عناوين ثلاثة يُصر النظام على تسويق صورته من خلالها باعتباره نموذجا من عوامل استثنائه واستقراره: الشأن الديني، النموذج التنموي، ملف الهجرة. غير أنه وبعيدا عن الصخب الإعلامي ومن خلال تتبع آثار هذه الملفات تلمسا للنتائج في الواقع تنجلي حقائق صادمة تكشف هوة شاسعة بين المزعوم خطابا ودعايةً وبين المرقوم مؤشراتٍ ومعطياتٍ.

الشأن الديني:

كان الشأن الديني وما زال نقطة ارتكاز شعبية النظام، منه يستمد “الشرعية” في ظل تعطّل مسار الانتقال الديمقراطي وغياب أي مشروع مجتمعي عنوانه، مع التنمية ووفرة الإنتاج، الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية قسمة عادلة للثروة وأعباءِ التحرر من نَيْرِ التبعية لقوى الاستكبار العالمي، غير أن تدبير هذا الشأن اتسم بالرتابة خطابا ووسائل على الرغم مما تتوفر عليه الوزارة الوصية من إمكانيات مادية تجنيها من “امبراطورية” الوقف من جهة، وما سُخر لها من موارد وأطر بشرية مركزيا وجهويا وإقليميا من جهة ثانية؛ موارد مالية لا تُعرف مقاديرُها، وقد تكون الدعوة الرسمية الأخيرة لانخراط الوزارة في المشاريع التنموية مؤشرا على حجم “تغول” وزارة الأوقاف المادي؛ وموارد بشرية في حجم جيش من المؤطرين والموجهين والقيمين لا يوازيهم في مستوى الانتشار إلا أجهزة وزارة الداخلية.

تدبير القطاع الديني الذي راهن عليه النظام تأمينا للجبهة الداخلية وحيلولة دون تبلور مشروع منافس يمتح من ذات المرجعية وينازعه الشرعية الدينية، وتسويقا لنموذج التصدي الناعم للتطرف المغذي للإرهاب عن طريق ضبط الخطاب الديني وتجفيف منابعه؛ تدبير لم يؤت المأمول منه، ويكفي دليلا على بواره أن المغاربة ومن ينحدرون من أصول مغربية “يتربعون” على قوائم الإرهاب، حتى لا تكاد تخلو عملية إرهابية من مغربي. وتفيد أحدث تقارير الأجهزة الاستخباراتية المغربية والغربية “التحاق ما يقارب 1700 جهادي من المغرب بجماعات جهادية في مختلف مناطق النزاع، أغلبهم التحق بـــ”داعش”، علاوة على خروج نحو 2000 أوروبي من أصول مغربية صوب سوريا والعراق“.

وعليه، فنموذج تدبير الشأن الديني أضحى متجاوزا، وبعيدا عن واجهة الاستقطاب والتجنيد في التنظيمات الإرهابية فالخطاب الديني الرسمي لم يعد قادراً على مجاراة منسوب الوعي الديني للمجتمع، وما حالتا اقتحام مسجد الحسيمة في أوج الحراك احتجاجا على توظيف الخطاب الديني لتسفيه الاحتجاجات الشعبية وشيطنتها، واعتراض ساكنة دوار أولاد الشيخ بقلعة السراغنة على توقيف إمام المسجد وما أفضت إليه من حراك غير مسبوق عنا ببعيدة؛ حالتان كلفتا النظام الكثير من رصيد “شرعيته” الدينية ناهيك عن تنامي الاحتقان في أوساط الأئمة والخطباء من جراء تردي أوضاعهم المادية. وستبقى احتجاجات الأئمة في العاصمة أكبر مؤشر على بوار تدبير قطاع حيوي لا يوازيه قيمة إلا المؤسسة العسكرية.

هذا دون أن نسائل “القائمين” على الشأن الديني الذين يحتفلون بإنجازات مختزلة في الإسهام في محاربة الأمية وتحفيظ القرآن وتأطير اللقاءات التواصلية مع مغاربة الخارج وحِلق المواعظ المسجدية بين العشاءين، أقول: لم يُساءلِ “القائمون” على الشأن الديني عن درجة ترسيخ القيم الإسلامية، وإلا أين تجليات “إسلامية” الدولة على مستوى العفة والحشمة وسائر أنماط السلوك المدني في الحياة العامة للمجتمع؟ أليس من المفارقات العجيبة أن يُصنف المغرب بعيدا خلف بلدان حداثية بامتياز على مستوى تخليق الحياة العامة؟ ثم ما موقف وزارة “الأمن الروحي” مما تكاثر من ظواهر وسلوكات غريبة عن المزاج الشعبي المغربي من قبيل الأمهات العوازب والاعتداء المُفضي في أحايين كثيرة على الأبوين والشذوذ الجنسي: المِثليين نموذجا؟ أم أنها ليست معنية بتحصين قيم المجتمع وتماسكه؟

النموذج التنموي:

بعد 17 سنة من إطلاقها مبادرة لاستئصال الفقر وعوامل الحرمان والهشاشة انسجاما مع لقب “ملك الفقراء”، وعلى الرغم من رصد مبالغ مالية بالملايير وتجنيد أطر أم الوزارات لتنزيلها، لم تستطع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أن تقتلع الفقر والهشاشة، فمؤشرات التنمية لم تراوح مواقعها الذيلية في التصنيفات الأممية، وتنامت خلال السبع عشرة سنة فئات المحرومين واتسعت خريطة الفقر على ربوع مغرب “الفوسفاط وزوج بْحُورَا” على حد تعبير أحد شعارات الحركة الفبرايرية.

ولأنه لا يُفيق من السبات إلا على الكوابيس والصدمات، جاء حراك الحسيمة ليزيح النقاب عن المستور وتتكشف الأوهام ويُضطر النظام للاعتراف بفشل النموذج التنموي؛ اعتراف اختزل في إعفاءات انتقائية بأهداف مزدوجة كرست الأسلوب الالتفافي الذي يجيده النظام امتصاصا لغضب الشارع وبعث رسائل سياسية إلى أطراف تتوهم أن صناديق الاقتراع هي التي تكسب الشرعية؛ اعتراف بفشل النموذج التنموي لم يسائل الجهات الوصية على التنزيل ولم يأذن لماكينة التدقيق المحاسبتي في تبذير ملايير كانت كافية لبناء مشاريع وازنة.

وبعد حراك الحسيمة الذي لمّا تنتهِ تردداته، توالت الحراكات في هوامش المغرب غير النافع، فمن ثورة عطش زاكورة إلى عملية دهس الصويرة إلى ازدحام انتفاضة الكرامة بجرادة إلى طوابير المهانة ببوابات السليبتين سبتة ومليلية، لتبرهن ـ إن احتاج الأمر إلى براهين ـ فشل نموذج تنموي راهن على نجاحه المخزن، وقبل “زلزال” الحسيمة كان تنزيل مبادرة تنموية جديدة جاريا؛ مبادرة ثانية أثارت جدلا سياسيا حول من يُشرَّفُ بتنزيلها دون استثمار ريعها سياسيا؛ مبادرة بغلاف 55 مليارا تستهدف أكثر من 24 ألف دوار، في إشارة إلى مدى تمدّد خريطة البؤس والحرمان من جهة، وإلى إفلاس ثقافة التسول بدل إنتاج الثروة، ومفتاحها الاستثمار في تأهيل الانسان وتوطين التنمية.

ملف الهجرة:

من المفارقات أن يجمع المغرب بين كونه المصْدر الأول للهجرة على مستوى بلدان حوض المتوسط وبين تحوله القبلة المفضلة لمهاجري جنوب الصحراء، فإذا كان المغاربة شبابُهم هم أكثر شعوب المتوسط على الأقل إقبالا على الهجرة نحو أوروبا بحثا عن فرص عمل شح بها النموذج التنموي المعتمد، فكيف يصلح المغرب بلد لجوء لهذه الألوف المتدفقة من جنوبه الإفريقي؟

صحيح، الهجرة لا تنشئ الفقر في المغرب حسب الخطاب الرسمي في القمة الإفريقية الأخيرة لأن الوافدين الأفارقة لا يشكلون ضغطا إضافيا في سوق عمل هو أصلا كاسد، هم لا يشكلون عبئا على الدولة في الوقت الراهن ما دام التسول في مفترقات الطرق وفي أبواب المساجد وبوابات الأسواق الممتازة يكفي لتوفير ضرورة العيش في انتظار أن تسنح فرصة لطرق باب العبور نحو أوروبا، لكن الأمر لن يستمر طويلا على هذا الحال، فمع طول الإقامة وتعدد الأجيال المهاجرة ستنشأ حاجيات أخرى أكثر إلحاحا، وسيرتفع سقف المطالب الاجتماعية لتجد السلطات نفسها أمام حراك عابر للحدود.

إن فتح المغرب حدوده للمهاجرين الأفارقة الراغبين في تحسين ظروفهم المعاشية محمود وشكل من أشكال تحمل المسؤولية نحو الانتماء لعمق المغرب القاري، لكن في غياب توفر الشروط الكفيلة بضمان كرامة هؤلاء الوافدين الفارين من ظروف قاهرة قد يزيغ هذا الانفتاح عن أهدافه النبيلة ويستحيل استغلالا لظروف المهاجرين واستثمار اً الملف لجلب منافع سياسية واقتصادية من أوروبا؛ ملف يلوي به المغرب ذراع دول الاتحاد الإفريقي ولا يتردد في التلويح بالتعاون المغربي الأوروبي في مجالي الهجرة والإرهاب كلما جدّ موقف أوروبي في قضية الوحدة الترابية.

إن الانفتاح على جاليات إفريقية ـ وإن كان مطلوبا باعتباره مؤشرا صحيا على أكثر من مستوى ـ يتطلب امتلاك رؤية مستقبلية تتأسس على متطلبات موضوعية مجملها تأمين شروط إقامة تضمن كرامة الوافدين وتحفظ كبرياءهم، وبوابتها توفير مناصب الشغل وعوامل الاندماج في النسيج المجتمعي، تفاديا لتجربة بلدان أوروبا القائمة على التهميش والاحتقار، وإلا فحادث اعتداء مجموعة من الشباب الأفارقة على الحارس الليلي بفاس قبل أشهر قد تؤشر لعواقب سلبية على تجربة اتُّخذ قرارها في ظروف مزايدات سياسية معروفة، لا لشيء إلا لينعت المغرب بكونه بلد الأمن والاستقرار.

مجالات ثلاثة استثمر ويستثمر فيها النظام، وفي سلّاتها وضع بيضه، وما رشح من معطيات يفرض مراجعة ودون تردد لأساليب العمل، وقبلها للاستراتيجيات المعتمدة في هذه المجالات تفاديا للمزيد من الإخفاق، قبل فوات الأوان.

طالع أيضا  بين الغرق والتدافع.. المغاربة نحو الهجرة مهما كان الثمن