مقدمة:

المتأمل في واقع الأسرة المسلمة يجدها غارقة في تناقضات الحياة بملذاتها وآلامها ومتطلبات الأبناء وأحلامهم بحياة ومستقبل رغيد. ينعكس ذلك على الأم المؤمنة فتراها تائهة بين خاذل يثبطها… خاذل “عميق الجذور في الفكر والعادات والفقه المنحبس”  1 كسر “ثقتها بنفسها وبربها” 2 وأعفاها من كل مسؤولية إلا مسؤولية إسعاد الزوج ونظافة البيت والعناية بالصحة الجسمية للأطفال، وبين فكر حداثي وإعلام شيطاني يدعوانها إلى عبادة جسمها والتحرر من كل مسؤولية. ارتبكت المؤمنة في موقفها من أسرتها بسبب هذا الواقع المفتون، إذ لم تعد ترى فيها إلا عملا مكررا يمنعها من تحقيق ذاتها كما تفعل المتحررات، فغفلت بذلك عن وظيفتها في الأسرة التي ستحقق بها خير الدنيا والآخرة. هذا ما دفع بالإمام المرشد رحمه الله إلى كتابة كتاب “تنوير المؤمنات”. فمن أهم القضايا التي أفردها الكتاب بعناية خاصة وظيفة المؤمنة وعلاقتها بأسرتها. وتعتبر فقرة “البرج الاستراتيجي” من أهم الفقرات التي تبرز عظيم شأن المؤمنة في المجتمع الإسلامي وأهمية وظيفتها في المدى الاستراتيجي لمستقبل الأمة الإسلامية.

نحاول في هذا الموضوع إبراز أهم ما بسطه الإمام المجدد رحمه الله في فقرة البرج الاستراتيجي وذلك المحاور التالية:

*   قراءة في العنوان.

*   مراحل بناء البرج الاستراتيجي.

*   مميزات شخصية المؤمنة أميرة البرج الاستراتيجي.

*   خاتمة.

قراءة في العنوان

1. التعريف اللغوي لمصطلح “البرج الاستراتيجي”

تعريف البرج:

 البرج: جمعه أبراج وبروج. وبرج الشيء: ظهر وارتفع

 بُرج: الحصن بناء مرتفع مهمته الإرشاد والمراقبة.

 تعريف الاستراتيجي:

الاستراتيجي: استراتيجية اسم من الفنون العسكرية ويقصد التخطيط وتحديد الوسائل التي يجب الأخذ بها في القمة والقاعدة لتحقيق الأهداف البعيدة وتستعمل أيضا في الخطاب السياسي. خطة شاملة في أي مجال من المجالات.

استراتيجي: اسم منسوب إلى الاستراتيجية وهو موقع هام يشرف على مناطق متعددة وله أهمية كبرى من الناحية الحربية. ونقول مركز  استراتيجي من الناحية التجارية .

2. المدلول المجازي

بعد تعريفنا لمصطلحي البرج والاستراتيجية لغة رأينا كيف يتم استعمالهما في عدة مجالات منها المجال الاقتصادي والسياسي وخاصة في المجال العسكري الذي كان هو أول من استعملها. لكن نتساءل: لماذا استعمل الأستاذ المرشد رحمه الله مصطلح البرج الاستراتيجي في المجال التربوي الأسري؟

إن الواقع المفتون الذي نعيشه والهجمات اللائيكية على مجتمعاتنا واستهدافها للأسرة وتشويهها جميع مقوماتها ومحاولاتها محو موقعها في المجتمع يبين أن الأسرة بصفة عامة والأسرة المسلمة بصفة خاصة تخوض حرب بقاء، وعليه فبيت المؤمنة يجب أن يكون بمثابة حصن لقيمها ونشئها تحتمي به وتتصدى من خلاله لكل ما من شأنه تقويض دعائمه، فيتحقق بذلك معنى البرج. ومتى وعت المؤمنة خطورة موقع أسرتها في المجتمع وأهمية النشء الذي في عصمتها وما يتهدده حاضرا ومستقبلا فحافظت عليه داخليا، وفكرت وخططت كيف تحميه مما يتهدده خارجيا، وتعدت ذلك فسلحت نفسها وسلحت نشأها وخرجت لمدافعة مع من يستهدف مستقبل مجتمعها، تكون قد حققت مفهوم الاستراتيجية. وليس كل امرأة باستطاعتها ذلك وخاصة التي انغمست في فتنة الحياة.

فما هي العقبات التي تمنع المؤمنة من الانعتاق من مجتمعها الموّار وتكسبها القدرة على بناء وتحقيق مفهوم البرج الاستراتيجي؟

وكيف السبيل لتأهيل المؤمنة وإكسابها كفاءة عالية تمكنها من حفظ بيتها ليتحول إلى حصن لها ولأبنائها، وتمكينها من رؤية بعيدة المدى تساهم بها في صنع مستقبل أمتها؟

مراحل بناء البرج الاستراتيجي

تناول الأستاذ المرشد رحمه الله كيفية بناء الأسرة المجاهدة في فقرة “البرج الاستراتيجي” من كتابه “تنوير المؤمنات”، فقسمها إلى مراحل، ولخصها في أواخر الفقرة بقوله: “أسرة لبنة، أسرة برج، أسرة خندق، أسرة مبعث، ثم سياسة لإنجاح المشروع الإسلامي وصنع مستقبل الحكم الإسلامي” 3ونعتمد في توضيح مراحل البناء نفس التقسيم:

1. أسرة لبنة:

وهي المرحلة التأسيسية للبرج الاستراتيجي؛ فإذا صحت صح البناء كله. تتجلى صعوبتها في كثرة العقبات التي على المؤمنة اقتحامها وأبرزها:

أ – العقبة الذاتية:

*    الانتقال من العزوبة إلى الحياة الزوجية بملذاتها وآمالها وآلامها.

*    قصور الهمة “النفس والشيطان”.

*    مفارقة الصحبة الإيمانية بالانتقال إلى بيت الزوجية.

 ب. العقبة الموضوعية:

*    الأحماء 4 سواء أكانوا قاطنين أو زائرين أو مزورين.

*     المجتمع التقليدي “الذي يسوده دين الانقياد” 5

*    المجتمع العصراني “الذي تسوده نحلة الغالب” 6

*     إعلام داعر مضلل للعقول.

*    شارع مذعور ومفتون.

*     حياة شاقة وبطالة وبؤس وفقر.

 ج – كيف تغالب المؤمنة هذه العقبات وتتجاوزها:

*    أن تستعين بالله.

*    أن تمسك بحبل أخواتها.

*     أن تشحذ إرادتها وتقويها.

*    أن تتحلى بالكياسة وحسن التصرف.

*     أن تصمد ولا ترتد.

*    أن تمسك واقع أسرتها بقوة ومسؤولية.

إن تمكنت المؤمنة من اقتحام جل هذه العقبات واحتضنت أسرتها وحصنتها من كل دخيل مفسد لمشروعها فقد انتقلت بأسرتها من أسرة لبنة إلى أسرة برج.

2. أسرة برج:

قال الإمام المرشد رحمه الله: “من هذه الثكنة المختلطة ووسطها مشمرة لتمسك الواقع مسكا تتخذ المؤمنة برجا  استراتيجيا تغزو منه ولا تغزى” 7 . فأصبغ رحمه الله صفات عسكرية على الأسرة؛ فهي ثكنة والأم فيها رئيسة الجند ومدربتهم، لديها خطة تقضي بعدم تدخل أطراف خارجية في عملية التربية فهي وحدها “ترتب المعارك التربوية ليسلم ولدها من ارتباك” ثم “تقوم بتربية ولدها نفسيا وعقليا وعمليا ليسهل عليهم الاندماج الاجتماعي والمساهمة في الإنتاج الاقتصادي والانخراط في العضوية الفاعلة المِؤثرة في الحياة.” 8 وحتى تنجح الخطة وتبلغ المؤمنة الأهداف المرجوة وجب عليها أن تستهدف بالدعوة مع باقي المؤمنات المدرسة، من خلال “تألف المعلمات والأستاذات وتقريبهن وتهذيبهن”. لا تنتهي وظيفة المؤمنات المشمرات عند هذا الحد بل يجب الزج بالبنات والبنين و“بالمدرسة معهم في تيار الإحياء والتجدد” ليخرجوا “أكفاء في حياة الكسب والفعل في المجتمع وأحياء بحياة الإيمان”.

3. أسرة مبعث:

وهكذا خطوة خطوة ترقى أسرة المؤمنة وتشق طريقها إلى الأفق الاستراتيجي “ترتب الزحف السياسي وتؤسس التغيير التاريخي” من خلال تأهيل جيل من الأبناء والبنات “يتقدم بالدعوة قدما جيلا بعد جيل راسخا علمه بما هي المهمة ثابتة أقدامه متوكلا على ربه”، وبذلك “يكون برج المؤمنة مشتلا لتربية الشجر الطيب ومنطلقا للبعوث الغازية”.

مميزات شخصية المؤمنة أميرة البرج الاستراتيجي

1. علاقتها بربها:

على المؤمنة أن تنخرط في المشروع الإسلامي “الخلافة على منهاج النبوة” وهي واثقة في موعود الله، واثقة أن عملها يخدم قضيتها الأخروية، ملازمة لمجالس الإيمان مخافة أن يجرفها تيار الفتنة، إذا اشتد عليها أمر في دنياها أو آخرتها استعانت بالله واستنجدت بأخواتها في الله.

2. همة وإرادة:

لا تكون المؤمنة، بانية البرج الاستراتيجي وأميرته، قائدة لبنيها إلا إذا اتصفت بعلو الهمة ومضاء الإرادة والقدرة على اقتحام الشدائد والصمود في المعمعة والاستعداد القبلي، فهي بذلك لا ترى إلا مشمرة.

3. امتلاك تصور واضح للمهمة الاستراتيجية ووعي شامل بالواقع:

4. كياسة وحسن تصرف:

تدافُعُ المؤمنة في وسط المعمعة وبلوغُها الهدف المرجو يفترض تمتعها بكياسة عالية تمكنها من فهم دقيق للواقع وحسن تصرف يجنبها الخصومات ويكسبها الاستقلالية والاحترام الضروري. بذلك فقط تمتلك القدرة على ترتيب المعارك التربوية وفق خطتها ومسك واقع أسرتها بقوة وحكمة.

خاتمة

من برجها الاستراتيجي وموقعها التاريخي تشارك المِؤمنة في صنع مستقبل الخلافة على منهاج النبوة؛ يقول الإمام المرشد رحمه الله: “سميت نفسك صانعة المستقبل تفاؤلا أن يتاح لك موقع قدم أو تنهض بك ناهضة، وإلا فالمستقبل الإسلامي بمشاركتك أو بدونها فجر طالع يتلوه ضحى ماتع ونهار ساطع” 9.

 


[1] عبد السلام ياسين تنوير المؤمنات ج 2 صفحة 242
[2] الحماة: الجمع: أحماء وحموات: أقارب الزوج
[3] عبد السلام ياسين تنوير المؤمنات ج 2 صفحة 242.
[4] الحماة: الجمع: أحماء وحموات: أقارب الزوج
[5] مصطلح منهاجي اقتبسه الأستاذ عبد السلام ياسين من العلامة ابن خلدون وتوسع في توضيحه في مختلف مؤلفاته
[6] مصطلح منهاجي اقتبسه الأستاذ عبد السلام ياسين من العلامة ابن خلدون وتوسع في توضيحه في مختلف مؤلفاته.
[7] عبد السلام ياسين تنوير المؤمنات ج 2 ص 239.
[8] نفس المرجع ص 240
[9] عبد السلام ياسين تنوير المومنات ج1 صفحة 18