أثارت الميزانية المخصصة للبلاط في قانون المالية لسنة 2018، كسابقاتها من الميزانيات والسنوات، جدلا واسعا في شبكات التواصل الاجتماعي حيث انبرى عدد من الغيورين ورواد المواقع الاجتماعية لطرح أسئلة جريئة حول جدوى ميزانية ضخمة تثقل كاهل الدولة بمليارات الدراهم، ففي وقت تخضع فيه ميزانيات ملكيات الدول الديمقراطية لمراقبة دقيقة وتلتزم هي بتقديم تقارير مفصلة عن مجالات صرفها ومبرراته فإن “نواب الأمة” في هذا البلد السعيد يجدون رهبة وغضاضة في مناقشة هذه الميزانية حيث تعرض بشكل سريع ومقتضب أمام البرلمان ودون مناقشة حتى في ظل وضع اقتصادي مزر ومتهالك واحتقان اجتماعي خطير تنذر كل المؤشرات بتصاعد وتيرته واتساع رقعته.

وضع كارثي في جميع المجالات وعلى مختلف الأصعدة يؤكد بالواضح والملموس فشل سياسات المخزن الارتجالية والعشوائية، وزيف مشاريعه ومبادراته الوهمية في مجال التنمية، فالأرقام والإحصائيات والواقع يؤكد تفاحش الفقر والبطالة واتساع الهوة بين أقلية تستفيد من الريع وأغلبية ساحقة تعاني من أجل الحصول على لقمة العيش.

وفي غمرة الأصوات المنادية بضرورة ترشيد النفقات والحكامة الجيدة والإصلاح الحقيقي تبرز إلى الواجهة مقترحات رجل مجاهد كرس حياته للدفاع عن قيم ومثل العدل والكرامة والحرية؛ إنها الاقتراحات التي ضمنها الأستاذ عبد السلام ياسين رسالته الشهيرة إلى ملك البلاد يوم 28 يناير 2000، والتي سماها مذكرة إلى من يهمه الأمر.

مقترحات لم تزدها الأيام والسنون إلا وجاهة وصوابية وأحقية؛ فمنذ ثمانية عشر سنة خلت شخصت الرسالة “النصيحة” الواقع المغربي بدقة بالغة وحددت مكامن الداء واقترحت العلاج والدواء.

تقول الرسالة: مستنقعنا المغربي أسن ماؤه وفاحت رائحة عطنه فلا نطمع في أن تنجح “إشارات”صغيرة هنا وهناك في تجفيف مائه الراكد وتفريغ وحله العفن). وتؤكد أن النيات الحسنة والوعود المطلقة على عواهنها لا يمكن أن تصمد أمام الثعالب العجوزة ولا يمكن أن تطهر المستنقع: جميلة تلك الوعود المنثورة على الرؤوس بسخاء لكن ما أبشع الخيبة حين تستفيق الشبيبة بعد حين من الأماني المعسولة على مرارة الواقع التعس. فبعد الاستعراضات والاحتفالات سيرحل الشعر المحلق في الأجواء ليحل محله النثر المثقل بالبطالة والبؤس، لن تلبث الصورة المزركشة والنية الحسنة للسلطة الرمزية الجديدة أن تخونهما الإكراهات الاجتماعية الاقتصادية والجوارح المستترة المتحفزة للاستماتة في الدفاع عن امتيازاتها والمحافظة على الظروف الممكنة لعهد الجمود).

وتقترح الرسالة على “ملك الفقراء” التحلي بشجاعة نادرة وعزم من حديد للقطع مع ماضي الظلم والاستبداد … لابد من فعل يؤسس، فعل يمنح الشرعية لتسيير جديد للدولة، لمنهج جديد في الحكم، لعدالة أخرى، لتعليم راشد، لعدل اجتماعي يلغي الامتيازات ويقارب ويسدد بين جانبي الهوة السحيقة الفاصلة بين الحفاة العراة والسادة الدين يرفلون في النعيم).

وتضيف في موطن آخر وفي سياق الدعوة إلى رد المظالم والتخلص من الإرث الثقيل: أتمنى للملك الشاب من العزم والشجاعة ما يمكنه من اقتحام هذه العقبة الكئود وأذكره مرة أخرى مودعا، كفر عن مظالم أبيك المسكين وخفف عنه الحساب العسير، رد إلى شعبك ما سلب منه. تب إلى الله وكفر عن خطاياك وخف ملك الملوك والله يتولى الصالحين).

رحم الله الإمام الذي دعا الجميع إلى تحمل مسؤولياته من أجل الخلاص قبل فوات الأوان: … لكن القضية النبيلة التي يناضل في سبيلها كل حر يسكنه هدف سام تتطلب منا جميعا حدا أدنى من الصراحة والنزاهة الفكرية حتى نكشف عن الحقائق المنكرة ونوقظ العقول الغافية).

فهل تلقى دعواته ونداءاته آذانا صاغية وتحظى بنقاش موضوعي لما فيه خير البلاد والعباد؟

طالع أيضا  مذكرة إلى من يهمه الأمر.. حين اقترح الإمام ياسين مداخل إنهاء الطغيان والحرمان