بقلم: عبد العزيز بنحادة باحث في الاقتصاد

في خطوة مفاجئة أعلن البنك المركزي المغربي المرور إلى نظام أكثر مرونة لسعر صرف الدرهم ابتداء من يوم الإثنين 15 دجنبر 2018. هذا الإجراء كان من المتوقع أن يدخل حيز التنفيذ ابتداء من فاتح شهر يونيو 2017، غير أن الحكومة قررت تأجيل اعتماد النظام الجديد دون الإعلان عن وقت محدد لاعتماده.

 ماذا يعني تعويم سعر صرف الدرهم؟ ولماذا تم التأجيل؟ ولماذا تم اعتماده في هذا التوقيت؟ وما هي تداعيات التخلي عن نظام شبه مرن واعتماد نظام أكثر مرونة؟

سنحاول من خلال هذه الورقة الإجابة وبطريقة مبسطة عن هذه الأسئلة.

 1- ماذا يعني تعويم سعر صرف الدرهم؟

يعني نظام الصرف المرن للدرهم تخلي بنك المغرب عن إدارة سعر الصرف بشكل مباشر، وترك تحديد سعر صرف العملة الوطنية لقوى العرض والطلب في السوق.

فيما قبل كان سعر صرف الدرهم يحدد داخل نطاق تقلب جد حذر نسبيا بما مقداره 0.3+ بالمائة صعودا و0.3- بالمائة نزولا. وكان الدرهم مرتبطا بعملتين هما؛ الأورو بنسبة 60 في المائة والدولار بنسبة 40 في المائة. يسمى هذا النظام بالنظام الثابت أو شبه الثابت لسعر صرف العملة.

أما النظام الذي تم اعتماده ابتداء من يوم الاثنين 15 دجنبر، والذي يطلق عليه نظام سعر صرف المرن أو المعوم، يعني ترك تحديد قيمة العملة الوطنية لميكانزمات السوق أي عوامل العرض والطلب، لكن في حدود هامش يتحكم فيه فيه البنك المركزي. وقد حدد هذا الهامش في نسبة 5 في المائة، يعني 2.5 بالمائة في كلا الاتجاهين.

2- أسباب التأجيل

كان الانتقال إلى النظام المرن مقررا في يوليو من سنة 2017 لكن الحكومة قررت وبشكل مفاجئ كذلك التأجيل وبدون الإعلان عن وقت محدد للعمل بالنظام الجديد. أرجع المحللون هذا التأجيل لعوامل عدة؛ من بينها ما أعلنت عنه الحكومة بدعوى الضرورة إلى مزيد من الدراسات حول الانعكاسات المنتظرة، والفوران الذي عرفته غرف التداول، والمضاربات ضد العملة الوطنية، والمخاوف حيال مخاطر انخفاض قيمتها مما أدى إلى خسارة البنك المركزي ما يزيد عن أربعين مليار درهم وهو ما يقارب 4 مليار دولار من الاحتياطات الأجنبية للعملة الصعبة. ناهيك عن الاحتجاجات التي تعرفها بعض مناطق البلاد بسبب الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية، مما جعل الأجهزة الأمنية تدخل على الخط حتى في القرارات الاقتصادية والمالية.

إضافة إلى هذه الأسباب هناك كذلك عدم جاهزية النظام النقدي لاستيعاب التحول من نظام ثابت إلى آخر أكثر مرونة.

لقد أبان قرار الحكومة تأجيل العمل بالنظام المرن لسعر صرف العملة الوطنية عن التخبط والارتجال وتضارب الأدوار بين السلطات الاقتصادية والمالية في البلاد وخاصة بين والي بنك المغرب ورئيس الحكومة.

3- لماذا الآن؟

تعتبر الحكومة المغربية والسلطات النقدية بشكل خاص أن الظروف جد مواتية لهذا التحول؛ حيث أن المؤشرات الماكرواقتصاذية تسمح بذلك: نسبة التضخم متحكم فيه ونسبة عجز الميزانية مقبولة واحتياطات العملة الصعبة متوفرة… وبالتالي فإن اعتماد نظام معوم للدرهم سيمكن المغرب من زيادة تنافسية صادراته نحو الأسواق العالمية. كما سيمكنه من التخفيف من الصدمات الأجنبية وسيساعده على جلب استثمارات أجنبية معتبرة، إلى غير ذلك من الآثار الإيجابية المنتظرة لهذا التوجه.  

لكن الوقوف عند هذه المؤشرات يمكّن من إبداء الملاحظات التالية:

نسبة التضخم: مما لاشك فيه أن المستوى العام للأسعار في المغرب منخفض مقارنة مع المستويات الدولية، وذلك راجع للسياسة النقدية الحذرة التي انتهجها البنك المركزي في استهدافه للتضخم، وهو قد نجح إلى حد كبير في هذه السياسة. لكن إذا تفحصنا البنية التي يتكون منها هذا المؤشر، نلاحظ من جهة أنه في السنة المرجعية التي تم اعتمادها لمقارنة تطور الأسعار -سنة 2007- كانت أسعار عدد كبير من السلع مرتفعة تزامنا مع بداية الأزمة المالية العالمية. ومن جهة أخرى فإن بناء مؤشر المستوى العام للأسعار يعتمد على تتبع تطور أسعار مجموعة من السلع والخدمات (ما يقرب 400 منتج وخدمة)، وبالتالي قد تعرف أسعار عدد معتبر من هذه السلع والخدمات ارتفاعا وبالمقابل تعرف أسعار المنتجات والخدمات الأخرى انخفاضا أو على الأقل استقرارا. وعلى هذا الأساس فإن مؤشر المستوى العام للأسعار قد يخفي ارتفاع بعض الأسعار التي يكتوي بها المواطن، وخاصة إذا كانت تلك السلع تدخل في الاستهلاك اليومي لشريحة كبيرة من الساكنة (على سبيل المثال مستوى الأسعار مستقر وثمن الطماطم يناهز 12 درهم مقابل أقل من 5 دراهم من قبل).

مستوى عجز الميزانية ومستوى المديونية: يؤكد واضعو السياسة العمومية بالبلاد على أن نسبة عجز الميزانية، التي تصل إلى 3،5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، تسمح باعتماد نظام مرن لسعر صرف الدرهم دون الخوف من التأثير السلبي على المالية العمومية للاقتصاد المغربي. غير أن المؤشر المصرح به يخفي كثيرا من المغالطات؛ فمن جهة المداخل، يتم احتساب المساعدات الأجنبية (هبات دول الخليج على الخصوص) كمداخل عادية بينما تعتبر مداخل استثنائية، ومن ناحية المصاريف يتم إغفال مبالغ كبيرة من متأخرات في ذمة الدولة اتجاه الشركات، من بين هذه المتأخرات مستحقات الضريبة على القيمة المضافة.

كما أن التقليص في مستوى عجز الميزانية جاء على حساب إنهاك المواطن والشركات المتوسطة والصغرى عن طريق الضرائب، وكذلك حذف المساعدات التي كان يستفيد منها المواطن دون توجيهها للاستثمار. فإذا ما تم الأخذ في الاعتبار هذه المعطيات فقد تفوق نسبة عجز الميزانية 7 في المائة عوض النسبة المصرح بها حاليا.

أما مستوى المديونية، فالمغرب يوجد في وضع جد حرج؛ إذ إن نسبة مديونية الخزينة لوحدها تصل إلى أكثر من 63 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وبإضافة مديونية الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية فإن مستوى المديونية يفوق 80 في المائة من الناتج الداخلي الخام. كما أن المديونية الخارجية تزيد عن 31 مليار دولار (أكثر من 30 في المائة من مجموع القيمة المضافة المنتجة في البلاد). وهذا المبلغ هو أقل مما يتم برمجته في إطار عمليات الاستثمار العمومي.

مستوى الاحتياطات من العملة الصعبة: بلغ مستوى احتياطات البنك المركزي إلى حدود وقت الإعلان عن الانتقال إلى النظام المرن لسعر صرف الدرهم ما يقارب سبعة أشهر من احتياجات المغرب من الواردات، أي حوالي 24 مليار دولار.

إذا كان المسؤولون يعتبرون أن هذا المبلغ كاف ومطمئن، فإن دراسة تكوين وتطور هذه الاحتياطات تبين مدى هشاشة المستوى المعتمد. لأنه من جهة، لم يعرف هذا المستوى استقرارا خلال السنوات القليلة الماضية، ولعل ما حصل من ارتباك طيلة ستة أشهر من سنة 2017 قبل أن تقوم الحكومة بتوقيف عملية التحرير، بعدما وقفت على نزيف خطير للاحتياطي المغربي من العملة الصعبة فاق 40 مليار درهم عبر إجراءات احتيالية من بعض الفاعلين الاقتصاديين والبنكيين، لدليل على هذه الهشاشة. ومن جهة أخرى، فهو مبلغ زهيد مقارنة مع احتياجات البلاد من الواردات ومما يجب دفعه كخدمة للدين الخارجي، هذا بالإضافة إلى ما يتم تحويله كاستثمارات اللوبي الاقتصادي المخزني بإفريقيا.

فيما يتعلق بالقنوات التي تتكون منها احتياطات المغرب من العملة الصعبة -الصادرات والاستثمارات الأجنبية والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج- فأداؤها لم يصل لحد الآن إلى المستوى التي يمكنها من توفير الاحتياجات من العملة الأجنبية بشكل مستمر وكاف. حيث أن تنافسية الصادرات المغربية لازالت ضعيفة (0،3 في المائة من السوق العالمية) نظرا لضعف القيمة المضافة لعدد كبير من المنتجات المصدرة وضعف مرونة الآلة الإنتاجية للمغرب بسبب ضعف إنتاجية عوامل الإنتاج. ولعل العجز الهيكلي الذي يعرفه الميزان التجاري للمغرب لخير دليل.

الاستثمارات الأجنبية بدورها ضعيفة حيث لم تصل في أحسن الأحوال إلى 4 مليار دولار. أما تحويلات مغاربة الخارج فهي لازالت متأثرة بالأزمة الاقتصادية والمالية للدول المستقبلة.    

4- الآثار المحتملة لقرار تعويم الدرهم

يراهن آخذو قرار التعويم على تقوية “مناعة الاقتصاد الوطني إزاء الصدمات الخارجية ومساندة تنافسيته، وتحسين مستوى نموه، ومواكبة التحولات الهيكلية التي عرفها الاقتصاد المغربي، لاسيما على مستوى التنويع والانفتاح والاندماج في الاقتصاد العالمي”. هذه النتائج تعتبر، بحسب وجهة النظر الرسمية، إيجابية ارتباطا بالانخفاض الذي يجب أن تعرفه قيمة العملة الوطنية، إلا أن انخفاض قيمة الدرهم قد تعطي نتائج عكسية تتمثل في ارتفاع أسعار الواردات. الأمر الذي سيلمس المواطن المغربي تأثيره على جيبه؛ فأسعار السلع المستوردة ستصبح مرتفعة نظرا لارتفاع قيمة العملة الأجنبية مقارنة مع الدرهم المنخفض. وسيتفاقم العجز في الميزان التجاري، إلى جانب العجز الذي قد يمتد إلى ميزان الأداءات إذا ما ارتفعت كلفة استيراد النفط والمحروقات والمعدات الصناعية وغيرها.

ارتفاع الأسعار إذا سيؤثر سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين، مما سينعكس على الوضعية الاجتماعية للفئات المتوسطة والفقيرة إذا لم يتم التحكم في تدبير السياسة النقدية من أجل استهداف التضخم.

5- خلاصة

خلاصة القول أن ما يقدمه واضعو السياسات العمومية في المغرب من دوافع لاعتماد نظام مرن لسعر صرف العملة المغربية تبقى غير مقنعة وغير منطقية. ويبقى التفسير الواقعي هو أن هذا القرار مرده إلى المؤسسات الدولية المانحة  من أجل تحكم أكثر واستغلال لخيرات البلاد، بدعوى أن منطق السوق الذي يسيطر فيها الأقوياء اقتصاديا وسياسيا وتراجع دور الدولة عن ما تبقى تحت سيادتها هو السبيل لحل المعضلات الاقتصادية والمالية عموما والمديونية على وجه التحديد.

قرار التعويم هو تابع لقرار رفع الدعم عبر إلغاء نظام المقاصة ومجانية التعليم والصحة، والتي لازال المسؤولون في البلد يعتبرونها قطاعات غير منتجة.