مدينة القدس هي على مر التاريخ عربية إسلامية مباركة بالمسجد الذي يتوسطها ومعالمها التاريخية المقدسة وأشجار زيتونها المذكورة في القرآن، وهي أرض حمت وحافظت وحضنت وحققت وظيفتين على مدى التاريخ الإسلامي والحضارة المقدسية، وظيفة المناصرة ووظيفة التعرية. 

أولها دور وظيفي تاريخي في مناصرة شعبها وأمتها احتضانا وسكنا وروحا وبوصلة، وثانيها كان للقدس وظيفة ومهمة قوة التعرية عن خونتها ومنافقيها فضحا وكشفا.

 القدس اليوم وفي قلبها المسجد الأقصى هي النائبة الأولى عن الأمة المتكالب عليها، هي المتحدثة المتكلمة بحديث الوحي وسورة الإسراء الكاشفة لمعالم علو فساد بني إسرائيل الذي وصل علوهم الثاني في قرننا هذا إلى أعالي التكالب والتآمر مع كتل غربية وعربية وخصوصا أمريكية للخروج بتصريح ترامبي يقعد للدولة العبرية ويقوض للحضارة الفلسطينية ويهدد مقدساتها وأكرم مقدساتها المسجد الأقصى، والمقاومة.

بعد هذا القرار المنبعث من الخبث والعلو الاستكباري الصهيوني والأمريكي والذي كشفت عن خيوطه أرض الإسراء والمعراج في شكل صفقة قرن بين حكام العرب وأمريكا والكيان الصهيوني، بات على الدارسين توجيه الأقلام لتفسير مرحلة جديدة من المواجهة بعد مضي مائة عام من تصريح أوربي بلفوري نجح في زرع الكيان لكن فشل في تهويد كل فلسطين وإخراج أهلها وهزيمة المقاومة.

نرصد إن شاء الله من خلال قراءتنا هذه مراحل الانتقال من عهد إلى عهد، من تصريح إلى تصريح من وعد إلى وعد.

هو رصد يكشف لنا خيوط المؤامرة ومعالم توظيفها كردة فعل عن تهديدات شعبية فلسطينية وأخرى حركاتية للأمة والشعوب العربية والإسلامية تقض مضجع المشروع الصهيوني وتجعله في محك المواجهة والارتباك السياسي واختلال توازن القوة.

سننظر توضيحا وبيانا لهذه المقاربة السابرة أغوار مرحلة انتقالية في استراتيجية العدو تقابلها بطبيعة الحال مرحلة انتقالية جديدة لقوى الأمة لمواجهة الاستكبار الصهيوني والأمريكي من خلال ثلاث نقط ومحاور :

1ـ المحور الأول: من التوطين إلى التهديد

يرصد المحور الأول مرحلة مائة عام من الاحتلال منذ تصريح بلفور وغايته في التوطين وبناء وطن قومي يهودي، إلى مرحلة التهديد التي أضحى يعيشها اليوم الكيان الصهيوني من خلال مهددين اثنين: القوة الفلسطينية وقوة الأمة.

2 ـ المحور الثاني: من التمهيد إلى التهويد 

المحور الثاني يبرز لنا مرحلة جديدة من خيوط المؤامرة وهو رد فعل عن هذه التهديدات يدفع القوة العالمية الصهيونية إلى التمهيد والتعبيد للتهويد المطلق والشامل لتصفية القضية الفلسطينية بوصلة وأمل الأمة، وإنهاء المهددات الداخلية الفلسطينية والخارجية الممثلة في حراك الأمة المناصر للقضية.

3ـ المحور الثالث: معالم التمهيد والتعبيد 

هي معالم تنقلنا فهما ووعيا إلى السبل الشيطانية العدائية التي يتم توظيفها للتمهيد لتصريح ترامب وتنفيذ خطة صفقة القرن.

المحور الأول: من التوطين إلى التهديد

لو نظرنا من أعالي التاريخ وتفكرنا في مراحل المواجهة بين الأمة والأمم الاحتلالية العدائية لتعلمنا من التاريخ وعيا وفقها واعتبارا منه في فترات ما قبل انهزام وزوال العدو المتكالب على الأمة ومقدساتها سواء أكان هذا العدو صليبيا أو صهيونيا، أنه يخرج أوراقه الشرسة في الأوقات العصيبة ضد الأمة ومقاومتها ومقوماتها ومقدساتها وبوصلتها، سواء عددنا هذه الأوراق كتلا عربية جبانة تتبع وتنقاد ولا تقود، أو أحجاما غربية تلبس لبوس العجل الذي له خوار بروح سامرية صهيونية.

والعدو الصهيوني كباقي المنظومات العنصرية العدائية التي علت في الأرض وفسدت وأفسدت وتوغلت واحتلت هو كذلك اليوم يعيش مرحلة العلو الكبير كردة فعل يخرج فيها أوراقه المبعثرة خوفا من قوى أضحت تهدد كيانه.

العدو الصهيوني بعد فساده وإفساده في أرضنا المباركة ومسجدها الأقصى وبعد صناعته لكيانات ومنتوجات حاكمة عربية داخل أقطار الأمة تخدم الأجندة الصهيونية الأمريكية ها هو اليوم يجمع أحجامه وكتله الغربية والعربية والعالمية خوفا وهلعا مضطربا لحسم المعركة بتصفية القضية الأم والمصيرية للأمة، فلسطين، وليواجه أمة مناصرة للمسجد الأقصى تيقظت وتجددت أنفاسها وأسرجت قناديلها لتيمم وجهتها نحو القدس وفلسطين بتحرك واحد بفقه ووعي وازن متزن لا يرهبها حاكم أو سلطان ولن يوقفها عن صد هذا العلو الكبير بين الكيان الصهيوني وأمريكا صاد أو مانع.

نعم بقدرة قادر وبحكم سنة الله وأمام تغير الأوضاع لصالح أمة نهضت وتجددت معانيها ونظرتها للتغيير والتحرير وتجددت بوصلتها نحو المسجد الأقصى وفلسطين أضحى الكيان الصهيوني يعيش اختلالا وتهديدا حتميا من قبل قوى الأمة بمقاومتها الشعبية الفلسطينية وقوة شعوبها الحركية الطامحة للتحرر من تبعية الاستكبار العالمي الصهيوني الأمريكي ومنتوجاته العربية الديكتاتورية.

القوة الشعبية الفلسطينية المقاومة وقوة حركة الشعوب المناصرة لفلسطين هما قوتان هددا المشروع الصهيوني وأعادا قوة التوازن لصالح القضية الفلسطينية والمقاومة.

 فما هي ملامح قوة تهديد الصمود الشعبي الفلسطيني بمعية التفاعل الشعبي العربي والإسلامي على المشروع الصهيوني والتي أفضت إلى إخراجه للورقات الأمريكية والعربية لإعادة التوزان لصالحه؟

يمكننا الجواب عن السؤال ببسط عنصرين من القوى المهددة للمشروع الصهيوني وهما:

أولا، قوة الصمود الشعبي: بعد مائة عام من تصريح بلفور، بعد مائة عام من هدية التوطين الصهيوني، بعد قرن من احتلال وتكالب على القصعة وتمزيق للأمة أقطارا وقطعا ممزعة موزعة، بعد قرن من تشريد شعب فلسطيني واجه وقابل الاحتلال “والعلو الفاسد” بمائة عام من الصمود والانتفاضات والانتصارات، خلص المشروع الصهيوني في المنطقة وغيرها إلى أنه نجح في التوطين وبناء “دولة بفضل خيانة ولاة العرب وأنظمة الغرب لكنه لم ينجح في “استكمال الدولة”.

 نعم أعلنها شكلا وأسطورة في التوراة والتلمود والمخطوطات والآثار الملفقة المزيفة تاريخيا وسياسيا وثقافيا، لكنه فشل في لي جبروت المقاومة وإفشال حركة شباب الحجارة وجهاد مرابطات بسلاح الله أكبر، وفشل في تهويد كل فلسطين وإخراج أهلها. بل وبعد قرن من التآمر العربي والغربي الأمريكي والصهيوني على القدس وفلسطين وتهجير أهلها زادت قوة الفلسطينيين، وتأجج غضب الشعوب للدولة العازل وعيا منهم أن الكيان الصهيوني وبال وفتنة وفساد دمر المنطقة والشعوب.

بعد مائة عام منذ فترة الإعلان على تصريح بلفور (من 1917 إلى آخر 2017) إلى تصريح وقرار ترامب راح المشروع الصهيوني يفكر فعليا أنه انتقل من فترة الأمن والاستقرار إلى فترة التهديد، فهو مهدد من قبل شعب فلسطيني له إرادة قوية لم تنجح البتة اتفاقيات أوسلو وكام ديفيد من تدجينه وتطبيعه، فضلا مهدد داخل قفص الشعوب العربية والإسلامية الغاضبة التي يمكنها أن تنفجر ضد دول وحكومات هشة مهترئة صنعها الاستكبار الصهيوني الأمريكي.

ثانيا، قوة الأمة المناصرة: مع نهاية عهد سايس بيكو الممزق للأمة أقطارا محددة، ومع نهاية عهد بلفور الذي نجح نسبيا في إضعاف الأمة وشعوبها بزرع كيان داخلها اسمه “إسرائيل” فشل في ضرب روح الأمة وداخلها الإيماني والفطري، ومع ظهور حركات تطمح للتحرر من التبعية والاستبداد، وبعد سقوط حكومات في فترة الغضبة الأولى البوعزيزية، في غضون هذه التحولات بات الاستكبار الصهيوني والأمريكي يتوجس من تمدد الحبل على الجرار الذي يمكنه أن يسقط الباقي مستقبلا بثورة الغضبة الثانية على الكراسي والعروش لتحرير شعوب تطمح مستقبلا أن تعيش مستقلة حرة، مما يخول لها في وقت أن تفكر فعليا في القضاء على الكيانات والمنتوجات العربية الصغيرة الفاسدة الحاكمة، وقد تفكر بعدها في التوجه إلى التحرير الأكبر وهو تحرير فلسطين والمسجد الأقصى تصفية للداء والاستبداد الصهيوني الكبير الذي كان المسبب الأول في بناء أدواء وأسقام استبدادية عربية جعلت الشعوب تعيش قهرا وظلما بفضل الحكومات الديكتاتورية التي قدمت خدمة للحفاظ على استقرار الكيان الصهيوني، الضامن هو كذلك رعاية دائمة للكراسي والعروش بفضل خدمات أمريكا.

أمام هذين التهديدين والقوتين وهما قوة صمود الشعب الفلسطيني وقوة الأمة المناصرة، بات المشروع الصهيوني يفكر في إخراج ورقات الاستكبار الأمريكي بمعية المنتوجات العربية الخائنة، لعل هذه الورقات تحفظ ماء وجه الاحتلال في المنطقة، وتكمل مشروعه التهويدي بصفقة قرنية تنقذه من التهديدات المستقبلية خصوصا بعد فشل تصريح بلفور في استكمال المشروع الصهيوني لبناء دولة خالية من أي تهديد مقاوم، سواء كان التهديد شعبيا مقاوما منتفضا، أو خارجيا ممثل في تحركات شعبية عربية إسلامية تغضب للأقصى وروح وأمل الأمة.

وهذه خلاصة فكرتنا حول التوصيف والتشخيص الزمني للمواجهة بين العدو الصهيوني والأمة المختصرة من مرحلة التوطين إلى مرحلة التهديد. وهي مرحلة ناقوس خطر ستنتقل بالعدو إلى مرحلة التمهيد. لكن التمهيد لماذا؟

المحور الثاني: التمهيد قبل التهويد 

في هذه الفترات المفعمة بتحولات إقليمية ودولية متغيرة الوعود والتصريحات الأمريكية والصهيونية ضد هوية ومقدسات الأمة وتاريخها تتشكل كتل وأحجام أقوى من السابق يخرجها الجبان والعدو الحقيقي للأمة بعد شعوره بزلازل سابقة وقادمة تقودها الشعوب وسوادها الذي ضجر يأسا من خبث الداء الصهيوني وسط الأمة والأرض المباركة.

المشروع الصهيوني بعد انهزاماته المتكررة أمام قوة المقاومة الفلسطينية وفي معارك سجيل والعصف المأكول وانتصار الحراك الشعبي المقدسي بمعية نصرة الشعوب في أبواب الأقصى تحول إلى كيان أسطوري بدأ يشك في دولته العبرية وإقامتها بشكل كامل، فراح يخرج الكتل الغربية والأمريكية العربية في شكل صفقات تصفوية وقرارات أمريكية متهورة تشكل علو الاستكبار العالمي بمعية روحه الصهيونية.

وما أقدم عليه ترامب بعد الاعتراف بالقدس عاصمة ل”إسرائيل” هو عنوان نتائج هذا القلق والتوجس الذي تلاه تكتل واصطفاف توج بصفقة القرن بدأت معالمها التدريجية التنفيذية بتصريح أمريكي.

لكن تعالوا نلق نظرة من الأعالي لنجمل معالم التمهيد و الإعداد والتجهيز الاستكباري الذي جمع الروح الصهيونية السامرية بالأجساد العجلية العربية الخائنة والغربية المنافقة لتصفية قوى الأمة بعلمائها وحراكاتها وشعوبها ومنظماتها ونخبها وشخصياتها وفضلائها تمهيدا لمخطط إنهاء قضية فلسطين في شخص المسجد الأقصى والقدس ومن يرعاهما “المقاومة” الشوكة العالقة في حلق الاستكبار الصهيوني والأمريكي والعربي، علما منهم ووعيا وتنظيرا أنه رغم تمزيق المنطقة والأمة إلى بقع مشتتة مخربة فإن الشعوب يتوجس من غضبتها ما دام هناك مسجد يشعل أملها ويذكيه.

ونقول لهم صدقتم وأنتم فاسقون، ونحن نصدح بصوت عال أن المسجد الأقصى قبلة التغيير والتحرير باعتباره أمل وروح الأمة بل وموضع مشروع سماوي أتى إليه النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم إسراء ليرى من آيات الله أن بني إسرائيل سيعلون علوا كبيرا ويفسدون في الأرض مرتين، ومن علامات إفسادهم الثاني أن يجمعهم الله لفيفا في كيان خبيث وأرض محتلة، ثم يتحركوا روحا في دول غربية وعربية لينهوا ما بقي من مقدرات ومقدسات الأمة.

ومن علامات بلوغ فسادهم المنذر بزوالهم أن يشرعوا بإخراج أركان علوهم الفاسد كتلا وأحجاما أمريكية وغربية وعربية، وإخراج أوراقهم في شكل مؤامرات وقرارات وتصريحات لإنهاء وتصفية المسجد الأقصى وقضية بيت المقدس وفلسطين والمقاومة الباسلة.

لكن ماهي معالم هذا التمهيد التصفوي والتعبيد للتهويد الشامل لكل فلسطين؟ 

المحور الثالث: معالم التمهيد والتعبيد 

وظف الاستكبار الصهيوني والأمريكي والعربي أساليب عنصرية ثلاثة للتمهيد للتهويد الشامل، ولتعبيد الطريق لهذه الصفقات والتصريحات والقرارات التهويدية وكانت صفقة القرن الطريق الوحيد لتثبيت الكيان الصهيوني وإطالة عمره وسط الأمة، وتعبيد الطريق له ضد كل العوائق من خلال تنفيذ قاعد “إذكاء العنصريات لحصار المقومات” الشاملة لمفهوم التمهيد الميداني لتصفية المشوشات والمقومات القوية للأمة لإخلاء الطريق لضرب المقوم الكبير وهو المسجد الأقصى المبارك والقدس وفلسطين.

فالخطة التصفوية تبدأ من الأسفل إلى الأعلى من الخارج إلى الداخل، من تصفية القوي إلى الأقوى من المهم إلى الأهم، من إنهاء المقومات والقوى المناصرة للمسجد الأقصى وفلسطين (شعوب، مؤسسات، حركات، جمعيات، علماء ودعاة منظمات…) إلى استهداف البوصلة الأم وهي فلسطين والمقاومة والمسجد الأقصى، عقيدة الأمة ووصية السماء وما بقي من أمل وقنديل نبوي معراجي يسرج أنفاس الأمة.

وترتكز قاعدة “إذكاء العنصريات لتصفية المقومات” على ثلاث أساليب أو مستويات:

أولا : أسلوب إذكاء العنصرية العربية الحاكمة

 كمرحلة أولى شرع الاستكبار العالمي الصهيوني الأمريكي من أجل تعبيد الطريق لتهويد أكبر في القدس واستهداف أشد للمقاومة في إخراج عنصرية الديكتاتوريات العربية العاملة بالوكالة على تقسيم الأمة تخريبا وتدميرا، وحصار دول ومؤسسات وحركات مناصرة للقضية الفلسطينية خنقا قمعا، فضلا عن إضعاف شعوب الأمة واعتقال علمائها ونخبها وشخصياتها وحصار جمعياتها، وتوظيف علماء ومفكري ومثقفي البلاط للترويج للتعامل مع “إسرائيل” تطبيعا، وفسح المجال للغوغاء ولديدان القراء وعلماء السلطان للفتوى لأجل التطبيع مع الكيان الصهيوني.

 وما هذه إلا أساليب إجهازية لحجب الساحات العربية والإسلامية عن الحقيقة وتفريغ الساحة الشعبية من فعل قوي لقوى الأمة ضد قرارات صهيونية أمريكية (قرار ترامب مثلا) تعمل قصدا وتخطيطا لتصفية المقومات الأقوى في الأمة وهي القدس والمسجد الأقصى المبارك والمقاومة.

ثانيا: إذكاء العنصرية الغربية البلفورية

 في مرحلة ثانية وظف الكيان الصهيوني دول الاستكبار الغربي ومن بينها بريطانيا، لإنعاش عملية الزرع الكياني من خلال احتفال علني بتصريح وقرار بلفور بعد مرور مائة عام.

عسى هذا الحفل يضفي صبغة المصداقية على أسطورة الدولة العبرية بعدما تفتت خيوطها العنكبوتية البلفورية المهترئة قرابة مائة عام بفضل صمود المقاومة وسواعد المقدسيين التي قوضت الصرح الهرتزيلي الخرافي على أعتاب باب الأسباط وباب المغاربة.

عسى هذا الحفل ينعش السياسة الصهيونية بعدما عجز حكام العرب وفشلت أنظمة الجور العربية في إقناع شعوبها بقبول الكيان ونتائج الاتفاقيات المبرمة سابقا بين العرب و”إسرائيل” عبر وسائل التطبيع والترويج.

 وهذا الفشل في إقناع الشعوب راجع بطبيعة الحال إلى يقظتها التي ضاقت من سياسات تدميرية لبلادها وأبنائها على مرور قرن من الزمن.

وقد وعت الشعوب بشكل واضح وجلي أن اليد الحقيقية وراء تدميرها و زرع هذه الخبائث والفتن داخلها هي الفتنة الكبرى والداء الكبير الصهيوني، الذي وظف مؤخرا منتوجاته العربية لضرب حركات الشعوب العربية والإسلامية لمنعها من تنسم نسيم الحرية والعدالة الاجتماعية. 

فباتت الشعوب توجه بوصلتها نحو فلسطين ونحو “مرتع المرض” وصارت أيادي الشباب والأجيال ترصد وعيا موطن الداء والخبث للتخلص منه عبر قاعدة تحرير الأقطار العربية أولا من الأمراض الصغيرة المستبدة، ثم السير قدما مستقبلا نحو تحرير بيت المقدس من الفتنة الكبرى والداء الكبير الصهيوني.

 ثالثا: إذكاء العنصرية الامريكية

في مرحلة ثالثة سعى المشروع الصهيوني الأمريكي إلى الإجهاز على المنظمات العلمية والتاريخية غير المعترفة بالدولة العبرية.

 فاستهدف الاستكبار الصهيوني الأمريكي منظمة الإسكوا واستهدف مفكريها وخبرائها، ورفض الأمين العام للأمم المتحدة تقرير ريما خلف، وتلا هذه الإجهازات حصارا واستهدافا لتقويض منظمة اليونسكو وتفريغ محتواها، وهو حصار كان على المستوى القيادي والريادي للمنظمة من خلال التآمر على إسقاط المرشح العربي عن رئاسة المنظمة، وهي التي اعترفت أن القدس محتلة وأن المسجد الأقصى تراث إسلامي خالص للمسلمين.

وأخيرا 

وفي مرحلة متقدمة سعت الأيادي الصهيونية بتآمر أمريكي وعربي إلى الاتفاق على صفقة قرنية بين حكام العرب لتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء مرحلة الصراع المفعلة لغضبة الشعوب ضد الكيان الصهيوني ومن يخدمه من حكومات عربية مستبدة. 

لذلك تم تنفيذ معالم الصفقة بداية بقرار أمريكي ترامبي يعلن بعد مائة عام من تصريح بلفور عن تصريح جديد يجعل القدس عاصمة الكيان الصهيوني.

وهذه ماهي إلا أولى الأوراق الصهيونية والأمريكية الساعية إلى اجتثاث المقاومة والقوة الشعبية الفلسطينية حفاظا على كيان صهيوني حقق الكثير على صعيد مائة عام من التغلغل في المنطقة، وحقق تقدما كبيرا على مستوى الاختراق العربي تطبيعا وتواصلا وتوغلا. 

أظن أن الأيام حبلى بالتطورات حول المواجهة بين قوى الأمة الحركية والمقدسية وقوى الاستكبار الصهيوني والأمريكي والعربي.

الأيام المقبلة طافحة بسيناريوهات متغيرة ومرحلة انتقالية بين أهل الحق وآل الباطل، بين أهل الأرض والحضارة المقدسية والتاريخ الحق وأرباب الأسطورة والخرافة الصهيونية، بين وعود ترامب وبلفور ووعد الله المنصور، الذي سيحقق قريبا بفضل الله وقوة رجال الحق وأرباب النور من مشارق الأرض ومغاربها، من يملكون الحق وزيت إسراج قناديل المسجد الأقصى بل ومساجد الأمة الإسلامية جميعا.