أقصد بالالتزام المصلحي بالنصوص التزام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بالمصلحة الشرعية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وعدم تفويتها بالميل عنها يـمينا، بالغلو والالتزام الحرفي، أو شمالا، بتجاوز النصوص كلية، وإنما باتباعها أينما بدت لهم المصلحة.

فالتزام النص حرفيا، وطاعة الشرع في أوامره ونواهيه طاعة صارمة لا يعني انتفاء المصلحة والنظر المقاصدي عن ذلك الفعل، لأن المصلحة العظمى كامنة وراء اتباع النصوص والتزامها أحيانا كما هي.

ودليلنا في ذلك هو أن الشريعة مصلحة واتباعها مصلحة عظيمة، عبرت عن ذلك أقوال العلماء فقالوا: إن الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، وأن الشريعة نفع ودفع، وأنها إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا. وقولهم: حيثما كان شرع الله فثم المصلحة. بل إنا نجد حتى من اشتهر قوله باحتمال تعارض النص مع المصلحة أمثال نجم الدين الطوفي يقول: … وبالجملة، فما من آية من كتاب الله عز وجل إلا وهي تشمل على مصلحة أو مصالح) 1 ، وكذلك بالنسبة للسنة فإنها بيان القرآن، والبيان على وفق المبين) 2.

ويظهر ذلك جليا عند من تناولوا مقاصد الشريعة بالدرس والتحليل، وبالأخص في موضوع إثبات المقاصد وطرق الكشف عنها، فنصوا على أن مقاصد الشريعة ورعايتها للمصالح العامة إنما تعرف بطرق من بينها النصوص والأوامر والنواهي الابتدائية التصريحية. فالأوامر والنواهي، إذا جاءت ابتدائية تصريحية، أي التي قصد الشارع الأمر بها أو النهي عنها ابتداء وأصالة، وتكون مقصودة له بالقصد الأصلي الأول لا بالقصد التبعي الثاني، وتصريحية بأن لا تكون ضمنية دلت على مقصود الشارع، ويقول الشاطبي في ذلك: فهذا وجه ظاهر عام، لمن اعتبر مجرد الأمر والنهي، من غير نظر إلى علة، ولمن اعتبر العلل والمصالح، وهو الأصل الشرعي) 3 . وقصده في ذلك أن الوقوف عند مجرد الأمر والنهي، واعتباره مقصودا للشارع، يشمل أهل الظاهر والتعليل على حد سواء.

ووجه الاستدلال بهذا أن رعاية الخلفاء الراشدين للمصالح العامة تكون أول ما تكون بما رعت به الشريعة الغراء مصالح العباد وذلك بالتأكيد على ضرورة اتباع نصوصها والتزام ما أتت به من الأوامر والنواهي.

وتحدث الشيخ ابن عاشور عن طرق إثبات المقاصد الشرعية فجاء بكلام في هذا الصدد يفيد أن تلك المقاصد العامة إنما تستفاد من طرق كثيرة من أهمها أدلة القرآن الواضحة الدلالة التي يضعف احتمال أن يكون المراد منها غير ما هو ظاهرها بحسب الاستعمال العربي) 4 . وكذا السنة المتواترة وهذا الطريق -يقول ابن عاشور- لا يوجد له مثال إلا في حالين: الأول المتواتر المعنوي الحاصل من مشاهدة عموم الصحابة عملا من النبي صلى الله عليه وسلم فيحصل لهم علم بتشريع في ذلك يستوي فيه جميع المشاهدين 5 ، وإلى هذا يرجع قسم المعلوم من الدين بالضرورة.

والثاني تواتر عملي يحصل لآحاد الصحابة من تكرار مشاهدة أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث يستخلص من مجموعها مقصدا شرعيا 6 .

ويبدو الأمر واضحا بالنسبة لعموم الخلفاء الراشدين إذا ما قلنا إنهم كانوا يلتزمون النصوص ويبحثون عن الدليل ويحرصون على الاتباع في كثير من الأحيان، لكن ذلك قد يشكل على البعض إذا ما تعلق الأمر بالفاروق رضي الله عنه، لأنه اشتهر من بين سائر الخلفاء بالنظر الاستصلاحي واجتهاداته الجريئة. إلا أننا نقول إن عمل عمر على تحقيق مصالح المسلمين كان في ضوء التزامه ابتداء بنصوص الشريعة، لأن هذه الشريعة تلزم المسلمين بوجوب تطبيقها والتزام أوامرها واجتناب نواهيها.

فإذا تقرر هذا الأمر فإن استقراء آثار الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وتصرفاتهم في رعاية المصالح العامة وفهمهم لمقاصد الشريعة في زمانهم يفيد أنهم كانوا يطلبون ذلك أولا من نصوص الشريعة، من كتاب أو سنة لأنهما مصدري الشريعة والأحكام الشرعية والاجتهاد بصفة عامة.

والذي يعضد ذلك أنهم ما عرضت عليهم مسألة من المسائل إلا وسألوا لها عن دليل من الكتاب أو السنة، فإن علموه عملوا به وإن لم يعلموه سألوا عنه من كان لهم علم بذلك من كبار الصحابة أو من عموم الأمة. وقد يصرحون بذلك تارة ويضمرونه تارة أخرى.

وسؤالهم عن الدليل أو النص من الكتاب أو السنة لم يكن يعني عندهم الوقوف عند حروفها دون النظر إلى روحها ومعانيها الخفية.

لذا سنتناول ـ بإذن الله ـ في هذه الدراسة تعاملهم مع النصوص من الزاويتين كلتيهما، الالتزام الحرفي الذي يفيد في كثير من الحالات معنى التعبد والاتباع، وما في ذلك من المصلحة، والالتزام بروح النص الذي يتعدى المعنى الظاهر إلى معانيه الخفية، لتحقيق ذات المصلحة.

الالتزام الحرفي بالنصوص

ومرادي هنا بالالتزام الحرفي بالنص الوقوف عند ظاهره وعدم تجاوزه. فالخلفاء الراشدون كانوا أشد الناس حرصا على اتباع أوامر الشرع ونواهيه كما أنزلت دونما تحريف أو ابتداع في الدين، كيف لا وهم من عايش نزول الوحي من أول ما نزل ولحظوا أسباب نزوله وأحواله وعانوا من أجله وقاسوا ظلم أهل الشرك والكفر من أهلهم حتى صار ذلك هواء يتنفسونه، وماء يرتوون به، ودما يجري في عروقهم. فمن كان هذا شأنه فلا ريب يعض عليه بالنواجد ويكون أكثر من غيره حرصا على الحفاظ عليه كما هو، وحمايته من أي تحريف أوابتداع فيه، كما حرصوا على حمايته وحفظه من جانب العدم بجهاد الكفار وقتال المرتدين والمتنبئين الأفاكين.

وكان الخليفة الصديق رضي الله عنه أول من أثبت ذلك، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما امتنعت قبائل العرب عن أداء الزكاة وفرقوا بينها وبين الصلاة، فقاتلهم على ذلك حتى كادت تلك الفئة المؤمنة من المهاجرين والأنصار أن تباد في تلك الحروب التي استحر فيها القتل في الصحابة. وما كان رضي الله عنه يزيد على أن يقول: “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه” 7 .

إنه موقف خالد من أول خليفة راشد لازالت الأمة تذكره له وتحمده عليه، كما لازال التاريخ يخلد ذكراه عبر الأجيال وإلى يوم القيامة. موقف الجحود والتمرد الذي أظهره أولئك المرتدون قوبل من طرف الصديق بالطاعة الواجبة والكاملة التي لا يخشى معها المؤمن الواثق من أمر الله أحدا كيفما كان قدره ومهما كانت عدته وعدده.

طالع أيضا  الالتزام المصلحي بالنصوص في فقه الخلفاء الراشدين 2/2

وموقف آخر يسجل أيضا للصديق رضي الله عنه في سجل التاريخ بمداد من ذهب، ونقش على صفحاته نقش الناحت على الحجر، إنه بعثة أسامة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوصى بها وهو على فراش الموت. فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى تريث كبار الصحابة في بعث هذه البعثة وذلك لما كان عليه وضع المسلمين إبان تمرد العرب وردتها. فكيف تسير هذه البعثة بجيوشها التي هي سند دولة الإسلام والخطر يتهدد المسلمين؟

لكن الصديق رضي الله عنه وقف موقفه الشهير وأصر على إرساله هذه البعثة حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يود ذلك.

لاشك أن بعثة أسامة كانت عنوانا عريضا للسياسة العامة في الدولة الإسلامية آنذاك ولها فوائد جمة على الصعيدين الخارجي والداخلي، إلا أن الصديق كان حاديه في ذلك الموقف هو الطاعة، مجرد الطاعة لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعثة قوامها كله طاعة رسول الله، وطاعة جرت مصالح عظيمة ومنافع جليلة.

يحق لنا إذن أن ننقش مقولته الخالدة في قلوب الأمة حتى تبقى راسخة إلى أبد الآبدين. تلك المقولة التي رد بها على صحابته حينما قالوا له: إن هؤلاء جلُّ المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين) 8 . فقال رضي الله عنه: والذي نفسي بيده! لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته) 9 .

يا له من موقف وعزمة تتكسر أمامها صخور الجبال! لم يواجه الأعداء والخارجين فحسب، بل حتى عموم الصحابة أيضا، فمن ذا الذي يجسر على ذلك غيرك ياصدّيق؟

هذان مثالان صريحان صدرا عن الخليفة الأول يثبتان التزامه الحرفي في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بشكل لا يقبل التأويل ولا التفسير، وفي ذلك مصلحة عظمى وجليلة لا يجادل فيها إلا معاند. وإن كان الرأي الآخر الذي أدلى به الصحابة له بعض الوجاهة، ووجها من المصلحة، لكنه مرجوح أمام قوة وصلابة ما تبناه الصديق وسار عليه.

ومستند الصديق في هذا الاتباع وهذه الطاعة التي لا مثيل لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله” 10 . فهذا الحديث يدل دلالة صريحة على أن مانع الزكاة يقاتل حتى يعطيها.

والذي يظهر أن هذا الحديث قد غاب عن الصديق والفاروق رضي الله عنهم فلم يستشهدا به. أما الصديق فلعله اكتفى بمعناه واحتج بمضمونه. وأما الفاروق فقد استشهد بهذا الحديث دون ذكر طرفه المتعلق بقتال مانع الزكاة. وليس هذا مستغرب، فقد يسمع بعض الصحابة ما لم يسمع الآخر، وقد قال عمر في حديث أبي موسى في الاستئذان: “ألهاني عنه الصفق بالأسواق” 11 .

لم يكن الصديق وحده – في نهاية المطاف – من التزم بظاهر هذا النص وحرص على الاتباع وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان هو المتزعم لذلك إلا أن باقي الصحابة – أيضا – تبعوه في ذلك والتزموا بما التزم به، وفي مقدمتهم الفاروق الذي لم يكن موقفه مجرد طاعة لولي الأمر، خليفة رسول الله، فحسب، وإنما طاعة أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعا له بعد ما أقنعه الصديق بذلك، حتى إنه قال: “فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق” 12 .

فالسؤال الأول الذي كان يواجهه الفاروق – وسائر الخلفاء الراشدين – كلما اعترضتهم واقعة أو حادثة هو: هل في ذلك نص من القرآن أو السنة؟ والإجابة عن ذلك كانت تحدد ما يجب القيام به. فإذا وجدوا ذلك التزموا به كما هو على ظاهره، إلا أن يرد موجب الانصراف عنه إلى غيره. وإذا لم يجدوا بحثوا عن مخرج لذلك من موارد أخرى.

ولم يكن من العسير عليهم الإجابة عن هذا السؤال، لأنهم كانوا رضي الله عنهم يحملون نصوص الشريعة في صدورهم. فأما آيات القرآن الكريم فكانوا يحفظون أغلبها – إن لم نقل كلها – وكانت تتردد على ألسنتهم جميعا، عايشوا ظروف نزولها آية آية، فلا يعقل أن ينسوها وهم على تلك المكانة. قد يسهو أحدهم عن بعضها فيندرج في الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.

طالع أيضا  من أعلام علوم القرآن في المغرب الأقصى.. ابن الحُطيئة الفاسي

وأما أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أحرص الناس على حفظ كل ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو تقريرا. فكانوا أعلم الناس بالسنة وأكثر إحاطة بها. ولا يخدش في هذا احتياطهم في الرواية وكراهة الإكثار من ذلك، لأن ذلك له أسبابه.

فكان من الميسور إذن على هؤلاء الخلفاء أن يجيبوا عن ذلك السؤال ويحددوا ما إذا كان في المسألة المعروضة للبث نص أم لا.

تحري النص والدليل من الكتاب والسنة كان ديدنهم. فهذا أبو بكر رضي الله عنه كان إذا نزلت به القضية يسأل لها عن آية من كتاب الله أو سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد في كتاب الله تعالى منها أصلا، ولا في السنة أثرا اجتهد 13 .

وهذا الفاروق رضي الله عنه يوصي قاضيه شريح في كتابه إليه: إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يفتنك عنه الرجال، فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها…) 14 .

وعن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: أول القضاء ما في كتاب الله عز وجل، ثم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم) 15 .

وكذلك يروى عن الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في كتابه الذي كتبه إلى واليه على البصرة، فقال: إن رأس القضاء اتباع ما في كتاب الله، ثم القضاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم…) 16 .

وهذا كله مستفاد من أوامر الشريعة بلزوم اتباع نصوصها وعدم الخروج عن ذلك، كقوله تعالى: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى 17 .

وقال أيضا: اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ. والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.

وإن كان ذلك يقصد به اتباع ما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على وجه العموم، سواء ما كان على ظاهره أو ما خصص عمومه أو قيد إطلاقه أو نظر فيه نظرا يخرجه عن ظاهره، إلا أنه في التزام الظاهر من تلك النصوص أولى، لما قرره علماء الأصول _ من يعتد برأيه _ من وجوب العمل بما دل عليه النص والظاهر، حتى يقوم دليل التأويل أو التخصيص أو النسخ.

وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي: فكل كلام كان عاما ظاهرا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض) 18 . ونفس الأمر بالنسبة لآيات القرآن الكريم.

فالأصل إذن أن ينظر في ظاهر النصوص، فإذا وجدت قرائن تصرف النص عن ذلك إلى معنى آخر يحتمله صرف به، وإلا فاللفظ باق على ظاهره ويكون ظاهره هو المعنى المقصود للشارع.

ومن أنواع النصوص، النص العام الذي يستغرق جميع ما يصلح له من الأفراد. وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم أن صيغة الجمع في النص تفيد العموم ولم يجيزوا أن يخرجوه عن عمومه إلا بدليل. وأجمعوا على ذلك حينما رد أبو بكر رضي الله عنه على الأنصار القائلين للمهاجرين في سقيفة بني ساعدة: منا أمير ومنكم أمير) بقوله صلى الله عليه وسلم: “الأمراء من قريش”.

فعموم الأمراء من قريش، ولا يصح – عنده – أن يخصص هذا النص ويصير أمير من الأنصار إلا بدليل، ولا يوجد دليل على ذلك.

وكذلك نجد الفاروق رضي الله عنه يأبى تخصيص قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ بحديث فاطمة بنت قيس، حيث ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، وقال لها: “لا نترك كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة” 19 . فلما عارض حديثها ظاهر آية من القرآن رفض روايتها ورد عليها حديثها، وبالتالي لم يخصص عموم الآية بحديث ضعيف السند (لأنه لم يروه غيرها).

ووافقه على ذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه 20 . كما وافقه على رد حديث فاطمة بنت قيس بعض السلف الذين يعتد برأيهم في هذا المجال، فقال الجصاص: هذا حديث قد ظهر من السلف النكير على راويه) 21 . وقالت عائشة رضي الله عنه: “لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة بنت قيس” 22 .

كما نجده رضي الله عنه أيضا يفهم من قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ … أن لفظي الفقراء والمساكين عامان يشملان كل من يتصف بهذه الصفة حتى إنه أدخل فيها فقراء أهل الكتاب، فأعطاهم جزءا من الزكاة. فقد رأى ذات مرة ذميا ضرير البصر على باب المدينة، فسأله مالك؟فقال: استكرهوني في هذه الجزية حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعول علي بشيء. فقال عمر: ما أنصفت إذا، فأمر له بقوته وما يصلحه، ثم قال: هذا من الذين قال الله فيهم إنما الصدقات للفقراء والمساكين 23 . فأدخل في هذين اللفظين كل من تحقق فيه شرط الحاجة والعوز من غير تمييز بين مسلم وذمي، لهذا قال القرطبي: ولفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد على فقرائهم. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين والمساكين فقراء أهل الكتاب) 24 .

طالع أيضا  من أعلام علوم القرآن في المغرب الأقصى.. ابن الحُطيئة الفاسي

ومما يدل أيضا على هذا الأصل العظيم المتمثل في التزام النصوص وعدم الانصراف عنها إلى غيرها، أنهم كانوا كلما روجعوا من بعض الصحابة في بعض أحكامهم وآرائهم – عندما يغيب النص عنهم أو يفهموه على غير ما هو عليه – إلا وفاءوا إلى الحق ورجعوا إلى الصواب على الفور، لأنهم كانوا يكتشفون أن الله تعالى أو رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بخلاف ما أداهم إليه اجتهادهم، قبل أن يعلموا أنه تحدث في المسألة التي يجتهدون فيها.

ومن أمثلة ذلك ما وقع لعمررضي الله عنه على إثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحاقه بالرفيق الأعلى. فمن هول الفاجعة ومن شدة صدمتها أنكر رضي الله عنه على المسلمين قولهم بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوعد من تمادى في ذلك بالعقاب. وقد حكى الطبري عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وإن رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات. والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات) 25 . وظل على ذلك حتى نبهه الصديق رضي الله عنه إلى حقيقة الأمر حينما توجه إلى الناس مخاطبا لهم فقال: أيها الناس! إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)، ثم تلى هذه الآية وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت) 26 حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله قد مات) 27 .

فلما كان اليوم الثاني اعتذر للناس عما صدر منه وقال: أيها الناس ! إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا مني وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) 28 .

غاب عنه النص في كون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا معرضا للموت، فلما ذكر بالآية رجع وأناب والتزم النص.

والأمثلة على ذلك كثيرة لا يسعنا المجال لذكرها، ففيما ذكرنا كفاية وفائدة.


[1] مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه لعبد الوهاب خلاف ص 116.\
[2] مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه لعبد الوهاب خلاف ص 116.\
[3] الموافقات 2/393.\
[4] مقاصد الشريعة الإسلامية ص 21.\
[5] نفسه، ص:21.\
[6] نفسه، ص: 21.\
[7] صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم (رقم 6855) 6/2657 وصحيح مسلم كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (رقم 20) 1/51 وصحيح ابن حبان كتاب الإيمان باب فرض الإيمان 1/450 وسنن الترمذي 5/3 وسنن البيهقي الكبرى 4/104 والموطأ 1/269.\
[8] تاريخ الطبري 2/245 والبداية والنهاية 6/304 والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم 4/74.\
[9] تاريخ الطبري 2/245 والبداية والنهاية 6/304 والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم 4/74.\
[10] صحيح مسلم كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (رقم 22) 1 / 51 وصحيح البخاري كتاب الإيمان باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة (رقم25) والأحاديث المختارة 5/278 و مسند البزار 8/192 و شعب الإيمان 1/39 و باقي أصحاب التسعة إلا ابن ماجه.\
[11] صحيح مسلم كتاب الآداب باب الاستئذان (رقم2153) و مسند أحمد 4/400 و التمهيد لابن عبد البر 3/196.\
[12] هو طرف من حديث أمرت أن أقاتل الناس رواه الجماعة إلا ابن ماجه.\
[13] الإحكام لابن حزم 6/219 وأعلام الموقعين 1/54.\
[14] مصنف ابن أبي شيبة 4/543.\
[15] الروض النضير 3/433 (تراث الخلفاء 126).\
[16] أخبار القضاة لوكيع القاضي 1/77.\
[17] أعلام الموقعين 1/47.\
[18] الرسالة للشافعي، ص: 341.\
[19] صحيح مسلم كتاب الطلاق باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها (رقم 1480) 2/1118 وفتح الباري 9/481 ومسند إسحاق بن راهويه 1/224.\
[20] منهج عمر في التشريع، ص: 84.\
[21] أحكام القرآن للجصاص 5/375.\
[22] صحيح البخاري كتاب الطلاق باب قول الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن (رقم5015) 5/2039.\
[23] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/174 والخراج لأبي يوسف ص: 72 (عن موسوعة فقه عمر ص:238).\
[24] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/174.\
[25] تاريخ الطبري 2/232.\
[26] يقال للرجل إذا بقي متحيرا دَهِشا\
[27] تاريخ الطبري 2/ 232-233.\
[28] السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان ص:423.\