خلق الله تعالى النفس البشرية وأودع فيها من الاستعداد للخير والشر ما به يمتحنها سبحانه في هذه الحياة قال سبحانه وتعالى: ونبلوكم بالخير والشر فتنة أي امتحانا، فأمر سبحانه الناس بالانشغال بما تستقيم به أعمالهم وتزكو أنفسهم لكي تنال فلاح الدنيا والآخرة بإصلاح قال سبحانه: ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها وقال: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها –الشمس– فمن عكف على تزكية نفسه وتطهيرها وتَبَصَّر بعيوبه واشتغل بإصلاحها فقد أفلح وسلم، ومن اشتغل بعيب غيره وأتبع نفسه شهواتها خاب وخسر قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ .

ومن الآفات التي تحول بين الانسان وصلاحه وفلاحه أن يُشْغِل نفسه بغيره، فإن ذلك من مكر النفس الخبيثة والشيطان، ومن شدة الغفلة والغرور وادعاء الصلاح والله عزوجل يقول: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى، فمن تتبع الناس وعيوبهم ونقائصهم فقد زكى نفسه وفيها من النقص ما لم يره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجِذْعَ في عينه”. ويقول الامام المجدد سيدي عبد السلام ياسن رحمه الله تعالى: إننا إن نحلل مجتماعاتنا لإصلاحها دون أن نحلل أنفسنا لمعرفتها و إصلاحها كمن ينفخ في غير ضرم. كيف تصلح المجتمع والدنيا وزينتها حشو فكرك وقلبك.

وإن الانشغال بعيوب الناس يجر الانسان إلى مساوئ الاخلاق بدءا بسوء الظن والغيبة، وزرع الضغينة بين الناس وجلب الكره والعداء للنفس والكدر للقلب وتعرض لعقاب الله له بالفضيحة وتتبع عورته وعيوبه لأن الجزاء من جنس العمل، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ”. وذكر ابن حبان في روضة العقلاء أنه: “ومن اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه“. فبهذا تضيع على الإنسان فرصة إصلاح نفسه وتقويمها ونجاتها من سوء المآل والله عزوجل يقول: ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم الى ربكم ترجعون .

وإن السلامة كل السلامة في انشغال الانسان بنفسه يتصفحها ويتهمها بالنقص والتقصير، ويعكف على إصلاحها وتقويمها لا يشغله أحد عنها ولا يشغل نفسه بأحد، روى الامام أحمد في مسنده ”من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، هذا الحديث أصل عظيم من أصول تهذيب النفس وتزكيتها وقد عدّه بعضهم ثلُث الاسلام وقالوا بأنه اجتمع فيه الورع كله، لماذا؟ لأن ترك ما لا يعني لا تقوى عليه إلا القلوب السليمة، والنفوس الطاهرة، نفوس تنطوي سرائرها على الصفاء، فأصحابها في راحة، والناس منهم في سلامة.

تابع تتمة المقال على موقع مومنات نت.