“أدبني ربي فأحسن تأديـبي” حديث شريف. ليس الأدب أداة تسلية وتلهية، بل هو أداة تربية وتنشئة، ووسيلة تعبئة وتوجيه. لكن ما التربية التي نريد؟

التربية تغيير ما بالنفس الإنسانية حتى يغير الله عز وجل ما بها فيتغير ما حولها. التربية تشكيل للنفس البشرية بيد الصحبة الحانية. ننظر كيف ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام رضوان الله عليهم فنقلهم بإذن الله من حال إلى حال.. ننظر كيف شعت نورانيته النبوية المستمدة من اتصال وثيق بالحضرة القدسية الربانية على قلوبهم، فجعلتها مقبلة على الله منيبة إليه، واقفة على بابه ترجوه وتطلبه لتنال القرب وتفوز بالرضا، وتحصل البشرى وزيادة.

التربية تغيير ما بالقلب لينقى ويرقى على مدارج الإيمان ومعارج والإحسان. إنها عملية صياغة وبناء للذات الإنسانية تقوم بها يد حانية تتعهد هذه النفس الأمارة المريضة ببلائها وأدوائها، تتلقى من القلب الكبير الرحيم مادة الإيمان تتشربها فإذا هي مطمئنة بذكر ربها متشوقة إلى ما عنده، مسارعة في الخيرات متزودة بالتقوى.

يكون الإبداع الإسلامي أداة تربية يوم يسهم في غرس نبتة الإيمان في القلوب، لما يدعو الفرد الإنسان إلى معرفة ربه عز وجل، والسعي إلى التحبب إليه عز وجل والسلوك إليه وطلب ما عنده ورجاء فضله ومنه وكرمه، يوم يذكرنا الله واليوم الآخر ويهذب نفوسنا بالمعاني الرقيقة الراقية الصافية، ويبعث فينا إرادة معرفة ربنا سبحانه، وإرادة الجهاد في سبيله.

إن مهمة الأدب الإسلامي أن يسعى بفنونه المتعددة إلى مخاطبة فطرة الإنسان وتهذيب ذوقه ووجدانه وربطه بالوعي الأسمى، وعي هذه الفطرة أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

يكون الأدب أداة تربية، بل يكون إسلاميا حقا يوم يجرؤ على مخاطبة بني الإنسان وتبليغه نبأ المبتدأ والخبر.

أي مبتدأ أجدر بأدبنا أن يحمله؟

وأي خبر أمثل له أن يبلغه؟

أيها الإنسان.. أيها الأديب:

ما الرسالة التي يمكن أن نحملها إلى أنفسنا، نذكرها، نقرعها نأخذ بتلابيبها عساها تتعظ؟.. ما الخطاب الذي يمكن أن نبلغه إلي غيرنا، نسمعه الخير، نذكره الحق، نحاوره…؟

مبتدأ الأمر، ومبتدأ الكلام، وأسه المتين ورأسه المكين أن الله عز وجل موجود: هو الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، هو الرحمان الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المومن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور، له الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم 1 .

الله عز وجل موجود.

خلق الإنسان وصوره فأحسن تصويره.

وخلق الكون وقدر فيه ما شاء فأحسن تقديره.

وأنعم على المخلوقات من فضله وكرمه نعما كثيرة.

لسنا أيها الإنسان المشرف المكرم أمام صدفة كيماوية تطورية ماكرة هي التي صنعت وخلقت ورزقت. كما تكذب به علينا فلسفات التشكيك والتغريب.

المبتدأ هو أن الله عز وجل موجود لا إله إلا هو.

أنت مخلوق له، بمشيئته خرجت إلى الوجود من العدم، ولو شاء ما كنت، وما وجدت، وفي نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة تتقلب تعيش وتتنعم.

أما الخبر الذي يجب أن يلقى إليك، ليتم لك المعنى ويستقيم لك المبنى، وتتم لك الفائدة: أننا إلى الله عز وجل نعود ونرجع، وإليه سبحانه نؤوب ونحشر، وهو الذي إليه تحشرون 2 .

نعم والله..

ما خلقت عبثا، وما وجدت هباء منثورا، وكنت هنا سدى.

نعم والله..

نموت ونقبر، ونبعث ونحشر، ونحاسب فنجازى بالخير أو بالشر نجزر.

إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون 3 .

بعد الحياة الدنيا الدنية الفانية، هو الموت لا مناص يأتي بغتة، ويأخذ فجأة.

الموت إن اذكرت به أيها الإنسان كان لك:

موعظة تذكرك.

وقفة تبصرك.

توبة تطهرك.

وبعد الموت قبر وبعث وحساب وجنة ونار.

ما هذه أحجيات وألغاز، أو خرافات ورجم بالغيب، الموت حقيقة واقعية نراها، نحياها، تمر بنا كل يوم بل كل حين، وخبر ما بعد الموت، وما هناك من قبر وبرزخ، وبعث ونشور، ووقوف بين يدي الملك الديان الحكم العدل، خبر لا يحدثك عن مضمونه إلا آيات القرآن وأحاديث المصطفى النبي العدنان، أو أديب متح من نبعهما واستقى من حوضهما وارتوى من عينهما.

ذاك -سيدي الإنسان- هو المبتدأ.

وهذا -أخي الأديب- هو الخبر.

وهذا هو الخطاب الذي يكون به الأدب الإسلامي ناصحا رفيقا مشفقا دالا على الحق الذي لا مرية فيه معلما باليقين الذي لا ريب فيه. وبهذا المعنى يكتسب الأدب سمة الإحسان وصفة التزكية ودلالات التحلية والتخلية حينما يدل دلالة واضحة على الصحبة والصدق وسائر خصال شعب الإيمان.

وبعد:

إذا كان التغيير يحتاج إلى تربية، والتربية تحتاج إلى أجيال لتثمر وتنفع، فإن من مجالات التربية الطفولة، يكون الأدب الإسلامي أداة تربية يوم يسهم في تربية النشء، عندما يزرع بالكلمة النافذة والجملة المهذبة والشعر الجميل محبة لله عز وجل ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أفئدة الطفولة المحرومة البائسة الآن، ولما ينشر الفضائل والأخلاق ويدلها على المثل العليا والمزايا السامقة في مجتمع الفضائح والرذائل. ولنتذكر أن من المعاني الأصيلة لكلمة أدب معنى التربية والخلق الحسن، نكتشف ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: “أدبني ربي فأحسن تأديبي” 4 وكذا معاني التهذيب والتعليم نفهم ذلك من قول غير واحد لمؤدبي: “أبنائه أدبهم برواية الأشعار”.

ولو أنا نظرنا إلى وضع الأدب في مناهجنا التعليمية التربوية لفجعنا بالغياب التام لهذه المعاني، والحضور الطاغي لمناهج الدرس الغربي بمفاهيمه ولغته ومصطلحاته وبهرجته ومنطلقاته الفلسفية، إذ نلهث جاهدين وراء تلك الآداب الغربية عنا دون استحضار لخصوصياتنا وتميزنا أمام مفاهيم للفن والإبداع متحللة من كل ضابط وفيها من المادية والعبثية والانحلال عن الأخلاق الشيء الكثير.

إن لفنون الإبداع الأدبي أهمية جلى في إصلاح النفس الإنسانية وفي تهذيب ذوقها وتوجيه سلوكها والتخفيف من غلواء أهوائها، وإن بعض الأدباء المبدعين هم من صناع الحياة وجودهم ضرورة لإقناع الغالبية من الناس ممن تقودهم العواطف فيحتاجون إلى ترياق هو مزيج من السفر البعيد في آفاق المعاني الخلابة والغوص العميق في خيالات التشبيهات الحالمة. يدلون على الخير والفضل بأسلوب الجمال الأخاذ الذي ترتاح إليه النفس وتشتاق إليه لأن الجمال أصلا جزء من تركيبتها الداخلية هو هبة من الله سبحانه نعمة تكرم بها الكريم الوهاب رزق يسوقه جل وعلا لعباده 5.

ما تستطيب بعض النفوس الصرامة وما تقبل الجد فتخاطب من جهة حبها للجمال وشوقها للكمال بما يمنعها من الانفلات إلى سراديب المجون وأودية غواية الفنون.

في القصة سحر يسحر النفوس بخيالها وأحداثها وإيقاع شخصياتها، تعظ وتوجه وتؤثر بالموقف الإنساني والمضمون الإيماني، يستفاد هنا من القصة القرآنية ذات الأهداف المتنوعة ومن القصص التاريخية، ومن القصص الواقعية ومن قصص الصحابة ورجال الأمة، ومن واقع الدعوة لإيصال خطاب الإيمان والتثقيف والتوجيه والجهاد.

وإن الشعر يفعل في الذات ما لا تفعله الكلمات النثرية يحرك العواطف ويعلق بالذاكرة حيث: (إنه لا شيء يؤثر في تشكيل العواطف مثل الشعر والغناء، لأن النفس البشرية أكثر تفاعلا مع الشعر، وهي تستقبل الغناء باسترخاء فتدخل إليها المعاني وتنفعل معها بلا مقاومة… ونحن في حاجة إلى شعر يحرك العواطف الخيرة، وبحاجة إلى الإنشاد يهيج عواطف الوجد والمحبة والخير والجهاد، وبحاجة إلى أن ينضبط ذلك كله بضوابط لا تخرج هذا الأمر عن الجادة) 6.

والجادة كل الجادة أن ينبري الأدب الإبداعي الإسلامي بفنونه المتنوعة إلى مجابهة ما أحدثته قرون الفتنة من تغيرات تركت بصمات واضحة على الفطرة البشرية، فتنة جذعت الفطرة السليمة فإذا هي تائهة ضائعة لا معنى لوجودها ولا غاية لكينونتها دجنت عقولا وطمست قلوبا أفرغت نفوسا من كلام الحق وفطرة الحق، فآن الأوان لهذا الأدب الإسلامي أن يحمل البلاغ القرآني والبيان النبوي ليكنس من طريق أجيال الإيمان ما طبعته فلسفات التدمير والتشكيك في نفوسها وبرمجته في ذاكرتها.

قال الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: (هلم إلى الكلمة المبلغة تسمعها آذان غضة الفطرة، وتقرأها عقول سلمت من تلويث التربية المدجنة. هلم إلى خطاب أجيال لا تستظل بغيمة لطيفة من مجاز القول واستعاراته وصورة تقيها قيظ الواقع، واقع الحياة القاسية في ظروف تخلف الأمة وافتقارها وتفشي البطالة والبؤس المادي الاقتصادي فيها. تقيها قيظ واقع الحياة الجافة البائسة اليائسة. حياة لا يؤمن فيها رعاع الساعة وطغام المثقفين بالله، ولا تومن غوائل الرعاع والطغام أن تسطو بمن يقول لا إله إلا الله محمد وسول الله) 7 .

على هذا المستوى يكتسب الأدب والفن الإسلامي خاصية أساسية هي: خاصية الإحسان، خاصية الدلالة على رب العزة الكريم، دلالة المفتونين ليستعيدوا فطرتهم السليمة فيسعدوا إذ أدركوا الوجهة وعرفوا البغية.

 

 


[1] الحشر: 24.23.22.
[2] الأنعام: 72.
[3] الزمر: 30-31.
[4] أخرجه ابن السمعاني عن ابن مسعود بسند صحيح..
[5] “صناعة الحياة” محمد أحمد الراشد 31 - 32 – 34.
[6] “حتى لا نمضي بعيدا عن احتياجات العصر”. سعيد حوى، ص 369 – 389.
[7] “المنظومة الوعظية”، الأستاذ عبد السلام ياسين، ص 20 – 21.