إن قارئ مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله يقف على المساحة الكبيرة التي خصصها للتعليم عموما، وهذا طبيعيّ باعتبار الرجل أحد الذين خبروا المجال مبكرا، وباعتباره صاحب مشروع تغييري أُسُّـــهُ بناء الانسان وتأهيله، “وللتعليم مكان الصدارة في أولويات البناء” (ص:212)، فــ“لا أمل لعزة في هذا العصر لأمة لا تقرأ، ولا تكتب، ولا تشارك شعوبها عن معرفة بما يجري في العالم، وما تفرضه ضرورات الصراع في العالم”. (ص: 135)

 وإذا كان لا يكاد يخلو مؤلف من مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين من قضية التعليم، فإن فصل “تعليم يحررنا” في كتابه “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” يكاد يجمل مواقفه ورؤيته للشأن التعليمي، ومنه حاولت استخلاص رأيه رحمه الله في التعليم تعميما ووظيفة وتمويلا.

وحيث إن التعليم أمُّ الحقوق وبوابة غيرها من الحريات، فإن شرعية الأنظمة تقاس على مدى توفير هذا الحق تعميما وجودة ونجاعة ونفعا للفرد كما للمجتمع، ذلك أن هضم الحق في التعليم ملازم للاستبداد المستثمر في تجهيل أبناء الشعب وتفقيرهم تحصينا لقواعد استبداده. لذلك يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين تعميم التعليم واجبا ملحا “عجزت عن الوفاء به الأنظمة الموروثة… تعميم التعليم والقضاء على الأمية”. (ص: 135)

أجل؛ تعميم التعليم واجب، فهو رافعة التنمية وجسر عبور لشاطئ العزة والكرامة أفرادا وأمة، وهو “مقدمة لاغتنام التقنيات التي هي قوام التصنيع، ولابد من التصنيع الذي هو قوام القدرة على الكسب، ولابد من مزاحمة الكاسبين في الدنيا المتنافسين فيها، القادرين عليها”. (ص: 136)

تعميم التعليم ومحاربة الأمية ظل هدفا متمنعا منذ الجلاء العسكري للاحتلال الفرنسي من أكثر من ستة عقود خلت في مفارقة غريبة لما يستنزف من أموال وما يُستنبت من طرائق تربوية وما يستهلك من خطاب سياسي يحمل الحكومات المتعاقبة مسؤولية الإخفاق وهي لا تعدو جهازا تنفيذيا لتوصيات مؤسسات دولية أو محلية؛ تمنع يسائل نية القائمين على شأن البلاد وصدق إرادتهم في وقت نجحت دول وأنظمة وفي زمن قياسي في اجتثاث آفة الجهل والأمية وولجت نادي رواد التصنيع من بوابة التعليم: دول شرق آسيا نموذجا، معبرة “على ما تستطيع إنجازه حكومة مصممة لها هدف يسهر عليه الممسكون بالزمام… تستطيع إذن الدولة المصممة ذات الهدف أن تعلم وتعمم”. (ص:138) وستبقى الأمية وهشاشة التعليم إضافة إلى تنامي خريطة الفقر والحرمان مؤشرات صارخة على حكامة غير راشدة واختيارات تنموية جانبَها التوفيق والصواب.

طالع أيضا  قضايا وإشكالات التأطير القانوني لمنظومة التربية والتكوين - هواجس التقنين الملزم وإرادة التحكم الضبطي (4)

وغير بعيد عن تعميم مستعصٍ إلى حين، طفا إلى سطح التعليم موضوع التمويل، حيث أضحى التملص من مجانية التعليم ولو بتدرج أقرب من أي وقت مضى، وهو ـ التملص من مجانية التعليم ـ الذي “بشّر” به ميثاق التربية والتكوين قبل عقد ونصف من الزمن (2000) والذي سُوق إضافة إلى “مدونة الأسرة” و”المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” عناوين “العهد الجديد”؛ تمويل التعليم كغيره من الإنفاق على الخدمات الاجتماعية يكون أول ما تستهدفه توصيات المؤسسات المالية الدولية بدعوى تخفيف أعباء الإنفاق العام الذي يستنزف ـ في تقديرهم ـ الميزانية العامة للبلد، غير أن السؤال المتهرب من جوابه هو: ما الذي جعل تعليمنا كسيحا لا يُخرِّج الكفاءات المنتجة ولا يُسهم في توطين التنمية؟

في نظر الأستاذ ياسين رحمه الله، “من الاحتباسات العائقة للتنمية عدم ملاءمة التعليم لأهداف التنمية. احتباس له أهميته القصوى بعد احتباس صناعة القرار السياسي المحتكر… ارتباط التعليم بالعملية الاقتصادية ضروري ليتحول التعليم من تلقين نظري إلى تدريب عملي. محيط منتج يشجع تعليما منتجا. ولا تعليم ينتج بغير التدريب العملي التطبيقي الذي يجد سوقا في محيطه”. (ص: 183)

وله رأي في شأن تمويل التعليم، رأي استخلصه من إرث الأمة الإسلامية الحضاري وشهدت بصدقه تجارب أمم غربية هي اليوم رائدة اقتصاديا وعلميا، غير أنه وقبل أن تخفف الدولة من أعباء الإنفاق على التعليم، يرى أنه إذا “استفهمنا التاريخ عن سر تقدم الغرب في العلوم وجدنا، من بين ما نجد من أسباب، استقلال التعليم عن الدولة واحتضان مؤسسات خاصة للمعاهد التي صبغت النبوغ والتفوق”. (ص:140) وهو ذات الاختيار في تجربة المسلمين الحضارية قبل أن يبسط الاستبداد سيطرته على مفاصل الدولة، فـ“ما كان التعليم والتعميم واصطفاء العلماء يوما شأنا من شؤون الدولة في الأصيل من تاريخنا. كان المتمولون يتبارون في بناء المعاهد. وكان الأمراء يشيدون المدارس ويخصصون لها الأوقاف الغنية”. (ص:140) وهو اختيار صالح لو لم يصادر الاستبداد الحق في المبادرة في سائر المجالات ومهما صغرت: توزيع قفة رمضان نموذجا في مسعى لاحتكار منابع التعاطف الشعبي وتفويت الفرص على المنافسين السياسيين في زعمه. فـ“لم يكن التعليم قضية دولة، بل كان البذل والتطوع والمسارعة إلى الخيرات هي البواعث، وهي الفواعل”. (ص:140) وتمويل التعليم قد يُتخفف من أعبائه كليا أو جزئيا لو صُنف التعليم شأنا مجتمعيا تتولاه هيئة أو مجلس مستقل يعكس توجه المجتمع وهويته ويسعى لبناء الانسان وتأهيله لينخرط في مشروع مجتمعي ينشد مع رغد العيش ووفرة الإنتاج كرامة وحرية وعدالة اجتماعية؛ مشروع مجتمعي تتقاسم مكونات المجتمع ميسوروه وشركاته فاتورته، حيث يكون للانتماء إليه معنى. أما والتعليم بمخرجاته أداة لترسيخ الاستبداد وتأبيده ثم يطلب للشعب دفع كلفته فهذا تمادٍ في الغي واستخفافٌ بذكاء شعب ما فتئ ـ دون جدوى ـ يبعث رسائل مشفرة وواضحة إلى من يُهمه أمر هذا البلد.

طالع أيضا  لغة التدريس والإرادة السياسية الحرة: الأمير محمد عبد الكريم الخطابي رحمه الله نموذجا

ــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش جميعُها من فصل “تعليم يحررنا” من كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله.