؟

وجد ابن عبد الكريم في القاهرة وطنيّين مغاربيين من تونس والجزائر والمغرب انتظموا في جمعية سياسية اسمها “مكتب المغرب العربي”. عنوان متواضع لنشاط متواضع انحَصر في الإعلام السياسي والتعريف بقضايا المغرب العربي وتدبيج المقالات وإقامة الحفلات.

بعد بضعة أشهرٍ أسس الريفي المجاهد “لجنة تحرير المغرب العربي”، أرادها أداة عمل لا معرضَ كلام. فماذا كان البندُ الأول من ميثاق اللجنة؟ هل يتطابق قصدُ العمل المستَأنَف والكلمة التي أنهت جهادا مضى؟

كتب ابن عبد الكريم في البند الأول “المغرب العربي بالإسلام كان، وبالإسلام عاش، وعلى الإسلام يسير في حياته المقبلة”. طريقة واضحة كانت وبقيت. لا الصّدام الشديد مع جيوش الدولتين الأوربيتين صرفَ النيةَ عن قصدها، ولا طولُ المُقام في جزيرة النفي أوهَى العزيمة الإيمانية.

كان من أوائل عمله المستأنَف أن دعا الموظفين المسلمين في الإدارة الاستعمارية إلى توبة. شديدا كان على الكفار في المواجهة العسكرية، رفيقا رحيما بينه وبين التائهين من أبناء الغرب الإسلامي كما كان يُعبر. وهي سِمَةٌ من سِمات المومنين أشداء على الكفار رحماء بينهم.

كتب في رسالته إلى أبناء المغرب العربي ما يلي بلغني أن البعض منهم (من الموظفين) لا يُراعي في إخوانه الأهالي إلاًّ ولا ذِمَّةً (…) ولا شك أنهم إن لم يتُوبوا ويثوبوا إلى الاستقامة والنزاهة والعمل لرفع شأن الوطن بإقامة العدل في الأمة فسيجازَوْن عاجلا أو آجلا، إنْ خيراً فخيْرٌ، وإن شرّاً فشرٌّ. والله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولاتموتُنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون﴾ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبْلكم وإيَّاكم أن اتقوا الله.).

قال: والله أسألُ أن يوفقنا جميعا لما فيه سعادةُ الدارين ورفاهية الوطن وتحريره نهائيا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.)أخوكم عبد الكريم الخطابي 5-1-1948..

نقف عند هذه الرسالةِ لنستَكْنِهَ نية المجاهد المسلم. ماذا كان يفعلُ لو وصل إلى السلطة ومارسها في دولَةٍ أكبَرَ من جمهوريته التي لم تُعَمَّرْ طويلا. هذا الذي كان الإيمانُ بالله وباليوم الآخر عقيدَتَه، وكان القرآن شاهِدَه. وكانت سعادةُ الدارين مطلبَهُ لنفسه وللمسلمين، كان مذهبُه في علاج آلام الماضِي وانحرافات الماضي واضحا. كانت له رُؤيَةٌ مستقبليَّة في كيفية طَيِّ صفحاتٍ لا تَسُرُّ. كانت في ذهنه وقلبه مترادفات قرآنية: (الإيمان، والإيمان وحده = اتقوا الله حق تقاته = لا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون = سعادة الدارين). وكانت التوبةُ والدعوة إلى التوبةِ أصلا من أصولِ عمَلٍ مستأنفٍ يصِلُ حاضرا بمستقبل، ومستقبلا بماضٍ.

كان ماضي جهادِه إيمان، وتقوى، واستشهاد في سبيل الله، وعدل، وصلاة، وزكاة.

كان رَتّب في جمهوريته نظاما متكاملا كأحدث ما يَكون النظام، في نطاق وسائله المحدودةِ، وفي معمعان حرب لم تتوقف يوما واحدا طيلة ستة أعوام. كان له مجلسٌ وطنيٌ مكَوّنٌ من ممثلي القبائِل يشاورُهم – وهو قائد حرب ورئيس دولة – في شؤونهم المدنية والعسكرية. وكانت شؤونا متداخلة، إذ لم يَكن هناك جيش منظّم متفرغ للجهاد، إنما كان الشعب كله مُعبأً. يُطِل هذا على بيْدَر حِصاده إطلالة، ثم يَخِف إلى ميدان القتال.

أقام العدلَ فَخلَت السجون إلاَّ مِنْ أسرى الحرب. أقام الزكاة الشرعية فاستغنى الفقير.

العدلُ كان هاجِسَهُ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نموذجه كما يدُل على ذلك لقبُه الذي اختاره تيمُّناً، وَوَرثَهُ نسباً. فهو من ذرية عمر الفاروق رضي الله عنه. رجل الإيمان، وجهاد المومنين، شغلاَ العالَم قاطِبةً طيلة ست سنوات. فزِعت أوربا واهتز حُلْم الاستِعْمَار.

وانكبَّ كلٌّ يُؤوّل الانتصاراتِ الباهِرَة تأويلَه. عبد الكريم الخطابي (يلغون اسمه الحقيقي محمد) بطل، عبقري، جنرال استثنائي، حرْبٌ ما سُمع بمثل نتائجها، تكتيكيٌّ مُبدِع، عقل جبار، مهارة مُذهِلة.

يؤوِّلُون ويُبْهَتُون، والرجل رجلُ الإيمان، والإيمان وحده في حقيقته.

لم يكن المسلمون الوطنيون المؤسّسون رحمهم الله، وفي مقدمتهم ابن عبد الكريم رحمه الله ورجالُه، بحاجة إلى تميُّزٍ غيْرِ التميّزِ باليقظَة والوعيِ ومقاومةِ العدو الداخل عن المتبلدين والمتعاونين والنائمين .لم تكن إسلاميتهم، وعقيدتُهم مَحَل شكٍّ.

فلما أفسد في أرض العقيدة وسماءِ العقولِ الخلْفُ المختلطون على مدى أربعين سنةً احتيجَ إلى تمييز بين مسلمين وإسلاميين.

احتيجَ لتمييز في العبارةِ المعرِّفةِ، لأن المعَرَّف بكلمة “مُسلم” نكِرَةٌ مقنّعَةٌ “فمسلمون” بلا صلاة، و”مسلمون” بلا عقيدة، و”مسلمون” يكرهون الشريعة، و”مسلمون” يحتفلون مع أعدائنا فرحا بمناسبة كارثةِ أمتنا: التطبيع مع اليهود الصهاينة.

كان العدوّ هاجما من خارج، معروفةً نيّتُهُ، مكروهاً حضورهُ، ممْقوتاً وُلوغُهُ في دمائنا وأموالنا. لذلك ركّزَ المسلمون الوطنيون المؤسسون رحمهم الله على مقاومة العدو الخارجي. لم يفطنوا إلى المَكر الخفيّ الذي استحمر عقول أبنائهم وبناتِهم.

وانجَلى الاستعمار القديم، وبقي استعمارُ اللغةِ، لغةِ اللسانِ، ولُغةِ التفكير، ولغةِ المعتَقد، وُكلاؤُه من مخلفاتِ استِعمارٍ واجههُ بالنار ابن عبد الكريم وَوَرَثَتُه المقاومون، وواجهه بالنضال السياسي علال الفاسي وابن الحسن الوزاني وجيلُهم السعيدُ رحمهم الله.

وها نحنُ نعانِي آثار الغزْوِ الداخليّ. فنحن نرَكّزُ على شكّ دخل عقيدتَنا، على وسوسة شيطانيّة تسوّل، على سوسٍ إلحادي يَنْخَر في العقول، على دخيل متلبِّسٍ بلباس الإسلام والقلوب ذئبية.